مقالات

سالم الكبتي

صدفة

أرشيف الكاتب
2017/05/14 على الساعة 12:12

(كدعواك ِ كل ﱡ يدعي صحة العقل *** ومن ذا الذي يدري بما فيه من جهل) المتنبي

أجل!... بالصدفة يعيش الليبي حياته. يمشي بالصدفة. يبكي بالصدفة. يتناسل  بالصدفة. يضحك بالصدفة. يأكل بالصدفة. يفتح مشروعا بالصدفة. احسن الأقوال المأثورة لديه (يامحاسن الصدف). بالصدفة يحب. بالصدفة يكره. بالصدفة يلتقي  صديقه في مفرق الطريق أو الطابور في المصرف أو المقهي. بالصدفة يتعين مع الواسطة التي أتته صدفة.. إذا كان قد تخرج أو لم يتخرج.

الصدفة تحكم حياته. كل شئ بالصدفة.. بالحظ. ليس هناك برنامج أو خطة. أو منهج أو نظام أو أسلوب حياة. بالصدفة يخطر له خاطر فيقرر تموين سيارته بالبنزين ليجد المحطة مزدحمة بالصدفة أو خالية بالصدفة. بالصدفة أيضا يخلو المصرف البعيد من الزحام والنقود وبالصدفة تصل السيولة وبالصدفة تنتهي. وبالصدفة يحاول أن يبني وطنه ويعيش حياته علي حين لا يستطيع التخطيط لحياته. لاولاده. لمستقبله فما بالك لوطنه الذي لا يأل أن يبيعه ولو وضعوه في الجنة. أنه يترك كل شئ للصدفة. يحلو له أن يقول قصائد الشعر والإنتظار فوق الرصيف إنتظارا لتحسن الصدف ليتحسن حاله. تتحسن الأمور لكي ينصلح حاله المعوج.

الليبي يحب الصدفة. قد تكون صدفة سارة. قد تكون مؤلمة. قد تكون مبهجه. قد تكون مرة لكنه في كل الأحوال يعشق الصدف. يموت فيها. في سهرية. في طابور. في جنازة. في مقر الشركة. في الملعب الرياضي. تلتقيه صدفة فيقول لك.. صدفة ألتقيت المسؤول. طلع من قبيلتي. ويقرب لأمي. صدفة  ألتقيت جاري وشكي لي من ثعثر الصدف أمام أولاده. صدفة أشتريت سيارة. صدفة وصلت الفلوس. صدفة زاد سعر الطماطم والثوم والكرافس. صدفة لم ينزل سعرهما. صدفة وجد الدواء. صدفة فتحت العيادة. صدفة تعطلت المنظومة ثم أشتغلت ثم تعطلت مثلما تعطلت لغة الكلام لدي جارة الوادي. صدفة يجتاز الضو الأحمر ويخبط القادم من الضو الأخضر. صدفة ثكاثرت المشاكل عليه ولم يجد لها حلا ما لم تحدث صدفة قريبة.

وبالصدفة العجيبة وحدها يعرف أن حياته تسير بلا منهج وبلا نظام. وبالصدفة يعلم بالقرارات التي تمس صميم حياته وتلمس شغاف قلبه. وبالصدفة يعرف أن البعض صار مسؤولا كبيرا أو رئيس مجموعة مسلحة.. يحبس ويطلق. أو نائبا. أو عضوا في الحوار. أو مغنيا. أو محللا سياسيا  علي الشاشة وليس علي الواقع. أو كاتبا. أو صحفيا أو مناضلا أو مذيعا أو معدا لبرامج الأطقال والأسرة. أو مأذونا أو خطيبا في مسجد. أو مختار محلة. أو سفيرا. وبالصدفة يرتقي شأن أحدهم وبالصدفة يهبط شأن أخر بعد أن تعبت أصابعه من شد الحبال. الهبوط والأرتقاء يحدث في كل لحظة.. في كل صدفة مثلما يصعد الدولار ويهبط الدينار ليرتفع نبض القلب أو يهبط ويصاب بالذبحة. ترتفع الصدف مرة وتهبط مرة ويتأرجح الليبي الذي تحكمه الصدف بينهما مثل الريش في مهب الريح. جاته في الريش.. يقال له في نهاية المطاف بعد ضربة فص يسمعها بوضوح.

وفي (سياق ذي صلة) يدرك هذا الليبي أنه لايستطع فعل شئ أمام الصدف. تختلط  عليه الأمور. يكثر التخليط. لابد له أن يتقبل ذلك بروح رياضية.. أن يرضي بالواقع الذي تحكمه الصدف دون المنهج أو الرؤي أو العقل. كل شئ يرميه علي الصدفة. علي الحظ. علي الوقت وفي كل المستويات. فوق وتحت. وفي الوسط أيضا. فلا برنامج. لا منهج. لا خطة. كل شئ ينبت بالصدفة.. الحوار والحزب والدستور والخطب والتحليلات والمواقف. كل شئ يتم بالصدفة في بلد المصادفات والعجائب.

دون مواطني العالم يظل المواطن الليبي يعيش علي الصدفة. ينتهزها. ينتظرها. يتقبل  نتائجها. لا شئ أخر حتي الأن في حياته غير الصدفة. مجرد مواطن بالصدفة. رغم الرقم الوطني. مجرد ليبي بالصدفة. يالمحاسن الصدف!!

سالم الكبتى

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
ابراهيم الدباشي | 15/05/2017 على الساعة 17:18
الصدفة تحكمنا
نسيت أستاذ سالم اهم شيء وهو ان مصيرنا كوطن وشعب منذ خمس سنوات في يد أشخاص أتت بهم الصدفة
بالقاسم الخالدى | 15/05/2017 على الساعة 04:55
بالصدفه
كنت نقرأ لك وبالصدفة التقيت معك شخصيا فى مطار الطرابلس الدولى سنة 2013 ويللصدفه كان معك الأخ العزيز محمد الشويهدى
م . ز | 14/05/2017 على الساعة 22:57
لا شيء يحدث بالصدفة
وهل من الصدفة أن ينجح الطالب الليبي بتفوق في الثاوية العامة ، و من الصدفة أن يدرس سبع سنوات متواصلة مرهقة في كلية الطب البشري ، ثم بالصدفة يتخرج فلا يعين لممارسة مهنة الطب التي تخصص فيها ؟ و كذلك خريج كلية الهندسة بعد دراسة خمس سنوات في تخصصات صعبة كالتعدين او الجيولوجيا او الميكانيكا ؟ و هل الصدفة هي التي اتت بالمجلس الرئاسي ؟ و هل الصدفة هي التي جعلت من الفساد المالي و الاداري و السياسي قانونا نافذا ؟ و هل الصدفة هي التي جففت السيولة النقدية في البنوك ؟ و هل الصدفة هي المسؤولة عن سياسات الإفقار و تحرير الأسعار و سقوط الدينار ؟! و هل كتاباتنا في جلد الذات صدفة ؟ لكن السؤال الاهم : هل الصدفة هي التي جعلت المواطن الليبي يعيش بالصدفة و يموت بالصفة ؟ للمفكر الكبير محمود أمين العالم كتاب موسوم بعنوان (فلسفة المصادفة) ، و في علوم الرياضيات و الاحصاء تبرز نظرية الاحتمالات ، و تبحث في الاحداث العشوائية أو أحداث الصدفة . لا شيء يحدث بالصدفة .
مفتاح العوامي | 14/05/2017 على الساعة 19:18
أكيد أجمل صدفة
ولا يمكن فصل بين الطبيعة وجسم الانسان وعقله فلا عجب ان تتلاقى الاقطاب وتتنافر فهذا ما يحدث اثناء ما يسمى الحظ او الصدفة اثناء اللقاء بين شخصين
ابراهيم محمد الهنقاري. | 14/05/2017 على الساعة 13:57
صدفة
قرأت هذا الحديث بالصدفة. قررت بالصدفةً أيضا اعادةً نشره في الفيسبوك. فقد يجد من يقرأه بالصدفة. قال احد الحكماء: رب صدفةً خير من ميعاد. تحياتي للعزيز سالم الكبتي. ابراهيم محمد الهنقاري.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع