مقالات

صلاح علي انقاب

عن عبد الله، وعن الشعب المثير للشفقة... والله في جيب قطعة لحم

أرشيف الكاتب
2017/05/23 على الساعة 15:34

وكنت حينها أنا قطعة اللحم التي لا تمتلك شيئاً في جيبها...

ولأني كاتب اعتقلتني ميليشيا مسلحة، أفرادها لم يقرأوا سطراً مما كتبت طوال أكثر من عشرة سنوات، عرفت هذا عبر طريقين إثنين، الأول أنهم لم يكونوا يعرفون اسمي وهم يكيلون لي الركلات  بأقدامهم وأنا قطعة اللحم مكبلة الأقدام أمامهم، والثاني أني رأيت جهلهلم فيما أقول وهم يسألونني أجابات لم يهتم أي منهم بمعرفتها أصلاً، لقد كنا نتحدث نفس اللغة، لكنهم كانوا ضائعين في الترجمة.

لقد شعرت بالحزن، لا علي نفسي، فلقد حدث الأمر يوم ذكرى ميلادي، العاشر من أكتوبر، ولأني أؤمن بأن الله لا يحب اللعب بالأرقام، كنت أعرف أنه ليس من العدل أن أموت في يوم ميلادي، إنها صدفةٌ حسنةٌ ببساطةٍ لا أستحقها.

لقد عرفت ذلك اليوم أن كل ما اعتقدته صحيح، نعم، لقد تحوّلنا الى شعبٍ مثيرٍ للشفقة، شعبٌ فقد بسبب التدين الطائش معنى الخير، الحق والجمال،  فبعد أن أزالوا الكيس من على رأسي رأيت أمامي شباباً في مقتبل العمر، يحملون فوق أكتافهم رأساً يحوي نصف فكرةٍ واحدةٍ مفادها أن كلاًّ منهم يحمل الله في جيبه، ولقد كنت أنا المقيد أمامهم لأني كما قالوا مرّتين عدو الله وعشر مرّاتٍ عدو الشعب والثورة، لقد كانوا يتحدّثون لي تارة كأنهم الشعب، وتارة أخرى وكأنهم الله، لكني حينها كنت أرى أشياء أخرى، كنت أرى القيود في أيديهم والسنتهم، كنت أعرف وأنا أرى المسدسات، وسكيناً يهددني حامله بالذبح إذا لم أعترف بشيءٍ لم يقل لي ما هو، كنت أعرف أن جلّهم سيموت قبلي، من يحمل بندقية لا بد من أن تقوم يوماً ما رصاصةٌ بالمرور عبره.

بلدي تحوّل الى مستعمرةٍ وهابيّةٍ، دولةٌ يسكنها الأشرار، والقليل من الناس لأجل تكملة العدد في قائمة السكان فوق صحراء كبيرةٍ ينام الجميع فيها عندما يشعرون بالظمأ لنسيان عطشهم عبر حلمٍ مبلولٍ، إن الأمر أسوأ من حدوث كارثةٍ طبيعيّةٍ، كزلزالٍ يقلب الكوكب رأساً على عقب، أو طوفان يملأ الصحراء الكبرى بالمياه المالحة وجثت الأسماك الميتة، لقد رأيت هذه الصورة قبل عشر سنوات، لكن يوم اختطافي تحولت هذه الصورة الى حقيقةٍ حيّةٍ، حيث كان يركلني شخصٌ يؤمن أن شريعة الله يمكن اختصارها في القدرة على قتل من لا يكرر نفس كلامه، لكن الذي أثار شفقتي شابٌ لم يتجاوز من العمر نصف سنوات عمري سوى بسنوات لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، لقد كان اسمه عبدالله، كلهم كان اسمهم عبدالله.

لقد كان جميع عبيد الله يحرمون كل شيء يمكن أن يرى عبره المرء جمال الكون، الموسيقى، مصافحة النساء حتى أمهاتهم جميعاً، لقد كانوا جميعاً مثيرين للشفقة وهم يصطفون كقطعٍ من اللحم للصلاة وورائهم تقبع جثتي حيّةً حتى يقرر أحدهم خلاف ذلك، في ليبيا واحد زائد واحد لا تساوى شيئاً، ولهذا لم يكن عددهم حقيقياً بمقدار أهمية ذلك المراهق الذي يحمل في يدٍ مسدساً وفي يده الأخرى قطعة لحمٍ قام برميها لقطّةٍ اقتربت وهي ترتعش من طبق العشاء.

لقد كان الأمر كلّه حول قطعة اللحم، تلك التي قامت القطة بالتهامها، تلك المبعثرة في أقصى الغرفة، أو تلك التي تصلي لله تعتقده في جيبها.

رأيت في عيني هذا الشاب الغاضب وهو يصفعني، شعباً بكامله تحركه الكراهية الموصلة للهذيان، رأيت في عبدالله المقاتل كل شيء يستحق الشفقة، فالناس أكثر أنانيّةً من أن يتعبوا أنفسهم ليبحثوا عن سبب أخطائهم، وكان عبدالله خطأً ارتكبه والداه، الدولة، الجامع، المدرسة بل والمجتمع كاملاً، ما يحدث في بلدي طوفانٌ يجلب الموت والعار والحظ العاثر أيضاً، ومن ينجو من الأول لا بد ومن أن يقع في الثاني والثالث مجتمعين.

أنت كلبٌ
أنت مدمن مخدرات
أنت زير نساء
أنت عميلٌ للمخابرات
أنت شاذٌ جنسياً
أنت ملحدٌ لأنك لا تحفظ القرآن
أنت ملحدٌ مرتين لأنك تحفظ القرآن
أنت كلبٌ للمرة الثانية مع تجاهل العدّ
أنت ابن كلب
أنت تعمل مع الآخرين ضدّنا
نحن هم الآخرون

كلها تهمٌ ألقتها جماعة المؤمنين بالله والثورة فوق كاهلي، وأنا أجيبهم بثقة لم أعرف سببها، عبر سؤالٍ مفاده: هل الحياة الممكنةٍ هي التي يعيشها شخصٌ باحثاً فقط عن الأعداء؟!!.

لكن نظرات السادية من أعين عبد الله كانت شيئاً آخر، شيئاً لا يثير الرعب بمقدار كونه شيئاً يثير القلق والشفقة، فلقد رأيت هذه النظرة في أعين جميع من يبرّرون جرائمهم بكونها لا تقع داخل دارة الحلال والحرام المقيّدة بنوايا صاحب مطبعة دار الإفتاء في مملكة آل سعود.

بعض النوايا الحسنة توصل الى جهنم، فهي تبرر الكراهية والعنف بفتاوى تدوي بها مساجد مملوؤة بمصليّن تهوي على رؤوسهم كل جمعة اللعنات ضد الآخرين جميعاً، حتى هم أنفسهم، الساكتون من يعتقدون أنهم يمارسون الصبر، بعد أن قاموا بردم طريق الجامع بلعنات الجمعة السابقة.

وهذه تجربة عشتها وأعتقد أني لم أخطأ في فهمها، تجربة الحرب الغير مبرّرة، وتحول جيلٍ كاملٍ من الأطفال الى أعضاء نشطين في ميليشياتٍ تقاتل بعضها البعض دونما سببٍ يمكن عبره تبرير القتل، سوى محض فتوى رخيصة، نعم لا يمكن تبرر القتل أبداً، لكني أتحدث عن مستعمرةٍ وهابيّةٍ تحول فيها الشعب بكامله الى مجرد قطيعٍ من حملة الرماح المصوّبة نحو الجميع، قطيعٌ من الذئاب المنفردة، حيث القتل يوصل لبداية الحياة، انه عالم مقلوب، صعود المنحدر فيه، يوصل الى الأسفل.

بعد أن ركلني على بطني بقدمه، التقط سكيناً وبدأ بالتلويح بها، لقد كانت تجربتي بسيطة عند مقارنتها بقصص المختفين في زنازين الجمعيات الخيريّة المدجّجة بالسلاح، أعرف صديقاُ ظل عاماً كاملاً في غرفة مغلقة لا أحد يعرف في يد من يوجد مفتاحها، بسبب تهمة أن سجّانه ليس متأكداً من شدّة إيمانه بعد أن حاول قياسه بالمسطرة وعجز عن فعل ذلك.

عبدالله كان ضحية الجهل، لكن الأسوأ هو أن تكون ضحية الجهل المقدّس، حيث كل الجرائم التي ترتكبها، هي الفضيلة بعينها، لقد كان يتهمني بالكفر رغم أنه لم يدخل جمجمتي ليعرف مساحة ضميري الصالح، وجرائمى التي اقترفتها ابتداء من كتابة اسم صديقي على حائط الجيران وصولا الى ممارسة العادة السرية لغرض النوم متعباً، لكنه كان جازماً أن السماء خارج جمجمته أصغر من أن تحوي شئا آخر خلاف ما تعتقده جثّة  جدّ لا يعرف مكان قبره.

لقد كان عبد الله يرى العالم كما يراه أرنبٌ ميتٌ مفتوح العينين، يملأ قلبه إيمانٌ سببه صدفة مكان الميلاد، وكان المكان مجرد بئرٍ مظلمٍ مليء المراهقين الذي يداومون فعل الأخطاء التي يعتقدون أنها ستجعل العالم يعلم بوجودهم رجالاً بامكانهم تغيير هذا العالم نحو الجنّة، جيراناً لجهنم، غداً.

والغد لا يأتي أبداً...

صلاح علي انقاب

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
عبد الله | 24/05/2017 على الساعة 12:03
صدقت، ولكن؟
صدقت فيما قلت، وأمتعتنا بأسلوبك الأدبي البليغ، وبالوصف الوافي لواقع أليم... ومنذ متى كانت الحياة في أرض قاحلة مناسبة! ومن لا يستطيع الرحيل بحثاً عن المناسب عليه تعلم كيفية التعايش مع غير المناسب من أساليب الحياة..وسيبقى دائماً في الحفرة من وقع فيها إذا لم يصر على الخروج منها، ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، ألم ينهنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن البقاء في أرض غير مناسبة للحياة..الشجعان لا يحتاجون إلى نصيحة، ولن تجدي النصيحة مع العجزة، والجبناء!!!
عدنان | 24/05/2017 على الساعة 08:27
الشفقة
شكرًا سيد صلاح، كثير منا عاش تجربتك (بدون اعتقال) و تعايشنا مع هذا الجهل المقدس والتدين الطائش،و عشنا مع الخبراء واصحاب الحلول الجذرية الصحيحة الوحيدة في كل شي، قلوب تكتنز الحقد والكراهية. ....... نعم الشفقة ثم الشفقة عليهم وعلينا.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع