مقالات

سليم نصر الرقعي

أنا في قبضة الدواعش (5/1)

أرشيف الكاتب
2017/05/28 على الساعة 18:51

كانت الساعة تقترب من منتصف الليل وكنت مستلقيا ً في استرخاء على سريري في غرفتي المعتمة هنا في بيتي في مدينة (شفيلد) ببريطانيا، احضر نفسي للنوم مستمعاً، كعادتي، لأصوات المطر وأمواج البحر من خلال جهازي المحمول، مسترخيا ً في أمان الله ثم أمان الدولة الديموقراطية الليبرالية (الكافرة!) التي هاجرت اليها هروبا ً من الجحيم الأرضي العتيد في ديار العرب والمسلمين!، ولكنني فجأة - وبقدرة قادر - وبشكل محير غير متوقع! - وجدت نفسي أجلس على مقعد على متن طائرة تحلق في الجو فنظرت للشخص الذي بجواري والذي كان مستغرقا ً في اللعب من خلال هاتفه الذكي المحمول وسألته: "إحم !، بالله لو سمحت يا أخ، هالطياره وين ماشيه بالزبط !؟"، فنظر الى بشك وارتياب وأجاب بضيق شديد: "الى بنغازي طبعا ً!!"، فاستغربت وقلت في نفسي: " بنغازي !!؟؟"، "ألم أكن منذ قليل مستلقيا ً على سريري في غرفتي في شفيلد!؟ فماذا جاء بي الى هنا!؟"، ولكنني سرعان ما شعرت بشيء من الراحة والاستبشار وقلت في نفسي لنفسي: "مش مشكله!، فلتكن فرصة لزيارة الاقرباء والاحباء في بنغازي"، وبعد لحظات قليلة سمعت صوت كابتن الطائرة وهو يعلن عن وصول الطائرة لأجواء بنغازي مردداً أنها ستهبط في مطار (سي فرج) بعد قليل!، احترت لسماع هذه العبارة وقلت في نفسي: "أليس مطار بنغازي في منطقة (بنينا)؟، فمتى حولوه الى منطقة (سيدي فرج)!!؟".

***

هبطت الطائرة بسلام وصاح احد الركاب فجأة بصوت عال وانفعال كبير: (تكبيييييييير!)، فهتف الكثير من الركاب وخصوصا ً الأطفال: (الله أكبر، الله اكبر!)، وأطلقت إحدى النساء (زغرودة) بطريقة ركيكة غير متقنة ثم أخذ الركاب بشكل عفوي وفوضوي سريع يحملون حقائبهم على عجل ويتوجهون في ازدحام للخروج من الطائرة، فبحثت عن حقيبتي ولم أجدها وشعرت بالقلق والارتباك وقلت في نفسي: "لا اله الا الله!، أين ذهبت الحقيبة!؟"، ثم تذكرت فجأة جواز سفري وأخذت ابحث عنه في جيوبي فلا وجدت جواز السفر الليبي ولا الجواز البريطاني واسقط في يدي وشعرت باضطراب تام وقلت: "كيف سأدخل البلد بدون جواز سفر!؟".

***

نزل جميع الركاب وظللت وحدي في الطائرة ابحث تحت المقاعد عن اوراقي الثبوتية بدون جدوى!، فجأة دخل للطائرة رجل ملتح بلحية كثة كثيفة ويرتدي ملابس افغانية وصاح في وجهي بلهجة عربية ركيكة مكسرة وبلكنة غير ليبية.

قال: " أنت !؟ ويش تعمل هنا !؟"
قلت: "انا أفتش عن جواز سفري!، لا أدري أين ضاع مني؟". قلت ذلك  بارتباك.
قال: "هيا، هيا!، أنت انزل تحت ونحن نتفاهم مع انت تحت!"
قال ذلك بلهجة آمرة وصارمة وبلهجة عربية ركيكة مكسرة.

شعرت بالشكوك تحوم حول رأسي خصوصا مع لهجته الغريبة غير الليبية، وقلت لنفسي: "ربما نزلت بنا الطائرة بطريق الخطأ في بلد آخر غير ليبيا أو أنني أساسا ً صعدت في الطائرة الخطأ منذ البداية !، ربما، من يدري!؟". قلت له: "عفوا ً يا استاذ!، يبدو انني جئت هنا بطريق الخطأ، لهذا انا سأبقى هنا واعود مع الطائرة من حيث جاءت!". قال ساخرا: "انزل انت بس تحت اولا وبعد ذلك لكل حديث حادث!" قال لي ذلك ثم ضحك بقهقهة شريرة حتى ظهرت اسنانه الصفراء القبيحة.

وكادت ان تنفلت مني ضحكة ساخرة ايضا بسب قلبه للمثل العربي الاخير (لكل حادث حديث)، بجعله (لكل حديث حادث!)، ولكن ضبطت نفسي بعد ان خشيت من عاقبة اغضابه حيث قد أجد نفسي عندئذ في مشاكل اكبر!، حاولت اقناعه بتركي اعود مع الطائرة من حيث أتيت ولكنه رفض وهو يحدق في شذرا مذرا بنظرة عدائية شرسة ساخرة، ولما رأيتُ أنه مصر على نزولي فنزلت معه وأمري لله، واكتشفت للوهلة الأولى ان الطائرة كانت قد هبطت بنا في مكان ضخم يشبه المخزن الكبير كما لو أنه مرآب خاص للطائرات وكان المكان يعج بكل انواع الاسلحة كما لو أنه يستعمل كمخزن للسلاح والذخيرة (!!) وعندما وصلتُ الى آخر درجات سلم الطائرة كانت هناك مجموعة من الاشخاص في انتظارنا يرتدون ملابس غريبة هي خليط بين الزي الشعبي الليبي والزي الشعبي الافغاني وكان معهم شخص حليق يرتدي ملابس مدنية عادية ما إن رآني حتى صاح في انفعال ينضح بالفرح والسرور قائلا ً لمن حوله: "ألم أقل لكم!؟ فهذا هو الكاتب العلماني الفاجر (سليم الرقعي) بشحمه ولحمه الذي كان يكتب ضدنا دائما ً وضد دولة الاسلام!، ها هو اصبح اليوم في قبضتنا !"، قال ذلك ثم صاح بأعلى صوته هاتفا: (تكبيييييير!)، فتصايح الجميع في ابتهاج وهياج عجيب: (الله أكبر، الله أكبر!) وتردد صوت تكبيرهم في ذلك المخزن الكبير!... وتجمعوا حولي مبتهجين يتلمسونني ويتحسسونني بأيديهم كما لو أنهم يريدون التأكد مني كحقيقة ملموسة!، وشعرت بحيرة وذهول وبأن قلبي وقع بين قدمي، فأنا بلا شك قد وقعت في ورطة كبيرة واصبحت وسط هؤلاء الارهابيين غريبي الاطوار كما لو أنني خروف في سوق الغنم يقوم البعض بمعاينته يدويا ً للتأكد من صلاحيته لأن يكون أضحية العيد!، قال لي احدهم ساخرا: "واخيرا ووقعت في ايدينا يا (الرقيعي) يا خسيس يا عدو الله!"، فقلت له في ارتباك وضيق: "انا اولا ً لقبي (الرقعي) وليس (الرقيعي) ثانيا ً انا مسلم ولست عدو الله!"، فصاح في وجهي احدهم بصوت مرتفع متشنج، وكان سميناً طويل القامة يشد حزاما حول بطنه ويرتدي الساعة في يده اليمين وتغطي نصف وجهه السفلي لحية هائلة ضخمة، صاح مستنكرا قائلا ً "مسلم!؟، أنت مسلم!!؟؟؟؟، مسلم في عينك يا خسيس!، انت علماني مرتد تؤمن بالديموقراطية الكافرة وعميل للمخابرات البريطانية الفاجرة يا فاجر!" ثم صاح بعصبية وتشنج في وجه الرجال الاخرين يأمرهم: "خذوا هذا الكافر النجس من أمام وجهي وضعوه في الحجز وشدوا وثاقه حتى ننفذ فيه حكم الله بعد الفجر ليكون عبرة لمن يعتبر!".

وهكذا من سريري في مدينة شفيلد وأنا استمع لصوت هطول المطر مع صوت أمواج البحر وجدت نفسي في طائرة تهبط بي في مكان مجهول اعتقدت في البداية أنه مدينتي (بنغازي) في شرق ليبيا لأجد نفسي في قبضة الدواعش وهم يتوعدونني بالإعدام عند الفجر!!.

وإلى اللقاء في الحلقة الثانية...

سليم الرقعي

(*) هذه القصة في الاصل هي حلم رأيته بالفعل في منامي ولكنني أدخلت عليه بعض التعديلات الأدبية والفنية ليكون مشروعا لقصة ساخرة!.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع