مقالات

محمد عقيلة العمامي

(خليش) وسمان

أرشيف الكاتب
2017/05/18 على الساعة 14:10

بدأت سيدة أمريكية أسمها (روبي هيمنواي) حياتها العملية كمعلمة سنة 1903 وتقاعدت بعد ستون عاما. ولما بلغت التسعين صارت كاتبة. كانت متابعة جيدة لعمود اسبوعي في صحيفة مدينتها، وكثرت مداخلاتها وتعليقاتها ليكتشب كاتب العمود موهبتها؛ فشجعها على الكتابة. ثم بدأت في كتابة عمود اسبوعي مستقل تتحدث فيه عن ذكرياتها. تقول (الآنسة روبي): "حين أبدأ الكلام عن الماضي يتوقف الزمن حولي". في يناير 1984 وصل عمرها 100 عاما، وبعد أسبوع واحد من صدور مقالها الأسبوعي بعد عيد ميلادها رقم 104، توقف زمانها تماما.

كانت علاقتها بالريف بهيجة، تقول في أحد مقالاتها: "من الأمور التي مازالت حية في ذاكرتي من أيامي الأولى في المزرعة رائحة التبن الزكية وهي تتسلل إلى نافدة غرفة نومي ليلا، والعصافير التي تطير في العشية وتغرد جاثمة على احجار الحائط الدافئة. كان من عادتنا انا وشقيقي أن نذهب إلى غابة (ميل هيل) في الغسق ونجلس على المقعد الحجري المقابل لمخزن التبن ونصغى إلى زقزقة السمّن، ينبعث غناء طائر واحد في البداية، يأتي من بعيد خافتا ثم يتلوه صوت أكثر قربا. ثم تتوافد الطيور من كل الجهات من دون أن يتداخل تغريد احدها مع رفاقه، فنسمع من ذلك نغم: "أو.. لي.. أو.. لي" العذب يتكرر مرارا بدرجات صوتية متفاوتة حتى يهبط الظلام". طيور السمّن هي السمان الذي ننتظر وصوله منهك في الخريف بشباك معدة لصيده. أنا شخصيا لم أنتبه مرة واحدة إلى زقزقته.

لعل سعادتي بقراءة سيرة الآنسة (هيمنواي) سببها تشابه ظروفها مع ظروفي، متطلعا بثقة أن يحتفل لي، أيضا، بعيد ميلاد يتقارب عدده مع اعداد سنواتها. أنا بالفعل بدأت الكتابة متأخرا، لدرجة أن الكتاب الشباب، الذين بدأوا في حقبة التسعينيات ضموني إليهم.

وأنا، أيضا، أشعر أن الزمن يتوقف عندما أكتب مسترجعا أحداثا قديمة، فأنا مثلا أعرف أنه من الأمور التي مازالت حية في ذاكرتي من أيامي الأولى في بنغازي، رائحة الطعام المتسربة من مطبخ مطعم (فينسيا) في عمارة الجبل الأخضر في الجزء المطل على الحديقة العامة، كنت وابن عمى ابوبكر عكيز وعيال شارع محمد موسى: المصدي، فتحي بسيكري، علي الفيتوري، عيسى بودشيشه وخليل العربي، نتحين غروب الشمس، ونكون قريبين من الحديقة، حيث تتوافد طيور الخليش (تتزوزك) حتى تنام على اغصان الأشجار، ولما تتوقف عن الزقرقزة نأخذ بقذف الأشجار بالاحجار فتنطلق الطيور المسكينة مذعورة، فتصطدم بجدران العمارات وتتساقط فنأخذ في جمعها منها ما نفق ومنها من ينتظر.

تلك الساعة نكون مصدر إزعاج لرواد المطعم. ولقد توعدنا عمال المطعم بمختلف الوسائل، ولكننا لم نتوقف عن ممارسة هوايتنا بازعاج الطيور، وذات يوم وفيما كنت اتلصص من جهة مدخل مطبخ المطعم قبضت يد قوية على ذراعي، ولم تترك لي فرصة واحدة للهرب، خصوصا من بعد أن انطلق الرفاق بعيد عني، بعدما سمعوا دقات قلبي، الذي كاد أن ينفجر، ولكن ابتسامة (النصراني) صاحب المطعم طمأنتني قليلا، قال: "إنتِ جيعانه يا كلبا.. تعال كولي" وسحبني إلى داخل المطبخ، وجلس بجواري وقدم لي طبقا ممتلئنا ببطاطس مقلية وقطع صغيرة من لحم ودجاج، وقطعة سمك مقلية.. وفتح لي زجاجة ( بورتيلو) وإن كنت افضل السينالكو. وقال لي: "تعال كل يوم انت واصحابك وكولوا أخمد يعطيكم أكل". وكان (أخمد) منتصبا أمامي محشور في سترته البيضاء فيما يبرز رأسه الأسود الصغير الغير متناسق مع بطنه وتتلألأ اسنانه البيضاء اسفل حافة طاقيته الحمراء، ثم سألني (الرقريقي): “شنو أسمك؟". اجبته سريعا: "دقاق.." ثم التفت نحو (أخمد): "كل يوم انت اعمل صحن لدقاق". ثم التفت نحو واستطرد: "كل واخد صاحبك انت لا يرمي عصافير مسكينه بالحيط.. جيبا معاك". واكلت وشربت (البورتيلو) ولا أدري كيف عرف أخمد بعشقي للأناناس، فاحضر لي نص زجاجة منها.

من ذلك اليوم توقفنا عن ازعاج (الخليش)، الذي بالمناسبة لا يؤكل ابدا رغم محاولاتنا المتكررة لشيه. وصارت وجبتنا الرئيسية سندويش لحم او دجاج او بطاطس، بحسب ما يتبقى في صحون زبائن المطعم. وتحولنا نحو المطعم الثاني، الذي كان في مكان عمارة مصرف الأمة. مجرد تراس، له بلكونة تطل على الحديقة، يتحلق حولها (نصارى) ويسكرون ويغنون. وكان يصعب اسقاط طيور الخليش من الاشجار القريبة منه لعدم وجود مباني قريبة لتصطدم بها، فاستعنا بـ (حكاكي التشتاش) الذي كنا نتحصل عليه من البحر، من اسفل طريق اللوح الذي يربط البلاد بجليانه. (التشتاش) هو اسياخ من الديناميت نجدها في قاع البحر وهو من مخلفات الحرب. كنا نرص (التشتاش) في علبة صفيح فارغة ونشعل فتيلها فتشتعل فتتحرك كقطة مجنونة اسفل مناضد المطعم. ولكن خطتنا لم تنجح لأن زبائن المطعم اخذوا يقذفونا بزجاجات البيرة الفارغة.

وهكذا كما ترون حالة التشابه ما بيني وبين (الآنسة هيمنواي) في علاقتنا بالطيور، فهي تقول أيضا أنها كانت تستخدم مواقد الكيروسين، ونحن أيضا، ولكنها لا تعرف المثل البليغ المستمد من موقد الكيروسين أن "الدنيا (فنيه) والزمن كباس"، وكانت تفتقد فطيرة التفاح، وانا افتقد المقروض والزلابيا والمخارق، وهي لم تمتطي حصان ولم تذق طعم الكحول والتبغ .. وأنا كذلك إلى حد ما! وهي تقول: "لا تخوضوا الحياة وعيونكم مغمضة" وهذا ما أريد قوله لأطفال (الفيس بوك).

محمد عقيلة العمامي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تعتقد أن الإفراج عن سيف الإسلام القذافي:
سيساهم في حل الأزمة الليبية
سيدعم جهود المصالحة الوطنية
سيزيد من تعقيد المشهد السياسي
اجراء غير قانوني
لن يكون له تأثير
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع