مقالات

حسين سليمان بن مادي

كل يوم في مدينة ليبية... (21) مدينة سوسة

أرشيف الكاتب
2017/06/16 على الساعة 14:35

بمناسبة شهر الفضيل شهر رمضان المبارك وان يكون شهر اصلاح وفلاح في الدنيا والاخرة بأدن الله تعالى لكافة أبناء الوطن الحبيب ليبيا، وبمناسبة هذا شهر الكريم لعام 1438 هجري الموافق 2017 الميلادي ان اعد مقالات خاصة بالتعريف في كل يوم بإحدى المدن  الليبية من حيث موقعها الجغرافي وتاريخها ومعالمها الاثرية والتاريخية التي تمتاز وتشتهر بها وكذلك اهم المحاصيل الزراعية والصناعية المتواجدة بها واهم الشخصيات التي تركت بصمة في وطننا ليبيا من خلال حقبة من التاريخ الليبي القديم والمعاصر والذين أعطوا دروس في التميز من خلال اعمالهم وتخصصاتهم المختلفة الدينية منها والسياسية والرياضية والعسكرية وغيرها لكي يتعرف عليها القاري خلال سلسلة من المقالات. رمضان مبارك عليكم جميعا. (تم اختيار عنوان المقالات تحت اسم... كل يوم في مدينة ليبية.

 


 

كل يوم في مدينة ليبية... (21) مدينة سوسة

سوسة هي مدينة ليبية صغيرة تقع على ساحل البحر المتوسط في الجبل الأخضر وشرق مدينة البيضاء بمسافة 30 كم، المدينة موجود على أنقاض لمدينة أبولونيا القديمة التي تعتبر متحف آثار مفتوح. وتقع هذه المدينة الاثرية الى الشرق من مدينة شحات الاثرية التي تبعد عنها حوالي 18 كم، كما يمكن الوصول اليها عن طريق مدينة درنة و عبر الطريق الساحلي عبر رأس الهلال، وهذه المدينة تتمتع بموقع سياحي جذاب من الناحية الطبيعية فهناك البحر والجبال اضافة الى المدينة الاثرية .

تتمتع بتاريخ عريق حيث انها ترجع إلى القرن السابع قبل الميلاد انشاها أول الامر الغريق بعد تأسيس مدينة شحات -قورينا-واسموها أبولونيا تيمنا بالإله الإغريقي أبوللو اله الجمال والموسيقى عندهم وكانت بادى الامر ميناء للمدينة شحات الا انها تطورت إلى ان أصبحت عاصمة لإقليم المدن الخمس في القرن الخامس الميلادي في العصر البيزنطى ويوجد بها موقع اثرى لا زال تحت البحث والتنقيب يحتوى على اثار اغريقية ورومانية وبيزنطية. وتتمتع المدينة بمناخ رائع وطبيعة ساحرة كما يوجد إلى الشرق منها بحوالى15  كم كهف يرجع تاريخه إلى ما قبل التاريخ حيث وجد فيه جمأطلق المستوطنون اليونانيون اسم "ابولونيا" على هذه المدينة ذات المناخ المعتدل والطبيعة الجميلة، وكانت ميناء خاصاً بقورينا حيث تبعد عنها حوالي عشرين كم وذلك منذ إنشاء قورينا في منتصف القرن السابع قبل الميلاد، ومنها كان يصدر نبات السلفيوم المهم آنذاك. اعتبرت إحدى المدن الخمس في العهد البلطمي وإحدى المدن العشر في العهد الروماني، قبل أن تصبح عاصمة لبرقة في القرن السادس الميلادي.

وللمدينة سور خارجي تم بناؤه في العصر الهليني وأعيد ترميمه في العصر الروماني. ومن معالم المدينة الباقية، الجزء الحصين من المدينة أي (الاكروبوليس) والكنيسة ذات الحنية الثلاثية التصميم القائمة خارج الأسوار، والحمامات التي تجاور آثار القصر البيزنطي مقر الحكم في القرن السادس الميلادي. ويوجد جزء من آثار ابولونيا تحت مياه البحر، ويعلل خبراء الآثار ذلك أنه نتيجة للهبوط المستمر للطبقات الأرضية عن مستوى سطح البحر مما أدى إلى غمرها بمياهه.

عندما احتل الرومان الجبل الأخضر في القرن الأول قبل الميلاد أطلقوا على تلك المنطقة منطقة المدن الخمس لاحتوائها على خمسة مراكز عمرانية كبيرة هى قورينا "شحات"، أبولونيا "سوسة"، طلميثه "بطوليمايس"، يوهيسبرديس - برنيقي "بنغازي"، وتوكره "العقورية".جمتين للإنسان النيدرتال.

اشتهرت هذه المدينة منذ نهاية القرن السابع ق.م انها ميناء لمدينة كيريني (قوريني-شحات) وسميت بهذا الاسم لانها لم تكن الا ميناء تابعا لمدينة كيريني تستغله للاتصال بالعالم الخارجي بسبب المقومات الطبيعية التي يملكها ذلك الميناء، وقد ذكرت بهذا الاسم في الكتاب المنحول عن الجغرافي سكيلاكس في القرن الرابع ق.م.، ولقد استغل المغامر الاسبرطي ثيبرون هذا الميناء للاستيلاء على الاقليم (كيرينايكي- قورينائية) برفقة 7000 من المرتزقة الاغريق فقام باحتلاله عام 324 ق.م. ولم يستطع تحقيق اهدافه بعد سنتين من الصراع مع سكان الاقليم ومدنه، وعندما قبض عليه في توكرة ارسل ليعدم في ميناء قوريني (سوسة) عام 322 ق.م. هذه الاحداث التي رواها المؤرخ ديودورس الصقلي تفصيلا، وفي العصر البطلمي ازدهر هذا الميناء وتطور الى ان اصبح مدينة ولاسيما في عهد الملك ماجاس (300-250 ق.م.) وخلال هذا العصر ولد في هذه المدينة إراثوسثينيس (276-194 ق.م.) الفلكي الذي استطاع قياس محيط الارض، وكان امينا لمكتبة الاسكندرية.

وقد انفصلت سوسة عن قوريني واصبحت مدينة مستقلة سميت باسم جديد هو ابوللونيا (نسبة للمؤله الاغريقي ابوللو) في اوائل القرن الاول ق.م حيث ذكرها نقش يرجع لعام 67 ق.م. بهذا الاسم كما ان سترابون ذكرها بذات التسمية، ثم اصبحت في القرن الاول الميلادي احدى المدن الخمس (البينتابولس) وفقا لما يذكره بليني الاكبر، ومن ابرز الاحداث التي شهدتها هذه المدينة في العصر الروماني وصول القائد الروماني ماركوس توربو مع قواته للقضاء على الشغب الذي اثاره اليهود في الاقليم ما بين 115-117م، وعقب هذا يبدو ان الامبراطور هادريان قام ببعض الاصلاحات مما جعل سكان المدينة يصفونه في احد النقوش بالمؤسس، كما انضمت سوسة الى الرابطة الهللينية (Panhellenion) التي اسسها هادريان عام 137م، وقد تأكد استمرار سوسة في هذه الرابطة في عهد الامبراطور ماركوس اوريليوس، ولم تزدهر هذه المدينة الا بعد ان اصبحت عاصمة للاقليم في منتصف القرن الخامس الميلادي (ما بين 431-450م) واستمرت عاصمة حتى الفتح الاسلامي عام 642م، وقد كانت تعرف خلال هذه الفترة باسم سوزوسا التي ربما تشير الى السيدة مريم العذراء عليها السلام، ولكونها عاصمة الاقليم فقد صارت مقرا للحكام البيزنطيين الذين حكموا الاقليم ومن بينهم دانييلوس الذي وجه اليه الامبراطور اناستاسيوس عام 501م مرسوما لتنظيم احوال الاقليم العسكرية وجد جزء منه منقوشا على الرخام، وكان آخر الحكام البيزنطيين المدعو ابوليانوس الذي هرب امام الزحف الاسلامي الى مدينة تاوخيرا (توكرة) عام 642م. ومن الطبيعي ان تشهد المدينة حركة معمارية ضخمة بسبب كونها مركزا للاقليم ومقرا لحكامه لذا فقد كشفت المعاول الاثرية على عدة كنائس مزدانة بالرخام والفسيفساء يؤومها المسيحيين بالمدينة، وهناك قصر للحاكم عرف باسم قصر الدوق، وهناك احياء سكنية لاستقرار الاهالي و الوافدين على المدينة.

ويبدو ان المدينة لم تنتهِ بعد الفتح الاسلامي حيث استقر بها بعض المسلمين لفترة من الزمن حيث عثر على نقش عربي في صالة قرب الكنيسة الوسطى، وعلى الرغم من هذا فانه لايعرف التاريخ التي هجرت فيه المدينة وبقائها خالية من السكان، وقد ادى هجرانها الى تدمير مبانيها بسبب تضافر العوامل الطبيعية والبشرية ادت الى اختفاء الكثير منها وصارت اطلالا عبر الزمن، ونُسيت هذه المدينة العامرة من ذاكرة البشرية حقبة من الزمن الى ان زارها الرحالة وتعرفوا عليها واشاروا الى بعض بقاياها الاثرية ولعل اقدمهم الجراح الفرنسي جرانجيه عام 1734 ثم الطبيب الايطالي دي لا شيلا عام 1817، ثم الاخوان بيتشي عام 1822 وباشو عام 1824 ثم هاملتون عام 1852 وغيرهم، وقد بدأ الايطاليون بالحفر في بعض بقاياها واهتموا باثار هذه المدينة منذ عام 1915، كما اهتم الفرنسي مونتي بالتنقيب بها ما بين 1953 -1956، اضافة الى مصلحة الاثار التي نقبت فيها برئاسة جودتشايلد ما بين 1959-1961 وبعد ذلك، اضافة الى فريق من جامعة ميتشجان ما بين 1965-1967 تمخض عمله عن مجلد ضخم عن هذه المدينة، واخيرا عاد الفرنسيون للتنقيب في سوسة من جديد باشراف شامو منذ 1976 ثم لاروند منذ عام 1981 ولا زالت تنقيباتهم مستمرة حتى الان.

وقد انتجت الاعمال السابقة الكشف عن الكثير من المعالم الاثرية ودراستها، وهي تعبر عن تاريخ هذه المدينة وتطورها الحضري عبر العصور ومن اهم معالمها : اسوار المدينة وابراجها التي بنيت في اواخر العصر الهلنيستي وتحديدا في العقود الاخيرة من القرن الثاني ق.م. و التي تمتد لمسافة 800 مترا بادئة من نهاية الاكروبولس شرقا لتنتهي ببرجين دائريين (1، 4) غربا و يدعمها 17 برجا مربعة الشكل (10.50 مترا) اضافة الى برج مستطيل قرب المسرح اي انها تحتوي على 20 برجا. هذه الاسوار التي تحصر داخلها جل معالم المدينة باستثناء المقابر الاغريقية والرومانية التي تقام عادة خارج الاسوار، اهمها تلك الموجودة في الجبانة الغربية بعضها حجرات منحوتة في الصخر، واخرى قبور فردية عثر في بعضها مؤخرا على كؤوس باناثينية كانت تمنح في اثينا للفائزين في المنافسات الرياضية التي تقام هناك، التي قد تعكس النشاط الرياضي لسكان هذه المدينة، كما يوجد ضريح بيزنطي يرجع للقرن السادس الميلادي ملتصقا بالسور الغربي، كما كشف خارج الاسوار عن مبنى للمسابقات الرياضية (الاستاديوم) الذي يرجع الى القرن الثاني ق.م. يضاف الى ذلك المعبد الدوري المكرس على الارجح لافروديت والذي يرجع الى العصر الهلنيستي، وهناك المسرح الاغريقي الروماني الذي نحتت جل مدرجاته الثلاثون في الصخر في الجزء الشرقي للمدينة خارج اسوارها، هذا المسرح الذي بني في العصر الهلنيستي لكنه اتخذ شكله الحالي في عام 92 م حيث زيد في حجمه واجريت عليه الكثير من التعديلات. كما تجدر الاشارة الى الكنيسة التي بنيت خارج السور الجنوبي في القرن الخامس الميلادي وتعد من الكنائس الفريدة في معمارها وتخطيطها.

اما داخل اسوار المدينة فيصادف الزائر عدة معالم بارزة تمثلت في مبان دينية ومدنية تعكس الحياة العامة في تلك المدينة، وقد تمثلت المباني الدينية في ثلاث كنائس اهمها الكنيسة الشرقية التي بنيت داخل مبنى الاجورا (الساحة العامة) في القرن الخامس ثم رممت في القرن السادس الميلادي بعد ان زينتها الارضيات الفسيفسائية واستخدم في بنائها اعمدة رخامية جلبت من المسرح الذي هجر في العصر البيزنطي، وهي من طراز الكنائس البازيليكية ذات الاجنحة، وهي بدورها تختلف عن الكنيستين الاخرتين التي تتجه حنية احداها ناحية الغرب بينما حنية الاخرى تتجه ناحية الشرق وهما يرجعان لعصر الامبراطور جستنيان (527-565م) وقد ازدانت ارضية الكنيستين بالفسيفساء والرخام. وتعد كنائس سوسة اكثر كنائس الاقليم حفظا وزخرفة واستخداما للرخام.

ومن اهم المباني العامة الحمامات الرومانية المواجهة للبحر والتي بنيت على انقاض مبنى هلنيستي احتوى على حوض سباحة وساحة لممارسة التمارين الرياضية (الباليسترا) هذه العناصر التي ادخلت في مبنى الحمامات بعد اضافة حجرات الحمام البارد والدافئ والساخن وحجرات اخرى وقد حدث هذا ما بين 75-125م، واستمرت الحمامات في الاستخدام حتى دمرت في زلزال عام 365 م مما جعل ترميمها واجبا ليعاد استعمالها من جديد حتى بناء حمامات اخرى في مكان آخر في القرن السادس الميلادي ظلت مستعملة حتى القرن السابع وربما بعد ذلك.

ومن المباني السكنية والرسمية ما يسمى بقصر الدوق اي مقر حكام الاقليم الذين اتخذوا من سوسة مقرا لهم لادارة شؤون قورينائية (كيرينايكي) اي الجزء الشرقي من ليبيا، والقصر ان جاز التعبير يتكون من 83 حجرة موزعة على ثلاثة اجنحة، الجناح الغربي المخصص للاستقبالات والاعمال الرسمية، والجناح الشرقي المخصص للسكن والحياة الخاصة للدوق (الحاكم العسكري) وحاشيته، والجناح الجنوبي الذي يمثل الجناح الخدمي للقصر اذ يسكنه الخدم و الجنود الذين يسهرون على خدمة من يقطن بالقصر وحراستهم. وقد ضم هذا المبنى كنيسة صغيرة لاداء القسم القانوني عثر بداخلها على تاوبت رخامي ربما كان يحفظ رفات احد الأساقفة .وقد بني القصر في بداية القرن السادس الميلادي. وقبل ان يتم التنقيب عنه واكتشافه كان المكان يشغل مبنى ايطالي ظل فترة طويلة قبل ازالته للشروع في الكشف عن المبنى وحدث هذا ما بين 1959-1961، كما تتميز هذه المدينة بان بعض آثارها غارقة تحت البحر ولاسيما مينائها ومكوناته المتعددة، ومنذ الثمانينات بدأت الحفريات الفرنسية تحت الماء للكشف عن الميناء والاثار الغارقة حيث كشفت عن بقايا سفينة صغيرة في الحوض الشرقي للميناء كانت بطول 20 مترا ومن خلال تحليل بقايا الخشب الذي صنع منه المركب والذي كان من خشب الجوز يبدو ان المركب قد صنع محليا في ليبيا وكان يعمل ما بين موانئ الساحل الشرقي وربما اقلع حتى بلاد اليونان او بالاحرى كريت القريبة من الساحل الليبي وذلك قبل ان يغرق في ميناء سوسة في القرن الثاني ق.م. هذا الميناء الذي كان يمتد لمسافة كيلومتر وبعرض 200 مترا ويتكون من مينائين داخلي يقع في الناحية الغربية مستدير الشكل مدخله في الناحية الشمالية و يرتبط بالميناء الخارجي (الشرقي) بممر محمي ببرجين، كما جهز الميناء بمنارة بنيت في مكان قصي من الناحية الشمالية، اضافة الى منشآت تخص الميناء بنيت على الشاطئ.

هذه جولة سريعة بين معالم مدينة سوسة الاثرية وتاريخها القديم الذي يمكن ان يقرأ ايضا من خلال التجول بين معروضات متحفها الذي يضم معروضات تعبر عن تاريخ المدينة وحضارتها عبر التاريخ الذي لايزال في حاجة الى اكتمال حلقاتها من خلال مزيد من الدعم المادي لمواصلة الكشف عن معالم المدينة وآثارها ومن ثم معرفة المزيد عن تاريخها ودورها الحضاري في تاريخ ليبيا القديم.

حسين سليمان بن مادي
طرابلس / ليبيا، الجمعة 21 رمضان 1438هجري، الموافق 16/06/2017م

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تعتقد أن الإفراج عن سيف الإسلام القذافي:
سيساهم في حل الأزمة الليبية
سيدعم جهود المصالحة الوطنية
سيزيد من تعقيد المشهد السياسي
اجراء غير قانوني
لن يكون له تأثير
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع