مقالات

د. فتحي الفاضلي

الوطن يغرق في مستنقع آسن

أرشيف الكاتب
2016/07/18 على الساعة 10:27

الوطن يغرق في مستنقع آسن من اللغط والتخبط والجدل، ومستنقع عفن من الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. نرى الوطن يشكو ويعاني ويئن من تخلف غير طبيعي، وغير مفهوم، وغير مبرر. تخلف مخيف، في امور ومجالات وحيثيات لا يُقبل فيها التخلف اصلا، تخلف عن مصاف غيرنا من الأمم والملل والنحل، حتى تلك التي تُصنف تحت مصطلح العالم الحادي عشر بعد الالف.
تحتل ثقافة الاوس والخزرج (قبل طلة سيد ولد ادم)، وثقافة داحس والغبراء، وثقافة البسوس، قمة امراضنا القديمة. مزقتنا، هذه الثقافة ومنتجاتها من قبلية وجهوية وتعصب وعصبية وفتنة وا ختلاف وخلاف مزمن وعرقية. قتلتنا هذه الثقافة المريضة، قتلتنا لأنها مرض قاتل مدمر فتاك نتن، دمر دول وشعوب وأمم،  وملل مختلفة ونحل، كانت أكثر قوة وعددا وعدة، وأضخم ثروة، وأوسع ارضا، وأكثر بشرا من وطننا الأم  ليبيا.
ليس ذلك فحسب، بل استطعنا ان نطور هذا المرض الذي يسري فينا مسرى الدم، استطعنا ان نطوره بكفاءة لا مثيل لها، فانتقلنا من القبلية، الى الجهوية، الى العرقية، طبقات من المرض الفتاك، بعضها فوق بعض. بدلا من أن ننتقل من القبيلة إلى المدينة إلى المدنية إلى التكتل الدولي، ونلج إلى القرن الواحد والعشرين. بدلا من ذلك، تجمد الوطن عند مرحلة القبيلة بل القبلية. ليس ذلك فحسب، بل بدلا من ان نطور أنفسنا ايجابيا، كما تفعل غيرنا من الدول، طورنا انفسنا سلبيا، فانتقلنا – كما ذكر- من القبلية إلى الجهوية إلى العرقية.
هذه المرض انتج عقولاً احادية مغلقة انانية فردية، لا ترى ابعد من اصابع قدميها، بل واقل، هذا ان كانت هذه العقول ترى اصلا. هذا المرض اصبح جزء من ثقافتنا، بل تحول الى ثقافة مدمرة، انتجت فينا وبيننا وحولنا، انانية جماعية مفرطة.
هذا المرض ما زال ينخر في اساسات اساساتنا، منذ القدم، وحتى يومنا هذا. لقد آذانا هذا الأمر، ماضيا وحاضرا، وحتما لن يرحمنا مستقبلا.
بل الادهى والامر، اننا نتواِرث، مع هذا المرض، ونتيجة له، وجيلا بعد جيل، بقصد أو بغير قصد، نتوارث، ثقافة التشفي وثقافة الانتقام، وثقافة الانقسام واللانسيان. نتوارث ذلك مع كل واقعة تاريخية، بل ومع كل حادث وحديث وحادثة.
نحن لا نسرد لاجيالنا الجديدة، سلبيات وصراعات واختلافات ووقائع واحداث وحوادث الماضي فقط، بل نورث معها الحقد والبغض والدم والانتقام. نورث مجريات الحوادث والوقائع والأحداث - كما تفعل الشعوب- لكننا نورث معها ملابساتها واحزانها وضغائنها وماسيها والامها وكانها حدثت الليلة.
الامم والملل والنحل والشعوب والدول الاخرى، لا تفعل ذلك، لان الوطن عندهم اهم من  الجهة والعرق والقبيلة. الامم والملل والنحل والدول الاخرى، لا تفعل ذلك، لانهم خاليين من الانانية الاجتماعية الجماعية (النتاج الطبيعي لذلك المرض)، لذلك، نراهم لا يورثون لاجيالهم الجديدة المتاعب والمآسي والألآم والبغضاء والاحزان، رأفة بهم ورأفة بالوطن. المهم عندهم هو الوطن. الوطن فوق الجميع. لا يفعلون ذلك، لانهم ايضا، يريدون ان يواكبوا العصر الذي يعيشون فيه، ولا يريدون ان يكبلوا اوطانهم ويكبلوا اجيالهم الجديدة، بالام الماضي، وقيوده. كما نفعل نحن.
لقد كاد الامريكيون ان يدمر بعضهم البعض، خلال الحرب الاهلية التي دارت رحاها بين الشمال والجنوب، حرب اكلت الاخضر والاحمر والرطب والاسود والاصفر واليايس، استمرت اربع سنوات كاملة، وراح ضحيتها، حسب اغلب المراجع، قرابة الثمانمائة الف ضحية، ومع ذلك، لا نرى لها، في عقول وقلوب ووجدان ونفوس الامريكيين اثرا. نراها في الكتب، في المناهج، وفي البيئة الأكاديمية، بصفة عامة، كجزء من تاريخ البلاد. لكن لا ترى لها في قلوب الناس اثرا. لا ترى في قلوب الناس ضغينة او كراهية او حقدا، بسبب تلك الحرب لانهم لم يورثوا لأجيالهم الجديدة الحقد والبغضاء والكراهية. جمعهم الوطن "أمريكا"، فهي عندهم فوق الجميع، وفوق اي شيء، وفوق كل شيء.
ليس ذلك فحسب بل كاد الاوربيون ان يفني بعضهم البعض اثناء الحروب العالمية الاولى والثانية، والتي راح ضحيتها ملايين الملايين من البشر، ناهيك عن الدمار الشامل تقريبا، والذي طال جميع المدن والعواصم والدول، وبدون استثناء، تقريبا. ومع ذلك لم يتوقف الاوربيون عن لم شمل بعضهم البعض، منذ نهاية الحرب مباشرة، والى يومنا هذا، وهاهي اوروبا تتكتل تحت راية الاتحاد الاوربي، وها هو المواطن الاوربي يتنقل في اوروبا وكأنها بلاده، ارض واحدة، وقارة واحدة، وعملة واحدة، بالرغم من دمار الماضي وحروب الماضي وكوارث الماضي.
ليس ذلك فحسب بل الماضي الحديث نسبيا، فاثار هذه الحروب وتفاصيل فظاعاتها والكثير من مآسيها وشرورها واحزانها، ما زالت محفوظة بادق التفاصيل، في الكتب، في المناهج، في المعاهد والمدارس والجامعات والمتاحف. وفي جميع مؤسسات وجمعيات وهيئات ووسائل التوثيق المتعارف عليها. الاوربيون، اذا، بمختلف اجيالهم، غير غافلون عن فظائعها، بما في ذلك اجيالهم الجديدة. لم يتجاوزوها كتاريخ، اوكواقع، او كحقيقة، ولكنهم تجاوزوها نفسيا. جمع الاوربيون انفسهم تحت راية الاتحاد الاوروبي، دون ان تتسرب ثقافة الحقد والانتقام والتشفي الى نفوسهم.
وهاهي دول اخرى تسمى بالكبرى، او من عمالقة الامم اقتصاديا ومدنيا، مازالت تحاول ان تضم بعضها البعض، مباشرة او غير مباشرة، بالرغم من حجمها ومقدرتها وقوتها عسكريا واقتصاديا وسياسيا وفكريا وحضاريا. مشاريع لتكتلات كثيرة، تجري اليوم، بين دول في مقدورها الاستغناء على هذا التكتل اصلا. تكتلات لا اول لها ولا اخر، حاضرهم اهم من ماضيهم، وطنهم اهم من قبائلهم،  وعائلاتهم وعشائرهم.
بعض الحوادث والوقائع والصدامات والاحداث المحلية التي لا تساوي قطرة في محيط الحروب العالمية، ما زالت تمزق وطننا ليبيا حتى يومنا هذا، بلادا وعبادا، ومازلنا نتعامل مع تداعياتها واضغانها والامها وكانها حدثت الان.
ومما يزيد المشهد حيرة وتناقضا وغموضا، اننا شعوب مسلمة يفترض ان احدى اهم دعائمها، ثقافة التعارف والأخوة والمساواة والاعتصام  {يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، ان اكرمكم عند الله اتقاكم} [الحجرات 13]، وثقافة {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} [آل عمران  103]،  وثقافة {إن هذه امتكم امة واحدة وانا ربكم فاعبدون} [الانبياء 92] وثقافة "المؤمن اخو المؤمن" [حديث شريف]، وثقافة "كلكم من ادم وادم من تراب" [حديث شريف]، وثقافة {إنما المؤمنون إخوة، فاصلحوا بين اخويكم} [الحجرات 10]. بل ويفترض، حسب ثقافتنا وتراثنا وعقيدتنا، اننا مكلفون بمعالجة الامم والنحل والدول الاخرى من هذا المرض الفتاك الخطير، لكن هذا المرض وصل فينا الى النخاع. فهل من نظرة، وهل من وقفة، وهل من خطوة؟
د. فتحي الفاضلي

 

إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع