مقالات

شكري السنكي

مواقـف طريفة لها دلالات وأبعاد! - الشّيخ عبدالنبي الهتـش... الطرفة والحكمة

أرشيف الكاتب
2017/05/23 على الساعة 15:52

كان الشّيخ عبدالنبي الهتـش - طيب اللهُ ثراه - صاحب طرفة وحضور لافت، وقـد اشتهـر بشجاعته الأدبيّة وبصراحته، كمَا اشتهر بحكمته البالغة. وكان خفيف الظل يحبه النَّاس ويهتمون به، حيث عُرِفَ بِرجاحَةِ عقْلِهِ ونقـده اللاذع الّذِي يثير الضحك والإعجاب فِي آن واحد. وقد امتاز - رحمـه الله - بذكائه الفطري ومقدرته الفائقة على تسوية الخلافات بين الخصـوم وعقد الصلح بين القبائل المختلفة عند وقـوع الخصومـة، وكان مِن وجهاء قبيلة المغاربة وأعيانها فِي إجدابيا. وقد عُرف عنـه أيْضاً محبته وتقديره الكبيران للمَلِك إدْريْس السّنُوسي وللسادة السّنُوسيّة، وكان واحداً مِن رجالات العهد الملكي، وقد تقلد منصب عميد بلدية إجدابيا فِي ذلك العهد الميمون. كان له العديد مِن النوادر والمواقف الطريفة الّتي سجلت عنه والّتي رواها عنه بعض أصدقائه ومحبيه، ابتداءً مِن تسمية شارع مِن شوارع مدينة إجدابيا بـ(الفاتح)، أيَّ الفاتح مِن سبتمبر اليوم الّذِي حدث فيه الانقلاب، وذلك حينما سأله أحد الشباب على عنوان معين قائلاً: (بالله يا سي الحاج ما تعرفش وين شارع الفاتح؟). فأجابه قائلاً: (الحقيقة يا ابنى الفاتـح دار فينا شوارع واجدة، فأيَّ الشوارع تقصد بالتحديد؟).

تعرّض الشّيخ عبدالنبي الهتـش - رحمـه الله - بعْد انقلاب سبتمبر للمحاكمة والسجن، وبعْد الإفراج عنه بفترة وجيزة حاولت عناصـر نظام سبتمبر مِن مُصْطفى الخروبـي وخليفة حنيش وحسـن أشكال إِلى إدْريْس الشهيبي، استمالته والتوددّ إليه، ولكنـه كان دائماً يفلت منهم بذكاء شديد عبر حكاياته المشوقة وأسلوبه السّاخر الّذِي يحمل فِي طياته مضامين نقدية ووجهة نظر حول مَا هُـو دائـر بشكلٍ غير مباشر.. قصّـة صورة المَلِك إدْريْس الّتي ظلّت معلقة فِي بيته بعد انقلاب سبتمبـر.. حكايّة إعجاب أحد عناصر نظام سبتمبر بإجابات الشّيخ الهتش ومنطقـه وحجتــه أثناء التحقيق معـه، واستغرابه بأن يأتي كل ذلك مِن رجل لم يدخـل المدارس أو الجامعات، فقال له: "الجامعات تعطيك شهادة على ورق، لكنها لا تعطيك عقلاً".. قصـة مزرعـة تربية النحل الّتي زارها برفقة حسـن أشكال أثناء وجـود معمّـر القذّافـي، وبعدما تعجـب الحاضرون بمن فيهم القذّافي نفسه لشدة انضباط النحـل والنَّظام الدقيق الّذِي يسير عليه، قال لهم: "مالكم تتعجبون من شدة انضباط النحـل ودّقـة خليته التنظيـميّة، وهذا الكيان سُمّي بــ(المملكة) فهذا هو شأن الممالك أيَّ النظم الملكيّة".. قصّـة العلم الّتي سنذكرها لاحقاً والّتي نشرها الأستاذ عبدالرَّحمــن شلقم فِي صفحتـه فِي الفيسـبوك.. وغير ذلك الكثيــر.

للشّيخ الهتـش، قصّـة مع العلم الأخضر الّذِي صار علماً للبلاد منذ نوفمبر 1977م، ولأني كنت قد نشرت مقالة عَن العلم ومسوَّدة الدّستور الجديدة بتاريخ 2 مايـو 2017م، رأيت أن أقف اليوم عند قصّـة الهتش الطريفة الّتي أوردها شلقم فِي بوست نشره فِي صفحتـه فِي الفيسبوك.

أقف اليـوم لأروي قصّـة الهتش مع علم القذّافي الأخضر، وقصته مع إهانة القذّافي لتاريخ جهاد الأجداد وتأسيس الدولة الِلّيبيّة، واستبداله علم البلاد بقطعة قماش خضراء لا دلالة لها، ذلك العلم الّذِي يرمز إِلى الشّرعيّة والهويّة وتاريخ جهاد الأجداد وبناء دولة ليبَيا الحديثة. أقف مجدَّداً لأؤكد أن استبدال علم دولة الاستقلال بغيره هُو استخفاف واستهزاء بتاريخنا المجيد وميراث الآباء والجدود، وتفريط بما كسبناه مِن المنجزات بدّمّ الشهداء. ويُذكر أن القذّافـي كان قد استبدل علم الاستقلال بعد انقلابه بعلم مستورد مِن دولة أخرى، وظل هذا العلم حتَّى العَام 1972م. ثمّ استبدل علمه الأوَّل بعلم بآخر (علم اتحاد الجمهوريّات العربيّة)، العلم الّذِي بقى حتَّى 19 نوفمبر 1977م، حيث أصدر القذّافي أوامره بحرق هذا العلم استنكاراً لزيارة السّادات إِلى القدس وذهابــه إِلى الكنيست، وطلب مِن متظاهريه برفـع قطعة قماش خضـراء فِي إشارة على أنها ستكون العلم القادم أو الجديد للبلاد. وبِالفعلِ أصبحـت قطعة القماش الخضراء هذه علماً لليبَيا مُنذ نوفمبر 1977م وإلى ساعة اندلاع ثورة السّابع عشر مِن فبراير 2011م، دون صدور قانون أو نص قانوني يحدد طول وعرض قطعة القماش وحجمها أو درجة اللون (درجة الاخضرار)، بِالإضافةِ إِلى أنها خالية مِن أيّ شعار. انزعج بعض المقربين مِن القذّافي مِن تبني قطعـة قماش خضراء دون شعار أو عبارة دينيّة مكتوبـة فيها كمَا هُو معمول به فِي المملكة العربيّة السّعوديّة. وقد كتب الأستاذ عبدالرَّحمــن شلـقم فِي صفحتــه بالفيسبوك يوم 17 مايو 2017م، قصّـة حول هذا الموضـوع كان بطلها الشّيخ عبدالنبي الهتـش، فقـال:..".. التقـى الشّيخ عبدالنبي مع الـرَّاحل مُصْطفى الخروبـي وبحضـور عدد مِن الضيوف، طاف الحديث حـول موضوعـات مِن التاريخ والأمور الوطنيّة، قال الخروبـي المفروض نكتب عبارة دينيّة على علمنا مثل السّعوديّة. اقْتَرَح عدد مِن الحاضرين بعض العبارات، والشّيـخ الهتـش يبتسم فِي صمت، سأله الخروبـي: لماذا لا تتكلم يا شيـخ؟.. تكلم عليك الأمان. فقال الهتـش: نكتبوا عليه الشفاعة يا رسول الله..”.

وَخِتامّاً، لا أعرف حقيقة كيف كان سيكون تعليق سي عبدالنبي الهتش لو كان بيننا اليوم حياً يرزق، على مسودة الدستور الصّادرة فِي 16 أبريل 2017م، الرَّافضة علم دولة الاستقلال والّتي جعلت العلم يحدّد بقانون يصدر بأغلبية ثلثي الأعضاء (*) !؟، وكيف سيكون تعليقـه على مقترح أحد رموز النَّظام السّابق الّذِي طالب فِي أحد لقاءاته التلفزيونيّـة، بــ(الراية البيضاء) بدلاً مِن قطعة القماش الخضراء وعلم دولة الاستقلال، وماذا كان سيقول لأعضاء الهيئة التأسيسيّة لصياغة مشروع الدّستور، المعروفة باسم (لّجنة الستّين)، وما سيقترحه عليهم أن يكتبوه وسط قطعة القماش البيضاء المقترحـة كعلم للبلاد!؟.

وَأَخِيْراً، سوف نتمسك براية الاستقلال ولن نفـرط بعلم البلاد أبداً لما يمثله مِن رمزية وميراث، ولأنه أمانة في أعناقنا وسنحميه بٍكُلِّ مَا أوتينا مِن قوَّة، لأن التمسك بـ(العلم) هُو حفاظ على ثوابتنا وحُقُوقنا الوطنيّة، فإذا سكتنا ورضينا باستبدال هذا العلم الّذِي يرمز إِلى ليبَيا وتاريخها العريق فسوف يُستباح بعدئذٍ كُلِّ شيء وعندها لا نلوم إلاّ أنفسنا ولا أحد سوانا.. رحمـــــك الله يا سـي عبدالنبي الهتـش وغفـر لك وجعـل الجنّـة مستقـرك ومـأواك.

شكري السنكي

(*) ملحوظة: لمزيد مِن التفاصيل عَن علم البلاد الّذِي استبدله معمّر القذّافي بغيره، راجــع مَا كتبته تحت عنوان: (العلم ومسوَّدة الدّستور الجديدة) ونشرتـه فِي موقع: (ليبَيا المُسْتقبل)، بتاريخ 2 مايو 2017م. وقد استعنت بعض الفقرات الواردة فِي المقالة المُشار إليها، فِي هذه المقالة الّتي بين أيديكم.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
احمد الشرداخ | 27/05/2017 على الساعة 02:18
سيرة رجل
رحم الله الشيخ عبدالنبي الهتش ..لقد كان فعلا رمزا للذكاء وروح النكتة الساخرة من المشهد السياسي العبثي وكان رمزا لوحدة القبائل الليبية فرغم انتمائه وكونه احد وجهاء المغاربة الا ان اصله الحقيقي يرجع لقبيلة اولاد سليمان ..مات الشيخ عبدالنبي الهتش ولكن حكاياته وسيرته لم تمت ومازال الناس من اجدابيا الى منطفة سرت يتناقلونها ويرددونها,,,
عبدالكريم بزامة | 25/05/2017 على الساعة 07:38
بناة ليبيا
في ذكري رحيل المؤسس لدولة ليبيا محمد ادريس المهدي السنوسي في شهر مايو 1983م اغبط للكاتب تناوله لشخصية الراحل عبد النبي الهتش وهو من اولئك البناة الاوائل لدولة ليبيا .اما موضوع الطرفة وسرعة البديهة فمن المعروف تعدد الروايات واختلاف نسبتها . فمثلا كنت متواجدا في مدينة اجدابيا لتقديم العزاء وتصادف ان كان حاضرا بنفس الخيمة سيد قذاف الدم قادما من سرت لتقديم التعازي لاهل العزاء وسمعت منه شخصيا قصة قطعة القماش الاخضر وكيف تم سجن ميكانيكي سيارات اجنبي لانه استخدم خرقة خضراء لمسح يديه لانه لايعلم بانها راية وطنية,ونسب سيد قذاف الدم الطرفة للحاج موسي الدامي من بلدة الابيار وبنفس العبارات التي اوردتها نقلا عن شلقم واثق شخصيا في رواية سيد اكثر من شلقم,اضافة للعلاقة الحميمة التي ربطت الشخصية الطريفة للحاج موسي الدامي مع الضابط الشاب يومها النقيب سيد قذاف الدم مسئول معسكر الابيار.حديث لايمل عن رجالات ونساء من بناة الوطن لللامة الليبية كما وصفها الادريس رحمه الله وشكرا للكاتب امتاعه لنا بالطرفة مقرونة بالعبرة فنحن بحاجة لها في ظرف المحنة ,اسال الله ان نهتم بواقع يومنا اليوم ونستوعب الدرس من التاريخ.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع