مقالات

وفاء البوعيسي

في حضرة الهنود الحمر

أرشيف الكاتب
2016/07/20 على الساعة 14:05

قد يبدو ما سأقوله عاطفياً لكنه صادق جداً ويؤلمني التفكير به، لهذا قررت أن أكتب عنه قليلاً حتى أرتاح، فالكتابة هي رمي الأحمال على كاهل الأخرين أحياناً بهدف الراحة. 
حين قررت الذهاب لأريزونا بأميركا كان لأن لي فيها صديق مثقف رائع وجنتلمان، هو أفتيم سابا صديق أميركي من أصول فلسطينية، لطالما أحببت لقائه هو وعائلته، ولأن أريزونا حارة صيفاً وأنا أفتقد الشمس بشدة في هولندا، ولأنها أيضاً موطنٌ مهم للهنود الحمر، ولطالما أردت الإقتراب كثيراً من أولئك الحُمر الرائعين. لسبب ما ساذج وغير مفهوم، ظننت أنني سأرى الكثير من الهنود بفينيكس أو سيدونا أو توسون، لكنني كنت مخطئة وستعرفون لماذا.
لقد ذرعت الجبال والتلال، ونزلت إلى أعماق الوديان بسيدونا للشرب من مياه الجداول الآتية من أعالي القمم، وتمشيت على الطرق المعبدة والمزروعة بالصبار والزهور، وأنا أمني نفسي برؤية رجل هندي واحد، يسير في اتجاهي وهو يرتدي بنطالاً من الجينز، وقميصاً مقلماً ويعتمر قبعةً من القش، يرفعها تحيةً لي حين يراني أحملق فيه بمودة، كما تخيلته عدة مرات يضع بعض الريش حول جبينه، أو يرتدي الأسمال القاسية لأجداده بفخر وهو يتمايل احتفاءاً بتقديري له، لكن ظني خاب تماماً، هذا لأنني زرت مدينةً ثرية جداً (سيدونا) وكل شيء فيها باهض الثمن، لهذا لا يمكن أن يعيش فيها هؤلاء، وبتوسون المدينة الملتهبة بالحر، تجولت ببعض الشوارع وقدت الدراجة وذهبت للسباحة، وأنا أحلم للمرة المئة برؤية هندي واحد أحمر فلم أوفق، وذات يوم دعاني صديقي ذاك لزيارة بعض المتاحف بتوسون كي يخرجني من حبس البيت بسبب اشتداد الحر، وقد كان أحد تلك المتاحف هو متحف الهنود الحمر بالذات!.
وما إن دلفت للداخل لشراء تذكرة وسماع تعليمات التجول بالمعرض، حتى فوجئت بحوالي 15 شاباً وشابة منهم دفعةً واحدة، وهم يستعدون للدخول للمكان معي، كانوا داكني البشرة، متواضعو المظهر جداً، وتغلب عليهم البدانة، تكلموا بلكنة أميركية قُحة ودخلوا دون دفع رسوم فلهثت خلفهم بكاميرتي، وأول ما شاهدته معهم كان فيلماً قصيراً عن حياتهم، لم ينكر الفيلم تعرضهم للمجازر لكنه قرنها برفض بعضهم لإعتناق المسيحية، ولم يتحدث عن المذابح الممنهجة التي تعرضوا لها على مدى قرون  لأجل سرقة أراضيهم، وإعمال أبشع أساليب القتل فيهم ونشر الأمراض المعدية بينهم ومنها الحصبة للتخلص منهم، وحتى حين لم تفلح تلك الأساليب في إبادتهم، جرى تجفيف مصادر عيشهم بقتل ملايين الرؤوس من الماشية التي يعيشون عليها وتدمير أراضيهم الزراعية وحرق محاصيلهم، فتراجعت أعدادهم من عشرات الملايين بكل أميركا إلى قرابة مليوني شخص فقط يعيشون موزعين بين الولايات الأميركية، ومحجوزين في "ريزرفيشن خاص بهم" والريزرفيشن هو مكان احتجاز معزول، يتناسلون فيه ويعيشون بفقر وتهميش وبطالة، وضياع ومخدرات وكسل حتى الموت، وقد يحدث أن ينجح البعض منهم في الخروج من حياة الريزرفيشن الوضيعة، إلى براح الجامعة والعمل ويؤسس له حياة كريمة لكنهم قلة قليلة جداً، وحيث يتفشى فيهم مرض السكري والبدانة بشكل ملحوظ جداً بسبب تغيير نوع طعامهم الذي عرفوه مذ خلقوا، لقد كانوا يأكلون التين والقطانيا ونباتات كثيرة على مدار العام كما هو مبين بالصور، كانوا يدورون دورةً سنويةً كاملة مع الطبيعة، ويتناولون ما تمنحه لهم بكل موسم، كما يتناولون لحوم الأبقار والجاموس والأيائل، لكن إدخال الدقيق لطعامهم، وتوقفهم عن تناول النباتات أسلمهم للبدانة والسكري، وهكذا تغيرت حياة شعب كامل للخراب بسبب جشع الرجل الأبيض.
تجولوا في معرض قومهم المنقرضين ( اللعنة كم أن ذلك قاسٍ جداً على النفس) وأنا خلفهم، كانوا يدققون في وجوه أسلافهم وملابسهم ومتعلقاتهم الشخصية، ويسألون عن تاريخهم وأسماء بعض آلهتهم، ويستفسرون عن تفاصيل حياة وأساطير بعض القبائل، وكانت أسماء قبائلهم مكتوبة بمكان ما، ومعها تشرح موظفة المعرض ـ وهي هندية أيضاً ـ أن عدداً من هذه القبائل قد انقرض أصلاً، كما كانت تدلهم على لوحات تضم أنواع الآسلحة التي دافعوا بها عن أنفسهم ضد الرجل الأبيض، ثم تلطفت وحملتهم لجناح صغير، يُظهر إندماج الهندي بالحياة العصرية من خلال اشتغاله بمهن وضيعة، لا تسمن ولا تغني من جوع، وأنا ورائهم أتفرس في وجوههم وردات فعلهم، وهم يسمعون قصة حياتهم وأجد صعوبةً في فهم مشاعرهم، وهم يعيشون مذ ولدوا بريزرفيشن، مُبعدين عن العالم المتحضر بالخارج، ويشاهدون بالذات قتل الملايين من أهلهم من دون اعتذار أو ندم وتصحيح أوضاعهم هكذا، وقبل أن ينتهي المعرض قادتهم الموظفة إلى محل لبيع التحف الهندية!!
هناك وجدتني أعض شفتي لمقاومة دمعة تريد الهرب مثلي ولا تستطيع، المعرض يبيع صوراً لهنود حُمر قدامى رجالاً ونساءً بأثمان باهضة جداً، اللوحات الصغيرة تناهز الـ 400 دولار والكبيرة قد تصل إلى 1800 أو أكثر، والتحف والمقتنيات الشعبية المقلدة بغباء لأغراضهم الأصلية، أقل شيء فيها سعره 40 دولاراً وأكثره بالمئات، وبمكان جانبي دخلوا لورشة لترميم الجرار القديمة وأواني الزينة ملفوفةً بأقمشة خاصة، ومحفوظة بخزائن زجاجية مصفحة ومكتوب عليها ممنوع استعمال الفلاش للتصوير!!
كان هذا السخف أكثر مما تستطيع امرأة مثلي احتماله، كم أن ذلك وقح ولا أخلاقي جداً، أغراض الهندي وصورة جثته هي أثمن بكثير من حياته، وبعد أن قُتِل بوحشية كُرِم بأناقة واحتفاء شديدين، ليُعرض ميتاً على السواح المترفين من هواة جمع الرفات البشري، للإنخراط في منظومة الثقافة الراقية!!
أنا لم أعد أحتمل شعور الألم والخزي الذي داهمني مثل حُمى، ووجوه الأولاد والبنات تنطق بمرارة خفية وسخرية، وهم يقلّبون أغراضاً مقلدة لأغراض أجدادهم المنقرضين أو يلصقون وجوههم بالزجاج لرؤية مقتنياتهم الأصلية والموظقة تنبههم بلطف أن لا يضغطوا كثيراً عليه لئلا ينكسر، ولعلهم كانوا مثلي يفكرون أن مقتنياتهم هي أغلى ألف مرة من دمائهم، وأمنهم، وكرامتهم، ووطنهم كله، فرفضت من طرفي لمس أي شيء أو الإستفسار عن أي شيء وتجاهلت بابتسامة باردة، رغبة الموظفين في مساعدتي لشراء شيء أو رؤية أي غرض عن كثب، وسألت صديقي أين تذهب أموال هذه التفاهات، فقال ليست لجيوب الهنود الحمر يا وفاء ثقي بهذا. 
لست أدري لماذا تذكرت يومها كل المنكوبين بالعالم بسبب جرائم الغزاة والمبشرين والقوميين فجأة، تذكرت الأرمن الذين قتلتهم تركيا العثمانية وهجرتهم منذ قرابة 100 سنة، والسود بجنوب أفريقيا بزمن الآبرتيد الذين اضطهدهم الرجل الأبيض المحتل، والأمازيغ بشمالها حين غزاهم المسلمون العرب، والمسلمين من العرب والبربر الذي قضوا في محاكم التفتيش بإسبانيا، والهولوكوست ضد اليهود، وقتل وشريد الفلسطينيين لعقود، وقبلهم جميعاً ضحايا حملات التبشير الصليبية بكل مكان، لقد حضرت كل المذابح أمام عيني يومها، أظنني امرأة نكدة جداً.
خرجت للشارع، وأنا أفكر بأنني أمشي الآن على أرض مترعة بدماء الهنود الحمر، وأن رجلي قد تعثر برفات عظام آخر طفل بقبيلة من قبائل أولئك التعساء، وفي السيارة كم وددت لو أنني أضع رأسي بين يدي وأبكي مثل طفلة، لكن هذا لا يليق حين نكبر بالعمر، أو هكذا تعلمت على الأقل، فقد علمني الجميع أنه من العيب أن نبكي علناً أو نبكي على ماضٍ إنتهى، أو على من مات منذ قرون، أو نبكي بحضرة مضيفنا لأن هذا قد يؤلمه، وهو الذين اقتطع من وقته ووقت عائلته وعمله الكثير للترفيه عنا، ورجعت للبيت بغصة وغضب على الرجل الأبيض وحتى الأسمر والأسود والأصفر وكل الألوان، وبحنق محموم على رجال الدين، الهندوس، والمسلمين، والمسيحيين، واليهود، ومن كل دين وحتى قومية لأنهم جميعاً مجرد وحوش في جلد إنسان.
وفاء البوعيسي
* بإمكانكم التعليق علي هذا المقال بـ (موقع الكاتبة)

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع