مقالات

د. سعدون السويح

رحيل المربي الفاضل الشيخ أحمد عزالدين بن عثمان

أرشيف الكاتب
2017/05/10 على الساعة 10:46

كان يوم الثلاثاء 2 مايو 2017 موعدا لرحيل المربي الفاضل الشيخ أحمد عزالدين بن عثمان عن دنيانا، عن عمرتجاوزالتسعين، فهو من مواليد عرادة بسوق الجمعة عام 1923، وبذلك يكون الراحل من أكبر مجايليه، الذين لم يبق منهم سوى نفر قليل.

تربطني بالراحل الكريم أكثر من وشيجة، فهو والد زوجتي، وهو شيخي وصديقي الذي عرفته لأكثر من خمسين عاما، كما عرفت والده الشيخ محمد كامل الهمالي بن عثمان، المتوفى سنة 1965، وكان أديبا فاضلا ومربيا كريما، يعود اليه الفضل في حفظ اللغة العربية إبان العهد الأيطالي، وقد قبل أن يكون مديرا للمعارف بعد أن استتب الأمر لأيطاليا، وكان انجازه الأهم إنشاء المدارس العربية الايطالية المشتركة، وقد وضع كتابا رائدا في تدريس مبادئ اللغة العربية، موضحا بالصورة واللون، اختار له عنوان جميلا، وهو "الى الحياة" لاتزال نسخة منه في مكتبة ابنه.

وقد نشأ الراحل الشيخ عزالدين في كنف هذا الأب العالم، والذي تعهده بالتربية والرعاية، فنال حظا وافرا من الثقافة باللغتين العربية والايطالية، وتخرج من المدرسة الإسلامية العليا ليمارس التدريس منذ أواخر الأربعينيات، وحتى أوائل الثمانينيات، متقلدا خلال ذلك، مناصب إدارية مهمة في اطار التعليم، وقد عمل سنوات طويلة مديرا لمدرسة جامع التركي في سوق الجمعة، وعرفه الجميع بابتسامته الودودة، وأسلوبه المتميز في توجيه النشء، وحث المعلمين والمعلمات على تطوير أساليبهم التربوية، والأخد بمبادئ طرق التدريس الحذيثة وعلم النفس التربوي.

في أوائل الستينيات من القرن الماضي، كنت أختلف إلى بيت الشيخ محمد كامل الهمالي بن عثمان في شارع ميزران، وكنت آنذاك غض الأهاب تلميذا في المرحلة الاعدادية، وقد أدرك والدي، المربي الفاضل الأستاذ اسماعيل السويح رحمه الله الذي كانت تربطه عرى المودة والصداقة بأستاذه الشيخ محمد كامل الهمالي، أن في نفسي شغفاً بالأدب والشعر، فرجا الشيخ أن يتعهدني، وقد تلطف وخصص لي يوم الاربعاء من كل أسبوع موعداٌ للدرس.

في ذلك البيت الطرابلسي الجميل، كنت أصعد السلالم إلى الطابق الثاني، أو "العلي" كما كنا نسميه، متلهفا لسماع درس الشيخ الهمالي، وهنالك كنت أجد أحيانا شابا نحيلا في أواخر ثلاثينياته، يرتدي "كلباكا" أسود اللون، وقد كان شديد الحياء في حضرة والده، تفتر شفتاه عن إبتسامة خجولة، ولايطيل المكث. وأذكر أن والده الشيخ الهمالي كان يملي علي ذات مرة بيتا من قصيدة مطلعها: (أفديه إن حفظ الهوى أوضيعا *** ملك الفؤاد فماعسى ان أصنعا)… والتفت، فاذا بذلك الشاب الحيي، قد غادر الغرفة تأدبا مع أبيه، ليتركني و الشيخ و القصيدة. كان ذلك الشاب هو الأستاذ أحمد عزالدين بن عثمان، ابن الشيخ محمد كامل الهمالي، والذي تشرفت بمصاهرته بعد ذلك ببضع سنين، وصرت زوجا لابنته الكبرى منذ أواخر 1970.

ينتمي الراحل العزيز الى جيل لم يكن يستنكف أن يطلب العلم حتى بعد أن تتقدم به السن، ولقد دهشت كثيرا بعد عودتي الى طرابلس عام 1981، أحمل شهادة الدكتوراة من الولايات المتحدة، بأن وجدت الشيخ عزالدين الذي كان قد تجاوز الستين، يجلس الى مقعد الدراسة، مع مجموعة من زملائه، أذكر منهم الأستاذ الأديب الراحل علي التونالي.. وكان قسم اللغة العريبية بكلية التربية، الذي كان يرأسه حينئذ الأستاذ الفاضل والصديق العزيز عبدالله الهوني رحمه الله، قد فتح ابوابه للدرسات العليا أمام المعلمين القدامى، فما كان من الأستاذين عزالدين الهمالي وعلي التونالي إلا أن سجلا نفسيهما، بتشجيع من الأستاذ عبدالله الهوني، للتحضير لدرجة الماجستير في اللغة العربية.

اختار الشيخ عزالدين رحمه الله موضوعا لأطروحته التي تحصل بها على درجة الماجستير في اللغة العربية، منهج ابن عقيل في شرح الألفية (الفية ابن مالك)، وأشرف عليه في تلك الدراسة علم من أعلام النحو في مصر، وهو الدكتور عبد الجواد الطيب رحمه الله. وكان الشيخ كثيرا مايسألني عن دقائق نحوية نبحثها معا، بحكم تخصصي في مجال اللسانيات الحذيثة، فضلا عن البحث في المسائل المنهجية، وكان يعتبرني في تواضع جم، مشرفه الثاني. ولست انسى شفافيته وصدقه عندما كان يبث لي بشكواه، وخاصة إذا وجد في الدرس النحوي عنتا، او اختلف في وجهات النظر مع أستاذه المشرف د.عبدالجواد الذي كان على علمه وفضله، حاد الطباع متقلب المزاج، بالرغم من ماتنطوي عليه نفسه من طيبة و مودة وقد رأيته يجهش بالبكاء فرحا بنجاح الشيخ عزالدين بتفوق علي يديه، ونيله لدرجة الماجستير.

رحيل صهري وصديقي وشيخي أحمد عزالدين بن عثمان هو نهاية لمرحلة بأكملها من تاريخ ليبيا.. لقد كان هذا الشخص إنسانا يختزل في داخله أجيالا من الحب والطيبة والعفة والتواضع والمثل العليا.. إبنسامته الودودة.. أسلوبه المعبر بحركات يديه وملامح وجهه.. العباءة البيضاء المطوية بعناية على كتفه الأيسر أيام الصيف.. البدلة الانيقة والكلباك الأسود، طريقته في تحضير الشاي وصبه في الكؤوس، أسلوبه الخاص في النقاش والتوضيح.. نطقه المتميز للغة الإيطالية واتقانه لها.. ترنمه بأبيات من البردة، ومن ألفية ابن مالك: (والخبر الجزء المتم الفائدة *** كالله بر والأيادي شاهدة). جميع هذه الأشياء ستبقى عالقة في ذاكرتي ماحييت.. وماأجمل الأشياء وأقساها حين يغيب أصحابها... حقا لاتبقى الأشياء هي الأشياء ولا الأماكن هي الأماكن بعد رحيل من نحب، وإن ضلت أطيافهم تسكنها وتسكننا.

شيخي وصديقي الحبيب... لا أتصور بومشماشة و"شارع ميزران"، بل وطرابلس بأسرها، بدونك، ولن تبقى طرابلس كما هي بعد رحيل دفء جيلك عنها. ولقد لخص الشاعر القديم هذه المعاني جميعها في بيت واحد: (وماكان قيس هلكه هلك واحد *** ولكنه بنيان قوم تصدعا)… نعم شيخي الراحل، قد تصدع بنيان كامل من القيم والمعاني الجميلة بذهابك، ولكننا إزاء فاجعة الفقد لانقول إلا ماأمرنا الله به: إنا لله وإنا إليه راجعون.

د. سعدون السويح
نيويورك، 5/5/2017

د. عوض القويري | 19/05/2017 على الساعة 06:28
رحم الله ابن عثمان
بقدر سعادتي أنني قرأت هذه الكلمات الطيبات عن شيخ جليل ومربي فاضل من وطني الحبيب حمل مشعل التنوير بكلتا يديه في وطني الذي كان وكاد أن يعمه ظلام الجهل لولا أن قيض الله له رجالا من أمثال ابن عثمان صدقوا ما عادوا الله عليه فتركوا صيتا طيبا وارثا مباركا وصدقة جارية هي لهم نعمة ونعيم في جنان الخلد بإذن الله تعالى. رحمك الله يا ابن عثمان وجزاك الله ومن على شاكلتك أو سار على نهجك عنا خير الجزاء وعزاؤنا فيك انك تركت جيلا لازال يتعطر ويعطرنا بريحة مسك سيرتك العطرة
سعدون السويح | 14/05/2017 على الساعة 16:41
شكر
عميق الشكر والتقدير لجميع الأعزاء الذين غمرونا بمشاعرهم النبيلة وتعازيهم. القلبية. رحم الله الفقيد واسكنه فسيح جنانه. والبقاء لله وحده. حفظ الله الوطن وجمع شمل ليبيا ونحن على اعتاب رمضان.. لقد ترك انا الآباء والاجداد وطنا جميلا نحن عنه مسؤولون حتى لا نكون عاقين لهذا الميراث. كل الحب وكل الجهد من اجل ان تستمر الحياة. وتشرق الشمس في القلوب . حفظكم الله ولا اراكم مكروها
د . الهادى الصادق البلعـزى | 11/05/2017 على الساعة 23:16
أستادى الفاضل
رحم الله ألأستاد عز الدين الهمالى وأدخله فسيح جناته وألهم أهلة وأحبته وطلبته الصبر والسلوان . المرحوم كان معلمى فى الصف الرابع ابتدائى بمدرسة سوق الجمعة . لقد كان له الفضل فى تشجيعنا على القراءة ودالك بأن أنشأ لنا مكتبة فى الفصل نستعين منها القصص الشيقة - التى اختارها لنا - لقرائتها فى عطلة نهاية ألأسبوع .
عبدالكريم بزامة | 11/05/2017 على الساعة 23:14
تعزية
مناروة تنطفيء لكنها سنة الكون .البقاء والدوام لله .خالص التعزية للدكتور سعدون ولكافة اسرة الفقيد .
اسامة حريز | 11/05/2017 على الساعة 12:01
تعزية لاهل الشيخ الفاضل أحمد عزالدين
انا لله وانا اليه راجعون ، سنفتقد لجلساته كثيراً خصوصاً مزحاته في كل يوم جمعة في وجبة الغذاء في منزله بشارع النصر. اللهم اغفر له وارحمه واجعل مثواه الجنة. شكراً للدكتور سعدون السويح على هذا الكتابة الرائعة.
الشيباني بن عمران | 10/05/2017 على الساعة 20:42
عظم الله اجركم
الله يرحم الشيخ عزالدين بن عثمان وانا لله وانا اليه راجعون كان نعم الرجل الصادق الوفي لوطنه و مدينته.
عيسى البعباع | 10/05/2017 على الساعة 19:54
تعزيه
عظم الله لكم الاجر الأخ الفاضل الدكتور سعدون السويح وتعازي الحاره وتعازي اسرتي الى اسرتكم الكريمه والى اسره الفقيد والى اصهاره وأحفاده داعيا الله العلي القدير ان يتغمد ه برحمته الواسعه ويسكنه فسيح جناته ويلهمكم جميعا جميل الصبر والسلوان وانا لله وانا اليه راجعون ولا حول ولا قوه الا باللله
د. صالح المشري العرادي | 10/05/2017 على الساعة 17:26
ندعوا الله له بالمغفرة والرحمه
رحم الله الأب والأستاذ الشاعر المربي المرهف عز الدين العمالي بن عثمان، الذي أفتقدناه وأفتقدته طرابلس ، أنا لله وإن إليه راجعون
الصديق بشير نصر | 10/05/2017 على الساعة 16:31
الموت شوق الأطهار إلى الله
الموت حقّ ، ولا نقول إلا ما يرضي الربّ : « إنّا لله وإنا إليه راجعون » . تقبل الله الفقيد وأسكنه فسيح جنانه ، وألحقنا به على كلمة التوحيد . فعزاؤنا الحار إلى صديقنا د . سعدون وإلى أصهاره وبنيهم وأحفادهم ، وإنا لنعزي أنفسنا كما نعزيهم ، فمن يدرك قدرَ ذلك الجيل المتميز من المعلمين والمربين حريّ بأن يقبل فيه العزاء . ( إن يكن ما به أُصِبْتَ جليلا ... فذهابُ العزاءِ منه أجلُّ ) أخي الحبيب سعدون : ( بان العزاءُ وبان الصبرُ إذ بانوا ... بانو وهم في سوادِ القلبِ سكانُ ) ( سألتهم عن مَقيلِ الرّكبِ قيل لنا ... مَقِيلهم حيث فاح الشيحُ والبانُ ) ( فقلت للريح سيري والحقي بهمُ ... فإنهم عند ظلّ الأيك قُطّــانُ ) ( وبلغيهم سلاماً من أخي شجنٍ ... في قلبه من فِــــراقِ الألفِ أشجانُ )
حسن محمد الأمين | 10/05/2017 على الساعة 15:31
انا لله وانا اليه راجعون
اللهم اغفر له وارحمه واجعل مثواه الجنة. انا لله وانا اليه راجعون. تعازينا الي اسرة الفقيد واقاربه واصدقائه.
عادل | 10/05/2017 على الساعة 14:14
رحم الله الأستاذ عزالدين بن عثمان ابن شارع ميزران و جامع بومشماشة البار
رحم الله الشيخ عزالدين بن عثمان وتقبله بواسع رحمته سنفتقد جلسات العلم وحلقات دروس اللغة العربية في خلوة جامع ميزران و بومشماشة سيتذكرك ابناء ميزران و بومشماشة ايها الشيخ النبيل.
ابن ليبيا 1 | 10/05/2017 على الساعة 14:11
البقاء والدوام لله عز وجل
د.سعدون السويح تعازينا لك والى أهل الشيخ الفاضل رحمة الله عليه ولسائر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ، ونسأل الله تعالى ان يجعل قبرة روضة من رياض الجنة وان يجمعه بالنبيين والصالحين .
عمر مختار | 10/05/2017 على الساعة 13:31
رحمه الله
اللهم ارحمه واجعل قبره منيرا بنورك يا رب العالمين والله انه جيل البركة جيل هذا الشيخ الجليل . اللهم عوضنا فيه خيرا ان الله وان اليه راجعون
نورالدين خليفة النمر | 10/05/2017 على الساعة 13:14
ــ عزاء ورثاء ـ
قال الشاعر الرقيق أحمد عبد المُعطي حجازي "كُل كلمات الوداع مُرّة ...والموت مُرّ ..وكل شيء يسرق الأِنسان من إنسان . تعازي الحّارة د. سعدون السويّح ،ورحم الله الفقيد الأستاذ المُرّبي الفاضل الشيخ أحمد عزالدين بن عثمان ،فهو لم يمت وإن رحل عن دنيانا الفانية،فكلماتك الحلّوة فيه وفي رثائه وتأبينه بذكر فضائله، خفّفت من مرارة الفقد ،والموت وهو حقّ ،إنها كلمات في نعي حلاوة الحياة حلاوة ليبيا الماضية وإنا لله وإنا إليه راجعون .
عياد بن يدر | 10/05/2017 على الساعة 12:39
الله يرحمه
تعازينا الحارة لكم وتفبله الله بالرضا والرحمة
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تعتقد أن الإفراج عن سيف الإسلام القذافي:
سيساهم في حل الأزمة الليبية
سيدعم جهود المصالحة الوطنية
سيزيد من تعقيد المشهد السياسي
اجراء غير قانوني
لن يكون له تأثير
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع