مقالات

غسان عتيقة

قراءة في كتاب "بالبو، حياة فاشستية" (12/9)

أرشيف الكاتب
2017/05/14 على الساعة 10:15



(زيارة الدوتشي وانتصار بالبو)

في ربيع عام 1937، قام موسوليني بزيارة لمدة عشرة أيام لليبيا وكانت المناسبة افتتاح الطريق الساحلي او اللوترينا Litoranea والتي تم أنجازها حديثا. كانت للرحلة ثلاث أهداف. أولا، مع انتهاء حملة غزو إثيوبيا بالكامل، أراد موسوليني أن يعلن للقوى العظمى عن نواياه السلمية وكون إيطاليا الآن هي "قوة راضية،" حريصة على تطوير إمبراطورتيها وخالية من أي طموحات توسعية أخرى. ثانيا، أراد موسوليني شكر الليبيين على ولائهم ودعمهم خلال الحملة الاثيوبية حيث قاتل الكثير من الليبيين في صفوف القوات الإيطالية وساهموا في نجاح الغزو وتقديم لفتة تجاههم بتنصيب نفسه "حاميا للإسلام". وأخيرا، أراد موسوليني الإشادة ببابلو وانجازاته لثلاث سنوات في بيئة غامضة نسبيا حيث ان "المنفى" قد اتى بنتائج عكسية على الدوتشي نفسه، حيث أصبحت زيادة شعبية بالبو حول إيطاليا متوازية مع اتساع جبهة العداء المتزايد لموسوليني.

على الرغم من انطباع دبلوماسي انجليزي بأن بالبو كان يبدي الضجر من جميع تحضيرات زيارة الدوتشي، استقبل بالبو موسوليني بمزيج من التباهي والبهجة، أراد إظهار انتصاره في منفاه لموسوليني ليوازي الانتصار الاخر الذي عاشه تحت قوس قسطنطين قرب الكولوسيوم في العاصمة روما بعد عودته من شيكاغو. في بداية صيف1936، قام بالبو بتجميع اللغويين بين موظفيه للعمل كمترجمين للزوار الأجانب؛ وقام أيضا بالعمل لتحشيد بدو الدواخل للوقوف على جانبي الطريق الساحلي الجديد والهتاف بحياة الدوتشي عند مرور موكبه خلال الزيارة وإطلاق برنامج لإزالة الاكواخ في طرابلس.

يبدوا ان الليبيين قد قبضوا على روح المناسبة. وقال بالبو لوفد من وجهاء مدينة طرابلس الذين جاءوا لاستشارته عن كيفية تزيين وتحضير المدينة لهذه المناسبة العظيمة: "أنا لا أريد أن أعرف شيئا عن خططكم لتزيين طرابلس. أريد فقط أن اكون مذهولا." أفاد رئيس مصرف طرابلس للادخار أن عددا غير مسبوق من الليبيين جلبوا مقتنياتهم الثمينة كرهونات للحصول على قروض. عندما استفسر مسؤولي البنك في أسباب هذه الزيادة، وكان الجواب العام بالإيطالية الركيكة: "الدوتشي قادم، اشتري (Burcano) جرد جديد".

لاستقبال ضيف في ارض تعاني التخلف وقلة السكان، استطاع بالبو التحضير عدد مدهش من المناسبات لإشغال وقت ضيفه. كانت هناك احتفالات تنصيب واستعراضات عسكرية وعروض مسرحية، ومآدب وركوب خيل وجولات من المواقع الأثرية المحفورة حديثا إلى القرى الاستيطانية.  كان افتتاح طريق اللوترينا اول عمل لموسوليني بعد وصوله لبرقة يوم 12 مارس، وفي تحرك موكبه نحو طرابس يوم 15 مارس اعد بالبو احدى عروضه الكبرى امام ضيفه وهو افتتاح قوس فيليني التي ميزت الحدود بين برقة وطرابلس على بعد 320  ميلا في وسط صحراء سرت.

تم احضار قطع رخام القوس الذي يمجد اسطورة الاخوان فيليني (الذين فضلوا الموت دفنا وهم احياء على خيانة بلدهم (قطعة قطعة من محاجر قرب روما. رتب بالبو حفل الافتتاح بأسلوب هوليوود، فمع حلول الغسق على امتداد الصحراء اشعلت الكشافات المبهرة على القوس الذي بدا مهيبا مثل مذبح الكنيسة. طوقت حوامل مشتعلة الساحة المحيطة بالقوس وتوغلت طائرات في سماء المنطقة. اصطف في الطريق حرس الشرف من الزابطية على ظهور الجمال وكتيبة من الجنود الليبيين وبشرت قرع طبولهم وهدير ابواقهم وصول رتل سيارات الدوتشي والوفد المرافق له، ترجل الدوتشي من سيارته وسط تصفيق حار من طواقم العمل الإيطالية والليبية "بخطوات واثقة تشعرك بأنها ستستولي على كل ارض تمسها" واستطلع موسوليني القوس الضخم وقال: "كونـوا فخورين بتدشين هذا الرمز للقوة الفاشيستية في الصحراء".

تحول العشاء الذي تم تقديمه في وسط الصحراء لحدث لا ينسى. قدم النادلين المرتديين قفازات بيضاء وجبة العشاء ذات السبع اطباق مدهشة لما يقرب من ثلاثمائة من الضيوف الذي شمل الكافيار، كبد الإوز والآيس كريم. الأكثر إثارة لإعجاب الضيوف كانت صحون الخضار الطازجة من مزارع المستعمرين.  قالت صحفية فرنسية لبالبو المبتهج: "لقد كان هذا العشاء بمثابة العثور على باقة من الورود في القطب الشمالي" ورد عليها: "إذا وصل الايطالي إلى القطب الشمالي، ستجدين الورود هناك حتما".

تبع هذا العشاء مناسبات أخرى-  هذه المرة مخصصة لليبيين. في اليوم الثاني، 16 مارس قام موسوليني بالدخول الكبير فاتحا لطرابلس. وقف رتل سياراته خارج اسوار المدينة واستقل موسوليني حصانا ودخل المدينة يقود الفي فارس ليبي وامامه اثنان من حاملي الرسائل الاشبه لليكتور او الحرس الروماني القديم.

 


 

افتتح موسوليني خلال زيارته معرض طرابلس التجاري والقى خطابا واعدا فيه الليبيين السلام والعدالة ومشيدا بعمل الحاكم بالبو وفي يوم 18 مارس تم تتويج موسوليني بلقبه الجديد "حامي الإسلام" وخليفة المسلمين واستلم الدوتشي "سيف الإسلام" اللامع كرمز للمناسبة... في الواقع تم صناعة سيف الإسلام بيد الحرفيين في فلورنسا وكانت المناسبة والقاب موسوليني الجديدة محل تهكم لمناهضي الفاشيستية ومتخصصي الشؤون الإسلامية لكن يبدوا ان الليبيين لم يبالوا بذلك. كتب مراسل صحيفة انجليزية "يحب الشرقيين العروض المبهرة كثيرا لذا كانت زيارة الدوتشي ناجحة مع الابهة والعظمة الرومانية التي ابهجت الحضور من مسلمي طرابلس".

انهالت الرسائل المهنئة بالبو بنجاح زيارة موسوليني وان "الامة تقدر إنجازاته وجهوده التي تبذل في هدوء" حسب ما كتبه صديق له من مسقط رأسه فيرارا. قدم جندي سابق حارب في ليبيا عام 1911 الشكر لبالبو على اكمال الطريق الساحلي مستذكرا المعاناة التي كانوا يلقوها في حملات غزو ليبيا المترامية الأطراف.

كان نجاح زيارة الدوتشي بمثابة انتصار شخصي لبالبو وبمثابة عودة الأضواء عليه بعد مغادرته إيطاليا قبل أكثر من ثلاث سنوات وكانت أيضا نقطة تحول في خطط مستقبل المستعمرة. بعد نجاح حملة غزو اثيوبيا أصبحت ليبيا معقلا للإمبراطورية ومركز يشع القوة والنفوذ الإيطالي في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط. كانت رحلة موسوليني إشارة لبالبو لتحقيق الخطط الكبرى المنوطة له لتكثيف عملية الاستيطان وتنفيذ الخطوات القانونية النهائية التي من شأنها خلق "الشاطئ الرابع." كأمر واقع.

في 17  مايو 1938 اعلن بالبو برنامجه طويل المدى للاستيطان المكثف في ليبيا. وتم التخطيط لأول رحلة بحرية للمهاجرين الجدد لتوافق الذكرى السادسة عشر لمسيرة روما يوم 28 أكتوبر. تابع بالبو تنفيذ خططه بدقة بحيث تصبح الشركات المسؤولة عن توطين المهاجرين جاهزة خلال اقل من ست اشهر لتوطين اكثر من ثلاث اضعاف عدد المستوطنين الموجودين تحت رعايتها في انحاء ليبيا.

يتبع...

غسان عتيقة

* راجع الحلقات السابقة (رابط)

عاطف الرقيعي | 17/05/2017 على الساعة 05:54
الم نكن في حال افضل الآن لو اصبحت ليبيا الشاطئ الرابع فعليا؟
10 سنوات فقط من البناء حولت ليبيا الى ما كانت عليه في الستينات قبل ان يخربها البدو. بقوا الاتراك مئات السنين ولم يبنوا شيء عدى السراي الحمراء - قصر الحاكم التركي - وبجواره حارة مكتظة ضيقة منغلقة على باقي ليبيا. لو بقت ليبيا ايطالية لكنا اليوم ايطاليون اوروبيون ننعم بالخيرات التي يموت من اجلها على شواطئنا الاف البشر الحالمون بالوصول الى الحرية الهاربون من دول لا زالت تقبع في الوراء البعيد متخلفة في ثقافة ومنهج اوجد قواعد لتبنى عليها ملايين الادوار ولكن الذي حدث هو تمجيده لتلك القواعد التي وضعت كأساسات صحيحة تبنى عليها حيات البشرة السليمة، ولكن تهنا ونحن معلقين بين الوراء البعيد والحاضر المؤلم الذي تتنازع هويته الازمان. لو اصبحنا إيطاليين لكان حالنا اليوم حال الاتحاد الاوروبي. لقد قال لي شاب يحاول الوصول الى الشاطئ الثاني الاقرب لليبيا الافضل لي ان اموت موتة واحدة او ربما انجح في الوصل خاصة الآن ميت وانا حي.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع