مقالات

محمد بن نصر

أفيـون المثقفيـن!

أرشيف الكاتب
2017/05/18 على الساعة 14:00

أفيون المثقفين عنوان كتاب ظهر سنة 1955 للمفكر اليهودي-الفرنسي ريمون هارون. والأفيون الذي يتحدث عنه، أو تحدث عنه هارون، هو الماركسية، فهي الأفيون الذي ذهب بوعي ثلاثة طوائف من المثقفين:1) ما يسمى "المثقفين العضويين"، وهم منتسبي الحزب الشيوعي الفرنسي، 2) رفاق الطريق، وهم المثقفون الماركسيون من غير المنتسبين للحزب الشيوعي، 3) وأخيراً ماركسيوا "معاهم.. معاهم" من مثقفي العالم الثالث، وهم الذين التقطوا الماركسية بحكم تعلمهم في اوربا وامريكا. والطائفة الأخيرة من الماركسسين هم محل اهتمام هذه الورقة! ولكي نعطي حزب "معاهم.. معاهم" حق قدره، على الأقل في نظر هارون، لابد من الاستشهاد بالفقرة التي يذكرهم فيها في كتابه حيث يقول: "الفكرة اليسارية المهيمنة، تلك التي يعود بها الطلبة الوافدون من أفريقيا وآسيا للدراسة في جامعات أوربا والولايات المتحدة تحمل طابع الماركسية، ولكن ماركسية معاهم.. معاهم"! وحتى لا يكون أمر الماركسيين عليهم غُمة، سأستشهد بالفقرة كما جاءت في كتاب هارون في نسخته الفرنسية، لعل لهم رأي في تأويلها، يقول هارون:

"معاهم.. معاهم" هي ترجمتي لعبارة "peu doctrinaire" الفرنسية كوصف للماركسية التي يعود بها الطلبة الأفارقة والأسيويين الذين تعلموا في جامعات أوربا والولايات المتحدة، فهي ماركسية الموضة في حينها..! وما يهمني من العائدين بماركسية "معاهم.. معاهم" هم ماركسيوا جنوب المتوسط الذين لازال البعض منهم يعيش على ذاك الأفيون، و سأعود لهولاء بعد قليل، لكن قبل ذلك لابد أن أوضح للقاريء الشيء الذي لفت نظري في الكتاب بخصوص الدارسين في فرنسا بالذات، ويتعلق بأثر الثقافة الفرنسية على مثقفي العالم التالف، لأن رأي هارون جوهري لفهم الأصول الفكرية لبعض مما يجري الآن على الشاطيء الجنوبي للبحر المتوسط!

يقول هارون: "ثقافتنا [الفرنسية] تثير نفاذ الصبر الذي يولد من التباين بين ما هو كائن وما يجب ان يكون.."! وما يسميه هارون نفاذ الصبر أو ضيق الصدر (Impatience) يضع له غيره من الماركسيين العرب مصطلح أكثر وضوحاً، وهو "الضغينة. الشاهد على ما سلف هو فقيد الماركسيين العرب العفيفي الأخضر، الذي قال عن تجربته: "لم أكن مدفوعاً بقناعات نظرية عميقة بل بغريزة طبقية فقط. ضغينتي على الأغنياء.. أسقطها على أغنياء العالم الذين وجدت أخيراً لهم اسماً شبه سحري: البرجوازية.."! وهناك ما هو أكثر أهمية مما سلف في تجربة الأخضر فهو يقول دون عناء: "بلورت قناعاتي النظرية بعدما آمنت سلفاً بالماركسية”!

الايمان قبل الفهم (أو الإيمان قبل بلورت أية قناعة) هو القاعدة التي وضعها القديس اوغسطين لحل معضلة "ثالث ثلاثة" في القرن الرابع الميلادي ولم يتحداها بصراحة ووضوح بعد ظهور الإسلام إلا نيتشه في القرن التاسع عشر، حيث قرر في كتابه نقيض المسيح أن: "مفهوم الالوهية المسيحي أحد أشد مفاهيم الألوهية فساداً على وجه الأرض"! ولا زالت المسيحية تعيش على ذات المفهوم الفاسد منذ ستة عشرة قرناً. والأخضر لايخفي إعجابه بالقديس اوغسطين، بل يعلنه، ومن هنا يمكن رؤية العلاقة بين مبدأ القديس أوغسطين "الايمان قبل الفهم" وإيمان الأخضر بالماركسية قبل بلورت قناعاته بالخصوص. فسوى سمينا هذا "ايمان قبل الفهم" بالمسيحية أو الماركسية، أو سميناه منهج "معاهم.. معاهم"، فالأمر سيان، لأن الايمان قبل الفهم خطأ اجرائي يضع العربة أمام الحصان، مهما كانت الفكرة مثالية في عين الناظر إليها! وهذا الخطأ الاجرائي جعل المسيحية والماركسية نوعان متعاقبان من الأفيون الذي ذهب بعقول الملايين في حقب ثقافية متلاحقة زمنياً!

لكن ما هو أكثر أهمية بالنسبة للأفيون هو أثره المعنوي السام الذي يولد الضغينة في قلب الصليبي والماركسي! فالضغينة التي حملها الصليبيون للمسلمين في الماضي، يحملها الماركسيون للاسلاميين في الوقت الحالي، أو لنقل بعبارة أكثر دقة أن الحقد الصليبي على المسلمين قد تحول من حقد صليبي إلى حقد علماني، فالحقد الماركسي فرع علماني من الحقد الأصلي الذي كان دينياً قبل علمنة أوربا. هذا النقد القاسي لابد له من دليل يأتي من حجة من حجج العلمانية ولا تشوبه شائبة من إسلام، كي لا يرتاب المبطلون. ولن نجد في هذا السياق من هو أفضل من ادوارد سعيد لأنه - على خلاف باراك اوباما وطارق متري - مات قبل أن يلتحق بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين!

يقول ادوارد سعيد بخصوص الفرضية التي بنى عليها كتابه "الاستشراق" ما نصه: "تتمثل فرضيتي في أن الجوانب الجوهرية للنظرية والممارسة الاستشراقية في العصر الحديث (التي يصدر عنها استشراق اليوم) يمكن فهمها ليس كمعرفة موضوعية اكتسبت حول الشرق بشكل فجائي، وإنما كبنى موروثة عن الماضي، تمت علمنتها، وإعادة ضبطها وتشكيلها بواسطة علوم مثل علم اللغة، ثم أعيد تطبيعها وتحديثها كبدائل علمانية (أو صيغة من الصيغ العلمانية) لما فوق الطبيعة [الدين] المسيحي".

وبناء على ما سلف ينتهي سعيد إلى أن الاستشراق دين تمت علمنته ((secularized religion، بمعنى أن الضغينة المسيحية القديمة (الصليبية) قد تحولت مع الاستشراق إلى ضغينة بدون دين (علمانية). الضغينة المسيحية حركت الحملات الصليبية التي تأسس على اثرها الاستشراق الأول (الكنسي)، والضغينة المسيحية متحولة علمانية (في استشراق الحداثة) هي أهم محركات الحملات الاستعمارية، التي بدأت بحملة نابليون على مصر (1798)، كعمل افتتاحي لاحتلال جنوب المتوسط الذي تم في القرن التالي، فالماركسية فرع من الضغينة العلمانية بالنسبة للناظر إلى السطح، لكن أصولها تظل صليبية لمن لا يخفى عليه ما في الأعماق (مثل ادوارد سعيد)!

  ما أود أن أخلص إليه مما سلف هو أن الماركسيين من أبناء المسلمين يحملون لإخوانهم من أبناء المسلمين حقداً صليبياً، وهم لا يشعرون! وهذا شيء شبه طبيعي لطول العهد، لذا نجد دائما أكثر من تساؤل في القرآن بصيغة "أفطال عليكم العهد..؟" المسلمون نسوا الإسلام من طول عهدهم به، والعلمانيون غفلوا عن أن العلمانية والماركسية ذوات أصول صليبية، لطول العهد كذلك..! فقديما قال صلى الله عليه وسلم "لتنقضن عرى الاسلام عروة عروة.. أولها الحكم وآخرها الصلاة"، ومن بعد جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال:"إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية.."!

كم من ناشئة المسلمين يعرف الجاهلية، أو بامكانه أن يعرّفها تعريفا جامعاً مانعاً؟ وكم من ناشئة المسلمين، أو كهولهم، لديه فكرة علمية دقيقة عن العلمانية أو الماركسية أو ماشابه ذلك؟ نحن في أزمة معرفية تجعل السامع لا يستطيع التفرقة بين الخطاب الإسلامي والخطاب العلماني لكثرة اختلاط المصطلحات، لأن الإسلامي والعلماني كثيراً ما يكونان من حزب "معاهم.. معاهم"! وبذا يكون النقص المعرفي، في تقديري، سب جوهري من أسباب الحرب الأهلية بين أبناء المسلمين. وإذا اردنا تجاوز هذ الحرب أو هذه الأزمة فلابد أن نضع الاشكالية في دائرة الافكار ثم نناقشها بهدوء، لأن الأفكار الوافدة (من زمن آخر أو مكان آخر) قد تحمل من السموم ما يجعلها مميتة بعد أن كانت في أرضها أو بحكم زمنها الماضي مجرد فكرة ميتة. وخير شاهد على ما سلف ما حمله الماركسيون من بغض للاسلاميين في تونس طيلة ثلاثين سنة، وما نعتوا به الحركة من رجعية وظلامية..إلخ! لم تكن تلك التهم سوى أعراض لأفيون المثقفين الفرنسيين الذي التقطه طلبة جنوب المتوسط عندما ذهبوا لطلب العلم في مهد الحقد التاريخي.

محمد بن نصـر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
غومة | 19/05/2017 على الساعة 03:36
عدم الدقة والمبالغة أفيون المتدينين...؟ (٢)
"الإيمان قبل بلورة اي قناعة" الم تكن هذه من خصوصيات الأديان بالدرجة الاولى! والإسلامي بشكل خاص! حيث لا وجود حتى لمجرد الشكليات، أمثال البارمتزفا اليهودية او الكونفورماشن المسحية! لو انتظرت الأديان لقناعة متبعيها فربما لتلاشت منذ مدة طويلة! الأديان ثم تبعتها بقية المعتقدات والمذاهب بان إقامة الشعائر اهم من فهم محتوي العقيدة. في الواقع كلما حاول الشخص الفهم كلما أصتدم بان كثرة الاسءلة تدل او تقود الى اهتزاز العقيدة! الصليبيون لا يحملون من الضغينة أكثر مما حمله المسلمين ضدمهم! المسلمون هم الذين اجتاحوا أوروبا قبل ان تعرف أروبا بوجودهم. والبتالي حملات الصلبيين كانت بمثابة رد الثاءر وإعطاء درس لاولءك البدو بان يبقوا في صحاريهم! لقد حملت الشيوعيون بأكثر مما كان بمقدورهم. فهم كانوا الضحية من اندونيسيا، الي السودان وبقية دويلات أمة محمد. والآن تأتي وتحملهم كراهية الاخوان وما شابه ذلك. فحتى لو كرهوا الاخوان كان لهم أسباب وجيهة: البقاء! فَلَو نجح او سينجح الاخوان فستكون مذابح دموية لكل من يتهمونه بالآحاد او الشيوعية. يحب ان تعطي لكل ذي حق حقه ولا تاخذك حماس العقيدة بالأوهام وعدم تحري الحقيقة
غومة | 19/05/2017 على الساعة 03:34
عدم الدقة والمبالغة أفيون المتدينين...؟. (١)
ربما ترجمة d'aillure peu doctrinaire تكون اقرب الى "مذهبية متضعضة" او العقيدة المهتزة، نظراً لان كثير من طلبة العالم الثالث تنقصهم الخلفية الثقافية والتاريخية لتعمق الفهم المذهبي الاديولوجي! المقال يعاني من الاستعمال السريع والربط المبسط بين مذاهب واديولوجيات.ربما في ظاهرها تتشابه ولكن في عمقها ومحتواها تتباعد: العقاءد الدينية، العلمانية، الانسانية،المركسية...! ففحين نظرة هارون الى مثقفي العالم الثالث كانت نظرة استعلائية، فنظرتك اليهم كانهم كانهم اليات، روبتس، يحملون ما لا يفقهون! بالاضافة الى ان ما تحركهم هي العواطف والمشاعر الانسانية والتى ان دخلت في مخاض النضال الطبقي فكان ذلك عفوياً؟ اي ان نضال التقدميون ليس نابع من الحسد او الضغينة ولا حتى الكراهية بل من الإدراك العميق بان العدالة الاجتماعية تدرك بان ضحاياها اولءك الذين كانوا السبب في عدم وجودها، اي الطبقة البرجوازية في أوروبا وملاك الاراضي والكمبرادور في العالم الثالث. شكراً. غومةغ
إستفتاء
ماذا تتوقع من لقاء فايز السراج وخليفة حفتر في أبوظبي؟
لا شئ
إنفراج للأزمة
خطوة علي الطريق الصحيح
لا ادري
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع