مقالات

عبد الجليل آدم المنصوري

سُقُوط ورقة التُّوت عن حُكّام قط

أرشيف الكاتب
2017/06/01 على الساعة 19:17

نشرت جريدة اللّوموند الفرنسية يوما-عام 2008م تقريبا-لقاءَ صحفيا مع حمد بن خليفة أمير قطر السابق، ترجمت ذلك اللقاء الصحفي جريدة الأخبار المصرية ونشرته على صفحاتها. من ضمن ما جاء فيه أن الرجل كان في رحلة ترفيهية؛ يتجوّل وزوجته في جنوب فرنسا لابسا بنطلون جين، مُستخدما الدرّاجة النارية مُرْدِفاَ وراءه زوجته موزة. وذكر الشيخ حمد أنه يكره عرب الخليج، وأنه يُعانى من عُقدة كون قطر ذات مساحة جغرافية صغيرة جدا، وبالتالي كان يسعى بشتى الطرق على أن تكون لها مكانة كبيرة في العالم. كما ذكر أنه سيتنازل لابنه تميم عام 2016م، إلاّ أنه قال إن زوجته تودّ أن يتم التنازل عن الإمارة لابنها تميم قبل عام 2016م، وهنا سأله الصحفي؛ وهل لزوجتك تأثير على قراراتك السياسية؟ فرد قائلا: ومن هو الذي لا تُؤثّر زوجته في قراراته؟  وفعلا تم تنصيب تميم أميرا لقطر في 2013.6.25م.

وفى 23 يونيه 2013م، نشرنا على صحيفة ليبيا المستقبل الالكترونية مقالا بعنوان: "سقوط ورقة التوت عن قناة الجزيرة"بيّنا فيه أن الكثير من مشاهدي هذه القناة في ليبيا يرون أن مصداقيتها اهتزت من خلال – على الأقل-حادثتين؛ الأولى عندما تم إعلان تحرير طرابلس وسيطرة الثوار عليها، حيث رتّبت قناة الجزيرة مُقابلة على الهواء مباشرة مع عبد الحكيم بالحاج من داخل مركّب العزيزية-مقر إقامة معمر-وكأنه هو ومن معه من قام بفتح طرابلس! وهي ليست عين الحقيقة التي يعرفها جميع الليبيين، ولكن لغرض إعلام أيديولوجي وسياسي مُعيّن، قامت قناة الجزيرة بتلك المقابلة!

والحادثة الثانية، نقل قناة الجزيرة لخبر مظاهرة بعض المواطنين في بنغازي يوم 2013.6.8م، إذ قالت ما مفاده؛ "مجموعة من المواطنين تظاهرت في مدينة بنغازي وتصادمت مع الجيش الليبي، الأمر الذي نجم عنه قتل وجرح العديد منهم"، ويومها قلنا للجميع؛ " عظّم الله أجركم في قناة الجزيرة". لأن الحقيقة وردت في نشرات قناة الـ BBC العربية، حيث قالت ما مفاده، مجموعة من المتظاهرين في مدينة بنغازي اتجهت إلى إحدى معسكرات التشكيلات المسلحة المدعومة من رئاسة الأركان، الأمر الذي نجم عنه قتل وجرح العديد من المواطنين. وما يعرفه الليبيون عن حق، أن تلك التشكيلات المسلحة مدعومة من رئاسة أركان تتراقص حولها الشبُهات! وهو السبب وراء مطالبة معظم الليبيين بحل تلك التشكيلات، وضمِّ عناصرها فرادى وبأرقام عسكرية إلى الجيش والشرطة-لمن يرغب. علاوة على ضرورة تنحّي أو إقالة، رئيس الأركان غير المرغوب فيه على المستوى العسكري والشعبي. وللأسف لم تجد تلك المطالب الشعبية آذانا صاغية ولا قلوباً واعية من السلطات الليبية في حينها. وهو أمر ينم عن مدى التدخّل القطري في اتخاذ القرار على المستوى العسكري الليبي آنذاك.

وها هي وسائل الإعلام اليوم (مايو 2017م)، تظهر علينا بتسريب مقطع فيديو لأمير قطر السابق حمد بن خليفة، ووزير خارجيته حمد بن جاسم، يكشف المستور عن سياسة حُكّام قطر السّاعية لزعزعة استقرار دول المنطقة، ودعم التدخل في شؤونها على مدار السنوات الماضية، ويعتمد نهج هذه السياسة المستمرة حتى الآن، على دعم الجماعات المتطرفة.

يُسلّط الفيديو الضوء على ثبات سياسة حُكّام قطر منذ سنوات ماضية، واستمرارها في النهج المضاد لمصالح دول المنطقة. إذ قال أمير قطر السابق في الفيديو:" لنا علاقات مع جميع المعارضة، ونحن أكثر من سبّب إزعاجاً للسعودية ".  وأضاف: "نحن نعمل على تشجيع الحركات الداخلية بهدوء لان القضية قضية وقت". وقال: " نحن من خلقنا قناة الحوار في لندن، ونحن من يغذي قناة الجديد في لبنان". وأردف قائلا:" لو نجح الأمريكان في العراق، سيكون الدور القادم على السعودية".

أما حمد بن جاسم، فتحدّث في الفيديو عن علاقة قطر بإسرائيل قائلاً:" ساعات إذا وجدنا الضغط السعودي زاد على الأمريكان، هم يخففون الضغط علينا(الإسرائيليون) بسبب علاقتنا معهم، فالمنطقة مقبلة على بركان". وعن خلخلة الاستقرار في المنطقة، ودعم حُكّام قطر لعُملائهم في بعض الدول لنشر الفوضى بها، والعمل على انفجار بركان من نوع ما تعلم به قطر وتدبّر له، قال حمد بن جاسم:” نخلق علاقات مع أولئك الناس الذين في المفاصل، هذا جزء مهم من العملية، هؤلاء يذهبون إلى لندن وباريس وروما وسويسرا، تشتغل عليهم سفارتنا بهدوء وهذا لا يكلف شيئا".

تلكُم إذن هي سياسة حُكّام قطر متمثلة في؛ زعزعة استقرار دول الجوار، ومدّ يَدِ التحالف لمن يسعى لذات الهدف، ويبدو أنها لا تُكلفهم شيئا، حسب قولهم!  لقد سعى حُكّام قطر جاهدين على خلخلة الأمن المصري وإذكاء روح الفتنة، عن طريق عملائهم الذين يدعمونهم بالمال. كما أنهم يدعمون في حماس في غزة، والحوثيين في اليمن، ويدعمون في صحيفة (مدل أيست إي) اللندنية كي تتعمّد الإساءة للملك سلمان. علاوة على وقوفهم ضد قيام الدولة في ليبيا، من خلال مناصرتهم لجماعات ومليشيات إرهابية بالمال والسلاح وربما حتى بالمعلومات، وهو دعم مُثبت بالأدلّة القطعية، ووجدوا من يشدّ من إزرهم في الحالة الليبية حيث دعم حُكّام كل من تركيا والسودان.

لقد راهن حُكّام قطر على الإسلام السياسي في ليبيا، وبذلوا قُصارى جُهدهم لتنصيب عبد الحكيم بالحاج (أمير سابق بالجماعة الإسلامية المقاتلة) قائدا لثوار ليبيا. لقد أخّر حُكّام قطر موعد الانتفاضة في طرابلس-وهو قول منسوب إلى محمود جبريل-كي يتسنّى لبلحاج الوصول إليها، لغرض تكريس دوره القيادي، بظهوره في مدخل مركّب العزيزية في نقل مباشر لقناة الجزيرة المثيرة للجدل. وهو أمر يتفق مع ما أشرنا إليه في مقالنا المذكور سلفا.

وعدما عُقد اجتماع لأصدقاء ليبيا في سبتمبر2011م بباريس، وانتهى بمؤتمر صحفي بحضور كل من السادة؛ ساركوزي وكاميرون ومحمود جبريل ومصطفى عبد الجليل وأمير قطر حمد. فعندما سُئل محمود جبريل من قبل أحد الصحفيين؛" الآن وقد سقط النظام، ماذا ستفعلون بهذه الأسلحة المنتشرة؟" ردّ محمود جبريل قائلا: لدينا خطة لاستقرار طرابلس وجمع الأسلحة وشرائها... فقاطعه أمير قطر أمام الجميع بالقول:" الثوار لا يُلقون السلاح أبدا، الثوار هم الذين لديهم الشرعية"، وكان ذلك أمراَ مُحْرجا وغريبا في وقته، لكنه حقيقة ينم عن نوايا قطر وسياستها لاستمرار المشهد المضطرب في ليبيا.

إنه شغب حُكّام دوحة الغُربان-حسب تعبير أحد الكتاب السعوديين-والغُراب هو رمز الشّؤم والفأل السّيء في التراث العربي، ويتطابق في صفاته مع بعض الجماعات الأيديولوجية، التي ما أن حلّت في بلد وتمكّنت فيه إلاّ وحلّ به الخراب للبلاد والهلاك للعباد. وهي جماعات أصبحت مرفوضة على المستوى الشعبي، بعدما تكشّفت نواياها للعام والخاص، لا بل أدرجت من ضمن الجماعات الإرهابية في بعض الدول العربية وغير العربية التي تنشد السلام والأمن. هذه الجماعات لن تجد لها مأوى وداعم، إلا عند كيانات سياسية تستخدمها مِعْول شر تحركها وقت وأين ما تشاء، لتقويض دول بأكملها كما حدث في ليبيا وسورية.

لقد سخّر حُكّام قطر خلال العقدين الماضيين من الزّمن، سياستهم وإعلامهم لزعزعة أمن المنطقة، ودعم الجماعات الأصولية الإرهابية كالقاعدة وأخواتها. فما يفعله حُكّام قطر الآن من دعم وتمويل وإيواء لجماعة الإخوان، ليس بغريب على سياستهم المزدوجة، ناهيك عن ارتمائهم في أحضان إيران التي تُعد مقوّض أساس لاستقرار دول الخليج العربية ووحدتها. لقد اعتقد حُكّام قطر-مُخطئين-أنهم بذلك يتبنّوْن سياسة فريدة غير مسبوقة خليجيا! وهذا صحيح؛ فحكّام الخليج لهم سياسة ثابتة عمادها؛ الحِكْمة والحِنْكة والتآخي، مما لا ينسجم ونفسية مُراهقيّ السياسة الذين يشعرون بالنقص (Inferiority Complex (بسبب صغر مساحة بلادهم. وما نعيق الغربان وتأجيج حُكّام قطر الأخير -تصريحات الأمير تميم-إلا لصرف الأنظار عمّا يقومون به من عبث، كي لا تُرْمى بلدهم إلى العزلة، وهي عزلة قادمة لا محالة.

لقد انكشف عن حُكّام قطر القناع، واتضحت سياساتهم ضد دول الخليج العربية ، سياسات تنم عن تصرّفاتهم التي تتماثل وتصرّفات الذئب المُنفرد؛ فمن دعمهم الفاضح للتنظيمات الإرهابية، والتجائهم إلى النظام الإيراني الطائفي ليفتحوا بذلك بابا جديدا للتطاول الفارسي على الخليج! إلى إعطاء نصف مليار دولار لجماعات الحشد الشعبي في العراق-التي هي عبارة عن مليشيات شيعية مُسلحة لقتل أهل السنة-وقالوا إن المبلغ هدية من الدوحة لدعم الحشد الشعبي، وقيل إنه مقابل إطلاق 24 قطري مخطوفين في العراق!

لقد تبنّى حُكّام قطر فلسفة الاستثمار في سوق السياسة السوداء، فلسفة مبنية على التقية في المذهب الشيعي أي إظهار خلاف ما تُبطن، حيث استقطاب الخصوم والأقليات الصغيرة والمتعارضة، والجمع في التواصل بين المتناقضات؛ الجلاّد والضحية، وتبنّى حماس والعلاقة مع إسرائيل، والإخوان المسلمين وحزب الله، والمليشيات في الغرب الليبي، إنها خلطة سياسية سامّة تتجرّعها الشعوب البريئة. ولكن نقول لحكّام قطر، لقد انهار مشروعكم في ليبيا وانهار عّملاؤكم فيها، بفضل من الله أولا وأخيرا، وبفضل الجيش الليبي والسند الشعبي له. ونُنبّه حُكّام العرب، إلى ضرورة أخذ الحيطة والحذر حيال نفايات أفكاركم السياسية الخبيثة، التي نراها أشدّ خطر على الدول العربية من طاعون الأمس ومرض الإيدز اليوم، لا بل ربّما أخطر حتى من الفقر والجهل والمرض. وها هي تسقط ورقة التوت عنكم يا حُكّام قطر، كم سبق وأن سقطت عن قناة إعلامكم المسْموم؛ قناة الجزيرة.

ا. د. عيد الجليل آدم المنصوري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
احميدي الكاسح | 04/06/2017 على الساعة 05:35
واضح
كلام واضح وفاضح وصريح ومريح ، ينبه عن الموقف الفاضح
البرعصي | 03/06/2017 على الساعة 13:23
نلوم غيرنا والاجدر ان نلوم انفسنا!
اذا كان البعيد و الاجنبي لا يريد لنا الخير و لا يريد الا مصلحتة, لماذا نحن لا نريد و لا نعرف مصلحتنا فنصلح ما بيننا لكي نقطع الطريق علي كل اجنبي سواء كان قطر و تركيا و بريطانيا من جهه او الامارات و مصر وروسيا من جهه اخري؟ ما الفرق بين ان تكون تابعا لهذه الجهة او الدويلة او تلك مادام ذلك علي حساب مصلحة الوطن؟ المشكلة الاكبر منا و فينا من طبرق و القبة الي مصراتة و طرابلس! عنجهية و عنطزة و غباء قاتل هو ما ادي الي ما نحن فيه. متي ادركنا هذه الحقيقة المرة سنضع ايدينا علي الحل!
تحليل منطقي | 02/06/2017 على الساعة 04:05
صح لسانك
أبدعت أستاذنا الفاضل في هذا السرد و التحليل المنطقي المدعم بالأدلة القاطعة . حفظ الله ليبيا من كل سؤ . السلام عليكم
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع