مقالات

نورالدين خليفة النمر

الشعر... العذوبة والأ ريحية

أرشيف الكاتب
2017/06/05 على الساعة 20:28

 حتى أطرد من عقلي غيابه وأُتبّث في قلبي حضوره الشاعري الحيّ، هذه قراءة من آوراق قديمة يجدّد معناها حدث رحيله من فُلك دنيا ضيقة إلى رحابة حياة شاسعة. إنها قراءة في شاعر يموت ويحيى شعره، بعد آخر موّشح يغنّيه  في صباحه الأندلسي الآخير ليتوّشح بموت هو حياة في ذروة الخلود، لتبقى كلمة محمّد الفقيه صالح الروح الصالحة التي كانت صلاحنا وصلاح كوننا ويبقى شِعرُه الأريحيّة العذبة الساكنة فينا.

الشعر... العذوبة والأ ريحية

 


 

المقـاربـة الأيروسـيـّة...

إن مدار بحثنا في شاعرية "محّمد الفقيه صالح" سيكون متمحورا حول اكتشاف ذاتية الشاعر الوجداني التي تبدو وكأنّها من عمق اعماق الوجود متجلّية في تلك "الحميمّيات المركبّة" التي توّحد بين "أنـا الشاعر" و"كائنات العالم" في علاقة حميميّة يتماهى فيها جـوهر "الأنـا" مع جـوهر "الكائنات"، وغالبا ما تتجسّد تلك "لحميميّات المرّكبة" في صور "ايروسيّة" ٭ شهوية ملموسة يعبّر عنها إنفعال متوفّز وثّاب يفصح عن توتّر شاعري عميق يغوص بنا في ذلك الخضّم الغني بإتجاه منبع الكلام معبّرا عن رهافة وشفافية تنّم عن روح رقيق عذب يتغلغل في هذه الصور الشعرية التي تمزج بين الذات والكـائنات والأشـياء: "ترّف حول خاطري النوارس المبلّلة / بنشوة النهار والسفر" (حالات)…، "تنتشي فّي الغزالات، الشموس تصير ملكي / فتتبعني الشرانق… تحتفي الأشياء بي" (دفء الإبتهال) ولكن سرعان ما يفسح ذلك الروح الرقيق العذب المجال لإنفعال يتّسم بالعنف والتوتّر يعبّر عنه الشاعر بـ رعشة الجسد، وشهوة التفجير، ولهب الأمطار، والتجّذر في احشاء الليل الموحش: "تنوشني الأشياء في تحوّلاتها / فأنتشي برعشة الجسد" (تقاسيم تكوينية)، "جسدي مشدود ـ في لهب الأمطار ـ إلى الرجفة، والتوق المشرق" (حمّى الأرتعاش)، "أتوّحد بالنخل السامق في ليل الصحراء الموحش اتجّذر في / احشاء الليل" (مقاطع ليلية). ولكّن ذاتية الشاعر التي تتجلّى من خلال التعبير المحموم عن "الأنـا" تبدو مسلمة مسبقا إلى العملية "الديونيزسيّة" ٭، منقادة إلى ذلك الروح "الايروسي" الذي يلهب الكلمات فيكسبها حيوية ويمنحها حرارة، ويعطيها دفقا، مفجّرا موسيقى النّص، باعثا طاقاته الدّالة قبل كل احتواء تمارسه الكلمة ـ الفكرة، منتزعا تلك المنطقة الرقيقة والحسّاسة من رتابة اعتياد الكلام، فالشاعر يخبرنا بأن "الغيمة تنفعل، والأشياء حول الذات تتفتّح، والرغبات تشتجر، وفي الدم تشّب طفولة النهار، وفي الخطى لهفة الصهيل للعراء" "معّمدا، اصير، في دوائر الطقوس والحرائق" (تقاسيم تكوينية)، "تشّب في دمي طفولة النهار… / وفي خطاي لهفة الصهيل للعراء" (حالات)، "تتفتّح من حولي الأشياء، وتشتجر الرغبات" (جدلية الغابة) "أنفذ بالشهوات إلى أوردة الريح"، (رقص) "آه لو تنفعل الغيمة في جوف سمائـي / ألقي بنفسي في طقوس الماء" (إيماءات الضؤ والظلمة)، وتعبّر العملية "الديونيزسية" عن ذاتها في شعر محمّد الفقيه صالح عبر الإحساسية المثارة في الوعي، معتمدة الإيحاء يإعتباره نقيضا للوصف الموضوعي، فالشاعر لا يمكن أن يتواصل مع "الجوهر الكوني" إلاّ بإحداث بلبلة حادّة في حواسه، وتجسيد إنغماسه "الديونيزسي" الشهوي عبر الإيحاء بإعتباره إهابة، وتلميحا، وإستثارة، محدثا ذلك الفضاء الشعري الذي يفسح المجال لتدّخل الطبيعة غير المشروع والمباغث في الدراما الإنسانية.

الـنـمل هـنـا
والحرباء الـحيرى
والعـسل اللامع فوق ثمار المانجو
ونـصاعةمرجـان الشاطئ
موسـيقى الألـوان
وإيـقـاع الـخضرة
خـشـخشة الورق اليابس،
وإستنفار الخذر الهاجس في الحشرات المختبئة
إيـما، واستـدراج، وخطى خـجلى
إيلا ف في اعشاش الدفء
فـهمـس منـفعل
فدّوي… (جدلية الغابة)

في هذا المقطع من قصيدة (جدلية الغابة) يمنحنا الشاعر نصا يساعدنا في الولوج إلى أعماق (الكوني) المتعذّر سبره شاحنا نصّه بتأثير دينامي متصاعد، وإحساس بالحركة متنام، إحساس بحياة الغموض الموّارة المثيرة. هذا الإحساس الذي يتجلّى عبر اداء غنائي متميّز، يكتشف الشاعر فيه " أنـاه" من خلال تفاعل حميمي مع العالم، وفي إطار صورة كونية تمنحنا راحة وجود، وغبطة هناء، وإحساسا رهيفا بمعنى الكائنات.

انـفـصـام الأنـا الـتـخييلـي...

إن شاعرية "الحميميات المرّكبة" تتأسس على فاعلية "الأنـا التخييلي" الذي يتّحد مع أبعاد "الظاهرة الكونية" في مشهد حلمي يجمع (كينونة العالم) شاعريا حول جوهر "الأنـا" بإعتبار الأنا محور الشاعرية الوجدانية ومرتكزها، ويستمد "الأنـا التخييلي" في اشعار محمد الفقيه صالح فاعليته من ذلك البعد الشهوي"الأيروسي" الذي يفسح الطريق لدخول الشاعرية المتوّثرة في جسد اللغة، مانحا الشعر تلك القدرة على بعث حياة الكلمات التي تلاشت، وإيقاظ الصور التي بهتت وامّحت، مؤكدا في الوقت نفسه طبيعة الكلام غير المتوّقعة التي تفّك إسار الحمولة الشعرية التي يخفيها الكون في اعماقه. ولّكن "الأنـا التخييلي" الذي يمنحه البعد الأيروسي فاعلية الحرية وتوتّر الشاعرية وخصوبة الصور والإيحاءات هو في الوقت نفسه مفصوم بنوع من فرح النشوة، وعذاب الكآبة. ويعبّر الشاعر عن فرح النشوة: "بالمطر الواعد، والفرح الشمسي، وبرق المواعيد، وخبايا الطلع، وشهوة التحقّق"، و"لكّن المطر الواعد يأتي" (حمّى الإرتعاش) تحفّزا مسكونا بالفجآة"، (تقاسيم تكوينية) و"حنينا مسّتبدا للمواعيد التي تبرق في بدء المسافات" (ايماءات الضؤ والظلمة)، "واشتياقا الى وصل يتنامى بين الوحشة والفرح الشمسي " (مقاطع ليلية)، "وغوصا فيما يخبئه الطلع" (خطوط داخلية)، "وشبقا يحفر في احشاء الرؤيا ما أنجزه الطلق" (حمّى الأرتعاش) "وغيابا في حوار زهرتين أو في تبتّل الأشجار والأعشاب لغبطة الرياح والمطر" (حالات)، "وأن الورود الثمار، المياه، البذور الوليدة في نبض عاصفة البذل والأمتياح تمارس شهوتها للتحقّق" (دفء الأبتهال). ويعبّر الشاعر عن "عذاب الكآبة" بقّش الأنقباض، والمرايا المعتمات، والعيون المطفئة، ونخلة الحزن، وعشيّات العويل، وورود الفجيعة: "ولكّن الأعماق يخدشها قشّ الأنقباض… ويفتّض البكاء ما تداريه المرايا المعتمات في جحيم الذاكرة" (إيماءات الضؤ والظلمة) فـ "العشيّات مشبعة بالعويل" (مرثية للسحاب) و"الورود مخثرّة بالفجيعة" (القلب هدّته القصيدة)،" الخطوة تبلع الوقع، مفجوعة بالتوّجس أو بالعصافير إذ تستحيل على نخلة الحزن مرثية للسحاب" (مرثية للسحاب). ويتعمّق إنفصام "الأنـا التخييلي" في صورة إنضمام شعوري يتشّكل في نسق مقطعي يصل في بعض المواضع الشعرية إلى ذروة التكثيف الغنائي الذي يستمدّ نفسه من ثنائية تكسب إيقاعه الشعري دينامية، وتعطيه دفقا غنائيا حارّا. ففي قصيدة (تحوّلات في دائرة الأشياء) نقرأ هذا المقطع الذي يتّسم بالكثافة الغنائية:

اقول مـا هذا الـعمى الذي أصابـني؟
النساء والأشجار، والأطفال، والأنوثة التي ترّف في ثنايا
هذاالكون، والأمطار، والبحر الذي يفّح، والعشب
المنّدى، غبش الصباح، ساحة الميناء، عندما تعّج بالعمّال
لسعة البرد ورعشة الأجساد، والنوافذ التي يشّع منها الدفء والأسرار
اقول: هل إيماضة تجئ كي توقظ فّي جذوتي
وكـي أرى مـا لا أرى؟

في هذا المقطع من قصيدة (تحوّلات في دائرة الأشياء)، نلاحظ "ثنائية الإنساني والكوني"، إذ تتداخل مفردات الأنساني: "النساء، والأطفال، والعمّال، والأنوثة التي ترّف، ورعشة الأجساد والأسرار" مع مفردات الكوني: "الأشجار، والبحر المنّدى، غبش الصباح، والأمطار". وفي إطار ثنائية الإنساني والكوني ينتظر الشاعر تلك الإيماضة "الأيروسية" التي توقظ فيه جذوة التعشّق فتجعله يرى، ويحسّ بتلك الأنوثة التي ترّف في ثنايا هذا الكون الذي غالبا ما تتلبّسه روحا أنثوية يعبّر عنها الشاعر بالتعشّق الغابي، وشهقة الفجر وتنهّدات الزرقة المحتدمة. فللغابة إيماءة الأنثى: "غابة تؤمي لي، ونشيد صاعد من شهقة الفجر، ورفرفة الموج" (إيماءات الضؤ والظلمة)، وسيّدة العشق تطلع من الفجر الغابي وتغمر عاشقها بصخب الغابات:

آه.. لـو تطلع سيّدتي / آه.. لـو تطلع من هذا الفجر الغابي
وتغمرني بالخـصب الناشب في رحم الغابات. (جدلية الغابة)

والأنثى / الفراشة يصفها الشاعر في قصيدة (جدلية البحر) بأنّها: "اشتعال في خيال البحر"، وهي تطّل من بين الأغصان، وتقذف عاشقها بنهار صاف في قصيدة (رفرفة):

حديـقـة صمتي تزهر حين تطلّ فراشة قلبي
من بين الأغصان، وتقذفني بنهار صاف
 تطعمني بيديها الفستق
وتحاورني بآناملها الفصحى
امشي في الطرقات إلى جانبها طفلا غرّا
حتى ألمس يدها
فيضّج الـنـعناع
ويـشـهق دغـل

إن الشعر يدخل طبيعة أخرى، مفرداتها تكمن، وتتبعثر في جدليات فيكتب ضجّة النعناع/ وشهقة الدغل، دمع الفّل ــ الطفل /، ونبض الغابة، عرّي إخضرار الحدائق /، وجنون التراب،. تجاسر اللون في التفّاحة /، ورفيف أجنحة الطيور، وبصرخة الأعشاب، يرسم ملامح لغة كونية جديدة نتعلّم من خلالها حبّ العالم ومديحه، فندخل جسدا وروحا في جوهر السعادة، نقتحم كون الكلام الذي يشيّده الشاعر بمفردات الإنساني والكوني في إطار تلك الشاعرّية الخصبة المتوّثرة. شاعرّية الحميميّات المرّكبة.

نورالدين خليفة النمر

الـهـوامــش:

٭ إيروس: إله العشق. وهو عند افلاطون منبع كل سعادة ومصدر كلّ خير. وفي العصور الحديثة إتّسع المفهوم الأيروسي فأصبح يدّل على الرغبة والشهوة. وهي حركة النفس طلبا للملائم ورغبة في التمتّع باللذّات الحسيّة والأنغماس فيها. (الموسوعة الفلسفية العربية ـ معهد الأنماء العربي).

٭ ديونيزوس: إله النشوة والإلهام عند اليونان ففي البدء اعتبر إله الخمر والكرمة والمرح. ثم إتسّع نفوذه فأصبح إله البساتين والغابات وحياة النبات وتتّسم اعياده بطابع المرح والصخب والنشوة.

٭ محمّد الفقيه صالح. خطوط داخلية في لوحة الطلوع. الدار الجماهيرية للنشر. ط 1. 1999.

٭ تبث بالقصائد غير منشورة في الديوان:

ـ مرثية للسحاب / جريدة الفجر الجديد / العدد… 1977.
ـ رفرفة / مجلّة الفصول الأربعة / العدد 50 / 1991.
ـ حالات / الفصول الأربعة / العدد 51/ 1991.

ـ رقص / مجلّة  لا / العدد 23 / 1992.

نورالدين خليفة النمر | 07/06/2017 على الساعة 00:02
إلى شاعر / آكاديمي
شاعر أكاديمي .. أشكر تثمينه لقرائتي ،انا لاأحب أن أكون في موضع المدافع عن ماأكتب،وأسوق المبرّرات والمعاذير عن النواقص وهي سمة العمل البشري وبالذات البشري الليبي يبدو أن شاعرنا الآكاديمي لم يعش القصة معنا منذ إيداع الشاعر ورفاقه السجن السياسي عام 1978 في سجونه "الجدّيدة والحصان الأسود،وبوسليم " وإخراجهم في تمثيلية أصبح الصبح عام 1988 وإن عاشها معنا جسداً كونه مواطناً نأى بنفسه فيما كان يسمى الجامعة . ربمالم يعشها معنا وجدانا ممتحناً بالإكراهات والخطوب عموماً هذا الحيّز الذي يفسحه لنا الموقع للتعليق لايسعنا أن نوّضح الأمور أنا سأدفع بمقالة أنتهيت منها البارحة للنشر في هذا الموقع بعنوان "الشعر في عقلانية السجن" ربما ستكشف جانباً من القصة المحنة .لشاعرنا وإشتراطاته الأكاديمية التي أتفّق فيها تماماً معه .
شاعر أكاديمي | 06/06/2017 على الساعة 12:46
استغراب
أثمن عالياً هذه القراءة إلا أنني صدمت فعلا بأن التخريجات للاقتباسات لم تكن بمستوى القراءة .. بمعنى أنها ليست دقيقة وتحتاج إلى تعديل حتى يكون العمل صحيحاً متكاملاً. يجب أن يضاف بعد اسم المطبوعة ورقم العدد تاريخه ورقم الصفحة. كما أن استغرابي تعاظم حين عرفت أن الكاتب هو من جيل الجامعة الليبية المفترض أن يكون متمكناً من كل تلك الاشتراطات في الدراسات الأدبية والفلسفية التي هو أحد أعمدتها في ليبيا كما عرفت.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع