مقالات

محبوبة خليفة

أمي ودرنة...

أرشيف الكاتب
2017/06/13 على الساعة 19:20


 

نجحَتْ السيدة الصابرة الجميلة وحصلت على بكالوريوس الآداب قسم الفلسفة والإجتماع!!أعرف ماذا ستقولون، أعذر كل ابتسامة ترتسم على وجه من يقرأني الآن، وأوضّح هذه النرجسية بأنها كانت فرحة الإنتصار وتهنئةٍ لذاتٍ  كانت لي عضداً ونصيراً فكافأتها بالتوصيف الذي أحبه!! وأنا أحب الجمال وأصف من أحبُ بالجميل دائماً - كل إنسان ينتصر بإعلاء قيمة ذاته وعطائها ويسعد بالنتائج،لابد ان يمرّ بخاطرة سعادةٌ ما وهذا ما حدث لي.. سافرت ُ بعدها حيث  أسرة جمعة وأحتفلوا بنجاحي وأسعدتني عواطفهم وحنّوهم وتقديرهم وقضيت بعضٌ من الوقت في طرابلس ثمّ عدتُ الى بنغازي وأخذتُ الطريق بصحبة عمي وزوجته الى مدينتي (درنة).. ودرنة ماذا يمكنني أن أكتب عنها، سأصفُ لكم منطقة بعينها عندما تقتربُ منها سيارات  ابناء تلك المدينة ينتابهم مشاعر متماثلة تقريباً، الجبل يحاذي السيارة يميناً والخضرة تقترب وتتصدر البانوراما المحيطة بنا، وخلفها يساراً يمتد البحر ومع كل هذا الجمال تظهر تباعاً صور احبابنا فنرى وجوه أمهاتنا مرسومة على الجمال الحاضن لنا، ونرى وجوه اشقائنا وكل أهلنا تتضح معالمهم حتى كأنهم سيندفعون مع موج هذا الأزرق الجميل أو ترتسم ملامحهم على أوراق الشجر السعيد المرحب بالقلوب المرفرفة العائدة إلى حيث الحضن وحيث الجمال وحيث الطعام الطيب والشاهي بنكهاته المواكبة لفصول السنة، الى كل هذا تشتاق هذه العربات براكبيها وتعلن الطبيعة الجميلة حولنا بأن بيوتنا على مرمى حجرٍ منها.

بيتُ أهلي أعود له هذه المرة وفي النفس مافيها من ألمٍ والقلبُ فارغٌ الاّ من بعض صورٍ تظهر أحيانا فتسرُّني، وسرعان ماتبهت، وأحاول أن أستعيدها فتعود، وتختفي وتبهت وتتلون بمشاعر يصعبٌ حصرها وتوصيفها لكن شيئاً من الفرح ينتصر لي ويذكّرُني بأنني أنجزت ونفذتُ الوصية الغالية فليسترح قلبك قليلاً.

في ذلك البيتُ أمي، واسمحوا لي ببعض حديثٍٍ في حنايا القلب مكانه، كنتُ وأشقائي كلما أجتمنا نراها بيننا تُكملُ الجلسة والحديث ونعرف أنها وطيفها الجميل مافارقت يوماً خيال احدٍ منّا، كنّا نخاف على بعضنا فنتجنّب الحديث عنها بعد رحيلها (99)، لكنّ اعذب الحديث هو قصتها وهو صورتها وهو سمو اخلاقها وعذوبة همسها وهي تُربي وتنصح وتغلفُ العَتب  بابتسامة فيها من الإعتذار أكثر من اللّوم إن أخطأ أحدنا وأرادت أن تقوّم إعوجاجاً كدّرها وصار لزاماً عليها أن تتدخل فتنصح أو تنبّه..كانت جميلة هادئة الصوت والمزاج (رايقة) طوال الوقت، لابد أن اوقاتاً صعبة واجهتها هذا أكيد، لكننا لم نلمح لها حزنا أو تعباً أو أسى. كانت ترتدي في البيت الملابس الإفرنجية وحتى في السفر لكنها وفي درنة بالذات وعندما تخرج لزيارة او مناسبةٍ ما، ترتدي زيّنا الليبي الجميل، وكانت صاحبة ذوقٍ رفيع في الإختيار كنا دائما نراقبها بإعجاب وكأننا نراها لأول مرة عندما تخرج من غرفتها وقد ارتدت ردائها الحريري بألوانٍ زاهية يغلبُ عليها اللون الأزرق وكان يناسب بشرتها البيضاء النقية وشعرها الأسود الناعم، وكان طولها مناسباً لهذا النوع من الأزياء، (ربعة) جميلة تأسر الناظر إليها .هذه المتزيّنة بهذا اللباس الفاخر الجميل لاتُطعم أهل بيتها إلاّ أشهى وأحلى الأطباق كان أحفادها - وقد يتجاوز عددهم اذا اجتمعوا في أجازة الصيف العشرون - إن لم يكن أكثر، عدا امهاتهم وباقي أهل البيت-كانوا يتدللون ويطلبون ولا يُرَدّ لهم طلب، ولو كتب أحدهم الآن عنها فسيصفها بأجمل سيدة مطبخ وبيت بالتأكيد . كنا نقضي الصيف كاملاً معها ولا يأكل أهل البيت الاّ خبزاً شهياً-بنكهة الزهر الدرناوي المقطّر- طازجاً وساخناً.. وكان الأحفاد يشتهون دائماً أصناف الحلويات الليبية وغيرها ويجدونها كل صباح ٍ وعند قيامهم من النوم موضوعة  أمامهم على طاولة الطعام الممتدة والعامرة.. تصحو مبكرة وتنام مبكرة وبين صباحها ومسائها تُقدَم الحبَّ طعاماً طيباًوهدوئاً يغمر البيت وقد ورَثه اغلب أحفادها عنها.. والدتي من أصول بنغازية من آل (حسان).. كانت مسؤولياتها كبيرة فنحن ثمان بنات إحداهن رحمها الله شقيقتنا لأبينا. كثرة البنات له تفسير أكيد وله علاقة بمحاولة ظهور ذكرٍ في حملًٍ ما، وحصل هذا بعد شقيقتي سميرة، وصل (علي وسراج) ثم استعادت البنات الدورة من جديد  وكانت (ايمان وسلوى وهويدا)، تلاحظون تغييرٍ جذري في مسار الأسماء من اسماء تقليدية كإسمي لجدتي - محبوبة الأسطى عُمر - عمة شاعر ليبيا الكبير (إبراهيم الأسطى عمر) - إلى مواكبة العصر والتبدل الذي طرأ على التسميات.. -لايعني هذا أنني من مواليد العصور الوسطى !ألاحظ  الآن عودة موجة جديدة من الأسماء التقليدية من جديد!! أعود لأمي إذ لا شك أن العبء كبير، ووالدي كثير المشاغل يعمل  بتجارة الأدوية وصاحب صيدلية كبيرة ومعروفة في درنة وفيها صيادلة مصريون لابد وأن الإهتمام بهم وبعائلاتهم وتأمين سكنهم وراحتهم تضاف لمسؤولياته اليومية أكيد،مما يعني زيادة العبء على والدتي وكانت قادرة بهدؤها على القيادة رغم كثرة عدد أهل بيتها.

سوف اتوقف هنا لأروي طرفة عن اخي سراج (ويعمل حالياً طبيباً بيطرياً) كان سراج في صباه يساعد والدي في الصيدلية في أجازته المدرسية، يروي سراج هذه الواقعة فيقول: كنّا وقتَ ضحى ودخل علينا رجلٌ بهي الطلعة ومعه مجموعة كبيرة من الرجال ولمحتُ جمهرة خارج الصيدلية. فزادت حيرتي وماأن تمعنتُ في ملامحه حتى كاد أن يُغمى علي من الفرح والإنبهار بينما كان والدي يحضر للزبون طلباته بلا إكتراث إلاّ من ترحيبٍ عادي من تاجرٍ لزبون، يتابع سراج: اقتربتُ وسلّمتُ عليه وأثنى الرجل على الصيدلية وعلى الخدمة التي قُدمَت له بلا أي محاولة من والدي للتعرّف !!يقول أخي كان الرجل (إنتوني كوين)! وكان وطاقم فيلم  (عمر المختار) أو (الرسالة) - لست ُ متأكدة -قادمين من الجبل الأخضر حيث التصوير للفيلم في ذلك الوقت. سيفقد والدي هذه الصيدلية ومعها مخازن كبيرة وحديثة للأدوية ومستحضرات التجميل بعد تأميم التجارة الخاصة وقفل باب الإبداع والعمل والنشاطات الإقتصادية المختلفة في بلادنا. ظل المسكين في طوافٍ شهري بين درنة وطرابلس حتى قبل وفاته في سنة 2002 رحمه الله  في محاولة لاسترداد ماضاع منه دون نتيجة تُذكر.

تلك كانت أسرتي وهؤلاء كانوا أهلي وسيستقبلونني هذه المرة وحدي (*1)، بعد أن كنت وجمعة نقوم بزيارات كثيرة في نهايات الأسبوع لدرنة وكان لجمعة صداقات وعلاقات قوية بشخصيات جميلة من مدينتي ..قلتُ أنني قادمة وحدي وبأنني منكسرة القلب منزعجة من بعض منغصاتٍ بدأت تظهر على السطح  غير أن والدتي  وكما كان عهدها معنا مستقبلة هاشة باشّة مهونَة وداعمة رغم األمٍ دفين أراه بعينيها.. أمّا المنغصات التي بدأت تُزرع في آذان الناس وكانت مُتوقعة طبعاً اذ أن حكّامنا الذين  قلبوا حال بلادنا بدأوا في تعلّم  دروس كيفية تشويه من خالفهم الرأي أو عارض نهجهم فيحدثُ  هذا بلبلة عند العامّة فتُمَهد الطريق أمامهم للإعتقال وحجر الحريات بلا خوفٍ من ردةِ فعل عامة بين الناس، وهكذا كان  فواكبت هذه الإعتقالات الغاشمة والغبية إشاعاتٍ غبية أيضاً لكن للأسف بعض الناس وخاصة البسطاء منهم  بلع الطُعم هذه المرة أيضاً وهذا ماحدث فقد أُتهمَ اغلب المعتقلين بالجوسسة لإسرائيل تصوروا أو بالشيوعبية أو بالإنتماء للجماعات الإسلامية. سرت الهمهمات ووصلت لأهالي المعتقلين وأوجعتهم. لقد انتهجت وسائل إعلام النظام المتاحة وقتها (تليفزيون وإذاعة) أساليب لا يعرفها الليبيون من قبل.. ماأسلفتُ قوله ظهر بعد ذلك في كتب منها كتاب لـ (قتحي الديب) احد أساطين المخابرات في إحدى الدول العربية  وورد فيه ما يؤكد هذه الشكوك وهي أن مخابرات عربية وأوربية شرقية جاءت لبلادنا لتنصح حكامها الجدد وتُعلمهم أساليب التخويف والترهيب أو لنقل تضع قواعد لها، فأنا لا أعتقد أنهم كانوا أغراراً أو طيبين إلى هذا الحد أو رافضين لهذه الأساليب على جدتها على الناس ورعبهم لمجرد السماع بها لأن بلادنا أفتتحت مع قدومهم عصر الإعتقالات التعسفية البالغة القسوة،كان تشوية المعتقلين وإلباسهم تهماً غريبة، معاناة إضافية لنا إلى جانب معاناة غيابهم.. كل هذه الآلام  تُثقل قلبي وتُضعفُ قدرتي على الإحتمال غير أنه وبمجرد أن  تطل السيارة على مشارف درنة ويظهر وجه أمي مرسوماً على موجات بحرها يهدأ القلب ويخفُت وجيبه!.

محبوبة خليفة

* أوراق من سيرتي (كنّا وكانوا).
(*1) كان ذلك سنة1973 حيث كان جمعة ضمن إعتقالات ما سُمي بالثورة الشعبية.
** صورة مدخل درنة للمبدع الأستاذ شحات شليمبو.

محبوبة خليفة | 14/06/2017 على الساعة 15:26
رد
معك حق أخي أبو مريم كنتُ أقصد السيد (فتحي الديب) اعتذر بشدّة
ابومريم | 14/06/2017 على الساعة 01:43
فتحي الديب
لعل الكاتبة تقصد ( فتحي الديب ) وليس علي الديب !!
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تعتقد أن الإفراج عن سيف الإسلام القذافي:
سيساهم في حل الأزمة الليبية
سيدعم جهود المصالحة الوطنية
سيزيد من تعقيد المشهد السياسي
اجراء غير قانوني
لن يكون له تأثير
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع