مقالات

عبد الجليل آدم المنصوري

الثورة الليبّية ونظريّة المؤامرة

أرشيف الكاتب
2017/06/14 على الساعة 19:57

مرّت سنوات ست وأربعة أشهر تقريبا حتى الآن عن انبلاج الثورة الليبية، تعدّدت آراء الكُتّاب في تشخيص مُسبّباتها واختلفت أفكار المُحلّلين في تفسيرها. ما يهمنا هنا، هو الرّد على أولئك الذين يقولون إنها مُؤامرة! فإن كانت كذلك، فيا تُرى؛ مؤامرة مِنْ مَنْ ضدّ مَنْ، وما الهدف؟

قناعتُنا أن ليبيا شهدت انفجارا ذاتياَ، تأتّى نتيجة تراكمات مشاكل اجتماعية وسياسية واقتصادية، قائمة في ليبيا منذ عقود، قد لا نُبالغ إن قلنا منذ بداية سبعينات القرن الماضي. ولكن بسبب أهمية الموقع الجغرافي المتميّز لليبيا، وما بها من موارد طبيعية واعدة، وأهميتها في السياسة الدولية، دفع بالعديد من اللاعبين الإقليميين والدوليين للسعي للاستفادة من هذه الثورة؛ إما دفاعاَ عن أنفسهم، أو تمريراَ لمشاريعهم.

لعلّ من الأسباب الحقيقية التي جاءت بالثورة الليبية، يُستبان من خلال النقاط التالية:

1. استخفاف الحاكم السابق بالدستور والقوانين، عندما أعلن صراحة تعطيل القوانين في خطاب له في مدينة زوارة (إبريل 1973م) عُرف بخطاب النقاط الخمس. وجاء بنظريته وتُرّهاته فيما عُرف بالكتاب الأخضر، ليكون مصدرا للتشريع ومنهجا للحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في ليبيا.

2. وصول النظام التسلّطي الحاكم إلى الإنهاك والضعف ونوع من الإفلاس الفكري؛ الأمر الذي جعل ليبيا بعيدة عما عُرف بالموجة الديموقراطية الثالثة، التي دخلت جنوب أوروبا في منتصف سبعينات القرن الماضي، وانتقلت إلى أميركا اللاتينية، ومنها إلى أوروبا الوسطى والشرقية بسبب انتهاء الحرب الباردة، وإلى عدد من دول العالم الأخرى.

3.استهدف رأس النظام السابق التقليل من قيمة الشرطة ومكانتها، وعمل على تدمير المؤسسة العسكرية والشّرَطية معاَ. لقد زجّ بالمؤسسة العسكرية في حرب لا قناعة لليبيين بها مع الجارة تشاد، حيث تُرك الجيش الليبي هناك دون إمدادات، أدى الأمر إلى قتل وتشريد وأسْر العديد من الجنود الليبيين. لقد علّقت آنذاك مجلة التايم الأميركية (Time Magazine) بالقول إن الجندي الليبي مُحارب شجاع شرس المِراس، وما خسارة الجيش الليبي في تشاد، إلا بسبب عدم قناعته بدخوله حرب لا ناقة له فيها ولا جمل. لذلك، عندما اندلعت الثورة بدءا من مدن برقة، لاحظنا أن عناصر الجيش والشرطة في برقة تركوا الحاكم ومن ارتضى أن يكون في فلكه من أفراد حاشيته والمقربين إليه يواجهون المتظاهرين وحدهم، لا بل جزء من الجيش والشرطة في بعض مدن إقليم طرابلس، التحق بموجة الاحتجاج والثورة.

4. للتنمية غير المتوازنة بين أقاليم ليبيا الثلاثة؛ برقة وطرابلس وفزان، دور لا يّستهان به في انبلاج الثورة، لا سيما وجود عدم توازن في التنمية البشرية بين سكان الأقاليم، وسوء توزيع دخول الموارد الطبيعية من نفط وغاز وغيرهما. ليكون مجيء الثورة انتفاضا ضد؛ عوزِ تكافؤ الفرص، وسوء توزيع الثروة، واستباحة المال العام من قبل عائلة الحاكم ومن يدور في فلكها، والإقصاء لسكان بعض المناطق الليبية وتهميشهم في المشاركة السياسية وتسيير دفة الأمور في الاقتصاد.  

5. تعمّد الحاكم المُتسلّط عدم استقرارية الهيكلية الإدارية للدولة، الأمر الذي ولّد السّخط بين الناس والسّأم والإحباط، وحدوث نوع من الفوضى الإدارية وغياب هيبة الإدارة، وضياع الكوادر الإدارية المتخصصة، وتدمير المهنية الإدارية في العمل. لقد بيّنت الدراسات المنشورة (2006-2007م) في هذا الشأن، أن متوسط استمرارية الحكومة حوالي عامين فقط! وما قد صاحب ذلك من تغيرات في هيكلية الدولة.

6. تجلّى سوء إدارة الاقتصاد الوطني لكل ذي بصر وبصيرة، وغياب سياسات عامة للأنشطة الاقتصادية المختلفة، انعكس كل ذلك على ترهّل المستوى التعليمي، وتدنى الخدمات الصحية، وبنية تحتية مهترئة، وانخفاض في المستوى المعيشي لعامة الناس. لقد تعمّد رأس الحكم في ليبيا خلق الفوضى والتدمير، وهذا ما أكّده لنا أحد المسئولين (أتحفظ عن ذكر اسمه) في منظمة (آدم سميث انترناشونال-مقرّها لندن) عدما أشار إلى كتاب (ذكر لي عنوانه واسم مؤلّفه)؛ "أن ما يجرى من دمار في ليبيا على يد معمر متعمّدا".

7. شرع النظام الليبي-مع بداية تسعينات القرن الماضي- في تبنّى نوع من الانفتاح الاقتصادي-مُسايرة للعولمة-لتعزيز التجارة واستقطاب الاستثمارات والسياحة، دون إدراك أن الذهاب مع العولمة لا يمكن أن يبقى دون؛ اسقاطات على الأوضاع السياسية، وفقدان تدريجي لقدرة الدولة على التحكم باقتصادها الوطني، والتقيّد بقواعد عمليات الخصخصة، والتأفّف الشعبي الطبيعي عن رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية، ومخاطر استثمارات أصحاب السلطة بمقدرات الاقتصاد، وآثار القبول بقواعد صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية على السيادة الوطنية. 

8. اندلاع الثورة التكنولوجية منذ حوالي ثلاثة عقود على مستوى العالم، ولا نزال نعيش خضمّها، وهي تنتج من المفاعيل السياسية والاجتماعية في أقل من جيل، ما هو أعمق وأوسع مما كانت الثورة الصناعية قد أحدثه في أكثر من قرن. لقد سرّعت هذه الثورة من وسائل التواصل، وجعلت التعبئة الشعبية أكثر يسرا من حيث الانتقال والسرعة والنفقة، وبات إبداء الرّأي مُتاحا للجميع وليس حكرا على النّخب، فزادت الفتاوى والآراء والدعوات دون رقيب. لقد كان التحريض على الخروج في مظاهرات سلمية في منتصف فبراير 2011 م، يتم بين الليبيين عبر وسائل التواصل الاجتماعي بكل سهولة.

9. لقد ظل الاحتجاج على تسلّط الحاكم وزُمرته في ليبيا خافتا لعقود من الزمن، لم ينفجّر إلا يوم تيقّن الجميع أن الحاكم فعلا تُراودُه فكرة توريث ليبيا لأحد أبنائه وكأنها مزرعته الخاصة! وتبيّن ذلك جليّا من خلال طمْسه للمؤسّسة العسكرية، لتحل محلّها كتائب وألوية مُجحْفلة كُلَّ بأسماء وإمرة أحد من أبنائه. نعم، لقد جاءت الثورة احتجاجا على التفرّد بالحكم من لدن عائلة معينة لعشرات السنين، عرف خلالها الشعب الليبي كيف تُقتل الحرّية!

إذن هي عوامل حاكمة عديدة ضربت عميقا في نسيج المجتمع الليبي، بحيث يصعب اختزال مُسبّبات الثورة في قراءة محضة سياسية أو تآمرية، بل تظافرت هذه العوامل لإحداث تحركات شعبية حقيقية. ولكن بسبب وضع ليبيا الحساس، كان لابد وأن يدفع مختلف القوى الخارجية للتأثير في مجرياتها، إنها علاقة الأمن بعولمة الاقتصاد، والتأثّر بدول الجوار ودول شاطئ المتوسط الأوروبية. لذا، لا يمكن نُكران حقيقة وجود علاقة جدلية ظهرت بين الاضطرابات الداخلية في ليبيا والتدخلات الخارجية، فراحت الاضطرابات تُغازل التدخلات، وباتت التدخلات تّغذّى الاضطرابات. وما زاد الطّين بلّه، هو الضعف النسبي لتأثير الدول الكبرى، مُقابل تنامٍ ملموس من تأثير الدول الإقليمية، تمثّل في الدّعم التام للجماعات المؤد لجة فكريا، كي تظل مُتحكّمة بزمام الأمور والسيطرة على البلاد.

لقد خُدعنا بتدخل خارجي عندما حوّلنا مؤسساتنا جميعها إلى مجالس محلية، نتسلّى فيها بإثبات قدرتنا على منع الآخرين من اتخاذ القرارات، أكثر من العمل على اتخاذها حتى ولو كانت مُلحّة وحيوية! وأصبحت المصالح الفئوية تحرك الحياة السياسية، وأصبحت هذه الفئات والمليشيات تمنع من قيام دولة مُترفّعة عن أهواء الجماعات في الداخل، ومستقلة عن رغبات دول الغير.

إنه البُوْح بالحزن الشديد، الذي بات يسكن في دواخلنا حتى صار جزءَ منا! كيف لا؟ ونحن نرى العنف تتنزّل حِمَمه ويحصد الناس دونما تمييز؛ في منازلهم، في شوارعهم، في أحيائهم، في ضواحيهم في مدنهم. بينما تشرّد آخرون على دُرُوب النزوح المُذلّة. إنها جماعات تتبني البربرية أو تمارسها، جماعات لقيت الدّعم السّخي من دول ظننّا أنها تربطنا بها علاقة الإسلام والعروبة! إنها جماعات حاولت خطف الثورة الليبية، لتستولي على السلطة وتُقصى كل مَنْ لا يُسايرها.

ولكَوْن الأخطار تحدق بليبيا من كل صوب، فإن أولى المهام التي تواجهنا هي أن نعيد إحياء المؤسسات الدستورية من برلمان وحكومة وقضاء. إن العقلانية، تقضى بإعادة الحياة لكل المؤسسات الدستورية والإدارية كشرط مسبق لتطويرها، أمّا تعطيل هذه المؤسسات لتعديل الصيغة السياسية، فهو نوع من المجازفة غير المحسوبة، تنم عن الفئوية وانعدام الشعور بالمسئولية.

يتوجّب أخذ العِبر من ثورات نجحت في بلادها، مثل الثورة الأميركية والفرنسية والروسية والهندية وجنوب افريقيا. ثورات استمدت شرعيتها وقوة كيانها من تركيزها على القيم الإنسانية؛ في الحرية والعدالة والكرامة وحقوق مواطنيها الأساسية. ومن ثم، لا يمكن لأي ثورة أن تنتصر وترسّخ جذورها ويحتضنها شعبها، ما دامت تمارس على الأرض ما كانت قد ثارت عليه! ضاربة عرض الحائط مصالح الناس العاديين البسطاء، الذين تحوّلوا إلى وقود نيران الصراعات من أجل المصالح والنفوذ. ناهيك عن تدمير البنية التحتية والمقدرات الاقتصادية، التي سيدفع الشعب-أو أجياله القادمة-فاتورتها. ولنا في التاريخ الإسلامي أيضا عِظةَ وعبرة؛ لقد كانت مفاهيم الحق والحرية والمساواة، المحرّك الأساس لتلك الأحداث التي عصفت بقبائل الجزيرة في صدر الإسلام، بل وفى كافة أرجاء المعمورة. وما عبارة عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا!" إلاّ خير بُرهان على ذلك.

ولكي نخرج بليبيا إلى برّ الأمان، يتوجّب علينا أن نبتعد عن حُكم وسيطرة الجماعات الأيديولوجية المُتزمّتة -الإقصائية بطبيعتها-حتى وإن دخلت تحت عباءة حزب ما. علينا بتحقيق العدالة الاجتماعية والمشاركة السياسية بين شركاء الوطن. كما لا يجب أن ننبُذ بالمُطلق النظام الفدرالي، خاصة إذا كان هذا النظام هو أداة لتوحيد النسيج الاجتماعي المُمزّق، لا لتفريق ما هو مُتوحّد. ولا يجب أن نتمسّك بشكل واحد من أشكال البُنى الدستورية باعتباره مُقدّسا ولا يُمس. علينا أن نستنبط حُلولا مناسبة للحالة الليبية، كي نُوفر على أنفسنا شيئاَ من الأهوال التي حلّت بنا.

ا. د. عيد الجليل آدم المنصوري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
خيري | 18/06/2017 على الساعة 08:23
الأسباب
ان ما ذكرته هي اسباب قيام الانتفاضة او الثورة. أما اسباب عدم التحول من الثورة الى الدولة فجزء كبير منه ثقافي حضاري . وجزء كبير ثورة مضادة. فالثقافي مرجعه بالاساس قلة الوعي ةعدم وجود قيادات اجتماعية محنكة كانت تستطيع العبور بالمجتمع الى بر الامان. وهذا الامر مسؤول عنه النظام الهمجي السابق الذي كسر الاحترام والتخصصية . فقد رأينا طلبة اصبحوا مسؤولين في المدارس والجامعات. وعامل نظافة اصبح مديرا لمستشفى. وطالب يضرب استاذه. ولا تنسوا الجمهرة والاعتداء على ارزاق الناس. وقد واد من حدة قلة الوعي انتشار السلاح وكذلك وزع جزءا كبيرا منه الحكم السابق بقصد مسبق. اما الامر الثاني فهو الثورة المضادة التي بعد 40 سنة لم ترد ترك الحكم. فبعد التراجع الاولي تحت الضربات الموجعة من الثوار 2011-2012 رجعت تحت غطاء دولي بالمال والمخذرات وتكوين العصابات الاجرامية وبث الاشاعات وبث العداء بين المدن والمناطق. بعاملين اساسيين الفضائيات الممولة وتصرفات من يعرفون بالثوار وخاصة في موضوع السيطرة واقتحام المؤسسات وموضوع العزل السياسي. واصبحوا لقلة خبرتهم ووعيهم اسباب معاداة المواطن البسيط لفبراير. بل منهم من يتمنى سبتمبر
ابو مريم | 15/06/2017 على الساعة 11:35
مقالة مفيدة جدا
أحسنت واجدت العرض .كما طرحت أسس الحل. من جهدي المتواضع هو التحريض بل والطلب لمن هم حولي من معارف وأصدقاء ان ادلهم وانبههم بقراءة هكذا مقالة .نقطة هامة انك برهنت لوقائع عقلانية لدحض نظرية المؤامرة في فبراير 2011. .شكرا للأستاذ الدكتور عبدالجليل المنصوري
غومة | 15/06/2017 على الساعة 01:31
هل يدرك الليبيون بان البناء اصعب بكثير مت الهدم...؟
ليست كل انتفاضة بالضرورة تقود الى ثورة! الانتفاضة في معظم الأحيان تلقاءية وعفوية كنتيجة للظغت والاستبداد، فاذا كانت مصحوبة بحراك سياسي واعي ربما تكون بداية لثورة عارمة؟ الثورة هي تغيير كامل لما كانت عليه الأمور. نبذ الماضي وطي صفحته والبدء من جديد. مشكلة الليبيون مشكلة حضارية، لم يفرقوا بعد بين انتفاضة ضد الطغيان والعزم على تغيير أنفسهم حتى لا يقعوا فريسة مرة اخرى لذلك النوع من التسلط! الليبيون، مثلا اللي خاش على الجبل بقادومة! يكرهون الأيدلوجيات، والأحزاب والتحزب، ويتسابقون على الدين والتعبد، وفِي نفس الوقت لا يريدون الاسلاميون في الحكم ولا بقية الموءدلجين؟ يبوها حمراء وجراية وما تاءكلش الشعير! اي بدون تفكير او القدرة على التنظيم او اللجوء للعقل يريدون بناء اعقد وأصعب ما عرف الانسان: مجتمع ودولته! الهراء عن الموءمرات، لتغطية العجز المعرفي والتنظيمي في ان يحولوا الأحداث الى شيء إيجابي يستطيعون ان يعيشوا في ظله. وبالتالى بدل من الاعتراف بالواقع المشين، يلقون باللوم على هذا وذاك. البحث عن كبش فداء، التبريرات ولوم الآخرين، لن يبني المستقبل! لقد حان الوقت ان يدرك الليبيون بان يواجهوا مص
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تعتقد أن الإفراج عن سيف الإسلام القذافي:
سيساهم في حل الأزمة الليبية
سيدعم جهود المصالحة الوطنية
سيزيد من تعقيد المشهد السياسي
اجراء غير قانوني
لن يكون له تأثير
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع