مقالات

وفاء البوعيسي

تصريحات غير محتشمة

أرشيف الكاتب
2017/05/03 على الساعة 20:27

مقدمة...

بمؤتمر السلام العالمي المنعقد بمصر، تحدثت شخصيتان تاريخيتان للعالم، عن أسباب التعصب الديني (الإسلامي)، وجذوره، وسبُل علاجه، لكنك حين تستمع للشخصيتين بحيادية، لابد وأن تلحظ وجود مسافةٍ ما، بين بابا الفاتيكان وشيخ الأزهر، وأن المسافة بينهما لا تُقاس بالأمتار أو بالعُمر، بل بالشجاعة، وبمستوى الفهم النظري لظاهرة الإرهاب، وتحليله، لكنها أيضاً مسافة مواربة جداً، تجعل الطرفين على استعداد لقول شيء، وحجب أشياء، على عادة الخطابات السياسية، المدبجة بالمُلهيات.

كلمة بابا الفاتيكان...

غلب على كلمة البابا فرانسيس طابع الديبلوماسية، مع بعض الموضوعية، فهو على ما يبدو، عارفٌ محنكٌ بطبيعة الشعب المصري، الذي يحب الغزل العقلي به وبحضارته، فقد استهل كلمته (شاهد الفيديو)، بالإشادة بتاريخ مصر، والتقط بذكاء شغف المصري القديم بعلوم الهندسة، والفلك والتحنيط والطبابة، وخصوبة أرضه، التي سمحت بتعايش مجموعة من الأعراق والديانات بسلام، ثم اتخذ من علوم المصريين وتسامحهم، مدخلاً ليناقش متطلبات السلام العالمي.

أولاً: تحدث البابا عن أن جودة العلوم الإنسانية والفلسفية، هي الفاعلة في صياغة شخصية متوازنة بنظرتها للعالم، فالتعليم الجيد بنظره، هو الذي يصنع السلام، ويخفّض من مستوى الأنانية، ويمنع الإنكفاء على النفس، ويأخذ الإنسان لقيم العيش المشترك مع الآخر، ويمنحه فضول التعرف على الأغيار.

ثانياً: تناول البابا أهم احتياجات مواطني العالم الإسلامي اليوم، وعلى رأسها سؤال الهوية الفردية والهوية الجمعية، وقد حرّض على مناقشة مسألة الهوية بشجاعة، من أجل معرفة الذات، وماذا تريد من العالم، وكيف ترى نفسها فيه، وشدد على وجوب تجلية الغموض الذي يعترض الهوية الإنسانية، لأن عدم انضباطها سيشجع على الإنغلاق على الآخرين، لأنها سترى فيهم خصوماً لا شركاء بالحياة.

ثالثاً: وضع البابا استراتيجيةً للوصول لحلٍ يحقق السلام العالمي بين الأديان، وهي الشجاعة في الاعتراف بوجود المشكلة، وإخلاص النوايا في مواجهتها، ولم ينسَ أن يضع حلولاً عملية لتفعيل هذه الاستراتيجية، وهي الاعتراف بحرية الآخرين في العقيدة وحق التعبير، وأنه لا بديل عن الإلتقاء بمنطقة وسطى بين المختلفين دينياً، وتعميق تلك المنطقة والاستثمار فيها.

رابعاً: أعلن البابا عدم تسامحه مع أي مبررٍ للعنف الديني، ودعى إلى كشف أسباب الإرهاب بصراحة ومواجهتها بحكمة.

كلمة شيخ الأزهر...

غلبت على كلمة الدكتور أحمد الطيب الجزمية والإسفاف، والارتهان لخطاب السلطة واليمين الإسلامي، والسذاجة في الطرح، والإغراق في الكلام المعسول الذي لا يجدي، ولا يلامس المشكلة. (أنظر الفيديو).

أولاً: لم يتطرق الشيخ مطلقاً للتعصب، وظروف الفقر والتهميش والبطالة، التي يعاني منها العالم الإسلامي، ولا الاستبداد السياسي، والفساد الراسخ في مصر منذ نصف قرن وأكثر، (ربما لوجود الرئيس السيسي بالجلسة)، التي تفرخ الإرهاب، بل فضّل إرجاع المسؤلية عنه، إلى تدفق السلاح الأجنبي، والتربح الفاحش من بيعه للجماعات الراديكالية فقط. 

ثانياً: اعتبر شيخ الأزهر، أن تراجع السلام العالمي بين الأديان، سببه شيوع الخطاب الحداثي المعاصر، وفقر الفلسفة التجريبية المخربة للعقول، بسبب عدائها للدين، وجمود وخواء العقل الفردي المستبد، وهيمنته على الحياة العامة، وأن هذه المعارف الفاسدة، هي التي أبعدت المؤمنين عن طريق الله، وخربت السلام.

ثالثاً: إن استراتيجية تجفيف الإرهاب، تتمثل في العودة إلى الله، وتنقية الدين مما علق به، ذلك أن الإرهاب عنده مفتعل، ومدسوس على الإسلام، لأن فئةً مجرمةً ومعزولة، اختطفت نصوصاً دينية من سياقاتها، وتأولتها كما يحلو لها.

ملاحظات على الكلمتين...

خطاب البابا

أولاً؛ من المؤسف له، أن البابا لم يشر للتجربة المسيحية الغربية، مع الفلسفة التجريبية والحداثة والتنوير، التي ساهمت في تهذيب المسيحية، وتقليم أظافرها لحدٍ ما، كي يستفيد منها العالم الإسلامي، ويفتح لشيخ الأزهر باباً ربما كان خافياً عليه.

ثانياً؛ لم يشر كذلك إلى أن الكنائس الشرقية، تعاني بدورها انغلاقاً مزمناً على نفسها، وتمارس الكثير من ألوان الاضطهاد على المرأة، ولا تتعاطف مع حرية العقيدة، وتسعى لتكريس هوية داخلية غير منسجمة كفاية مع التطور العالمي.

ثالثاً؛ لم يتطرق البابا، لتعاطف عدد من المطارنة بسوريا مع نظام الأسد، الذي تسبب ـ مثله مثل الجماعات المتطرفة ـ في أزمة إنسانية مستفحلة هناك، وهي ما يتخذها بعض الإرهابيين ذريعةً لقتل المسيحيين.

رابعاً؛ حين تحدث البابا عن احترام حرية العقيدة والتعبير، تجاهل تماماً، مسألة تجريم التجديف في عددٍ من الدول الأوربية، وهو مصطلح يخص نقد المسيحية تحديداً، وأن الكنيسة هناك، تتوفر على ثروات طائلة معفية من الضرائب، تستعمل بعضها في نشر المسيحية، بأواسط الفقراء في أفريقيا وآسيا، وتحارب بشدة تحديد النسل بينهم، في صورة لتكريس توسعها السيسيو صليبي (أنظر الفيديو)، لمنافسة الإسلام الذي يتمدد بتفريخ الأطفال أيضاً، ويساهم في تكديس الفقر والأمية.

خطاب شيخ الأزهر

أولاً: إن الشيخ في كلمته، يبدو كما لو أنه مفصولٌ عن عالم اليابسة، وأنه يعيش في فقاعةٍ مائية، فهو حين ألصق مسؤلية الإرهاب الإسلامي بشركات السلاح، تناسى أن التاريخ البشري منذ ظهوره، عرف حروباً طاحنة لأسباب دينية، وقومية، وتوسعية إمبريالية، ومنها حروب المسلمين والصليبيين، وأن كل تلك الجماعات، لم تحتج لغير  رماحٍ من خشب، وسيوفٍ من نحاس، وكراتٍ من نار ملتهبة، وأفيال، لتدك المدن الآمنة على رؤوس أصحابها، وتغتصب النساء والأموال، وتمارس الإبادة الممنهجة ضد الخصوم،  وأن السلاح الحديث لا يستطيع أن يشعل حرباً ببلد، اختار الحياد وحب الحياة لنفسه ولغيره، وهو على خطورته وفداحة نتائجه وآثاره، لم يكن ليجد مشترياً له، ما لم تكن هناك نزعات داخلية لاحتلال الغير، أو فرض إيديولوجيا شمولية عليه، لهذا فالعالم الاسلامي وإفريقيا هما سوقُ مزدهرةٌ منذ عقود لتجّار الموت.

ثانياً: أما تحميل الفلسفة التجريبية والعقل الفردي، مسؤلية إبعاد الناس عن الدين، على النحو الذي يتهدد السلام العالمي، فهو قولٌ بلغ من المغالطة مبلغاً لا يمكن تجاهله، ففضيلته يعلم حقاً بتفشي أمية القراءة والكتابة في مصر، وغيرها من البلدان الإسلامية، عدا عن تفشي الأمية الثقافية بين خريجي الجامعات أنفسهم، وأن الإنسان البسيط (وهو الغالب بمجتمعنا) لا يعرف حتى معنى هذه العلوم، وقد فات الشيخ أن السعودية، وهي بلدٌ لا يسمح بتدريس الفلسفة بجامعاته، ورغم ذلك فهو يزوٌد العالم أجمع، بأكبر جرعة تطرفٍ مركزة، من خلال تبني الوهابية فكراً لها ولدُعاتها وشرطتها الدينية، والدليل أن الإرهابيين الذين يفجرون أنفسهم في الكنائس، هم تلاميذ ابن تيمية وابن القيم الجوزية والغزالي، لا ابن سينا وجون لوك، وفرانسيس بيكون، أو بيركلي وديفيد هوم.

ثالثاً: حديث الشيخ عن ضرورة تنقية الإسلام مما علق به من تفاسير مشتطة، يناقض ممارسات الأزهر وشيوخه من معلمي هذا الرجل، فهم قد تكالبوا على مؤلفات طه حسين، وفرج فودة، ونوال السعداوي، التي حاولت تنقية الدين مما علق به، وقراءته قراءةً عقلانيةً بهدف تحريره من العنف، حتى قُتل بعضهم كفرج فودة، أو ترك لهم البلاد كالسعداوي، أو عُزل الواحد منهم بمرارة إلى أن تراجع كطه حسين، أو أُجبر على هذا التراجع كنجيب محفوظ، حتى أفرغ الطيب وأمثاله، الساحة في العالم العربي من أي كتابات عقلانية وملتزمة.

إن كان الأزهر قد أفلح في شيءٍ هو والوهابيين، فهو أنه قد خلق جيلاً من الكتاب المتخاذلين، الذين داوموا على إيجاد ذرائع، للتخفيف من غلواء التطرف، الذي يغص به الإسلام فكراً وممارسة، فانتجوا منظومةً فكرية هاتكةً للعقل، وتتجنب المواجهة، لتستقطب الجموع وتجندهم في مشروعهم، الذي سلب كل طاقات الإبداع والتغيير لدى هذه الشعوب المنكوبة، أما العلم الوحيد الذي باركه الأزهر ومن على شاكلته، فهو التوسع المفرط في جزئيات تأويلية، غير ذات قيمة معرفية، والإقامة في جدالات قرووسطية، لم تنجح في إنتاج أفكار دينية ثورية، تلائم إنسان القرن الحادي والعشرين، الروحية والنفسية والعقلية.

الخلاصة

بعد هذه التصريحات غير المحتشمة، وهي تعتدي على الذاكرة، وتكذّب التاريخ الذي مازلنا شهوداً عليه، بل وبعضنا من ضحاياه المنفيين والمطاردين بالفتاوى والنبذ، فإن مزاعم حوار الأديان هذه مجرد كذبة، يطلقها سلاطين، يعيشون في قصورٍ فخمة، يحافظون بها على ولاءاتهم للسلطة السياسية وأرباب المال، الذي يدفعون لهم رواتبهم المهولة، ورحلاتهم المكوكية بطائرات خاصة، وسيارات مصفحة، بينما الشعوب تحترق بنار الإرهاب والتواطؤ الديني المفضوح، أما متى ينتهي كل ذلك، فلا يبدو في الحقيقة أنه سينتهي أبداً، مادامت شعوب المنطقة لا تغار على العلم، ولا تحترم العقلانية، ولا تقدّر الفنون والتفلسف والآداب والمسرح، بل الفتاوى والتكفير وكبح الحريات والإبداع.

وفاء البوعيسي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
عبدالحميد | 06/05/2017 على الساعة 22:50
تحليل موضوعي وقراءة عقلانية .... تهنئة للكاتبة على هذا العمل المهني الرائع
..... الشيوخ وأمراء وقساوسة الدين يحفظون صم ولا يقرؤون ولا يفكرون بل ينصبون أنفسهم أولياء الله في الارض ليتم لهم التسلط على البلاد والعباد بإسم الدين
غومة | 04/05/2017 على الساعة 18:32
شيخ الأزهر لا زال يتكلم باسم التخلف، البابا يتكلم عن ما بعد الحداثة ...؟
ربما مقارنة البابا بشيخ الأزهر فيها شىء من الإجحاف! ففحين يكون البابا اعلى الهرم الكاثوليكي ورءيس دولة الفيتكان، شيخ الأزهر عبارة عن موظف بوزارة التعليم العالي. البابا من تنظيم هيكلي يدرس ويتشاور على قضايا الساعة بينما شيخ الأزهر لا ينطق الا باسمه. اتباع السنة ليس لهم قيادة. روحية او مجالس توفقية تدرس ما تجلبه الحياة ويمليه العلم والعالم لتتخذ ما تراه يساير البشر والعصر. الاسلام والسنة خاصة نشوء غي ظروف البداوة الصحراوية، بدون هيكل وبدون مجالس استشارية وبدون قيادة، شبه فوضوية، اذا ما استثنينا التحالف مع الدولة وبوليسها ومحاكمها. ربما ذلك الوضع كان ملاءماً للعصور الغابرة ولكنه حتماً ليس قادراً او صالحاً لما وصلت الحياة في هذا العالم سريع التطور والتغيير. السوءال الذي يجابه هذا الجيل والأجيال القادمة كيف الخروج من قالب الجمود والتصلب ومجاراة الحياة بجدها ومهازلها؟ السنة بحاجة لإيجاد إطار من خلاله تدرس المشاكل وتتخذ الحلول التي تتماشى مع الظروف الساءدة. هذا البابا، الاول من العالم الجديد، ليس سجين كثير من تابوز وتقاليد العالم القديم! لقد ادرك بان اله أحب لا يمكن ان يخلق جهنم! ثم أضاف من
بشير خليل | 04/05/2017 على الساعة 07:18
التزييف والحقيقة
من المواقف الشجاعة للبابا فرانسيس حديثه عن هوية المسلمين ، وقد طلب مرارا من الدول الكبرى ترك المسلمين ليقيموا شريعتهم ، فما يضير العالم اذا أعطى المسلم المرأة نصف ميراث الرجل ،بدل اغضاب الرب بالمساواة وفقا لشريعته ؟ ، وما يضير العالم لو تزوج المسلم باربعة نساء يمكنه ان يطلق إحداهن حتى يتزوج الاخرى لمجرد اللذة وإنجاب الاطفال وفقا لشريعته ؟ هذا ما يقوله قرآنهم المحفوظ بعد ان آمنوا بالغيب ، لماذا نجبر المسلمين على إلغاء الغيب واعتبار قرآنهم خرافة ؟ لماذا نجبر المسلمين ونقاتلهم لمجرد انهم يكرهون زواج الرجل بالرجل ارضاء للواطين ، وزواج المرأة بالمراة ارضاء للسحاقيات ، لقد نادى البابا باحترام الخصوصية والهوية الاسلامية وانه الطريق الوحيد للسلام العالمى ، فالاسلام لا يحارب العلوم والتطور والصيرورة كما يدعى المفترون بقدر ما يحارب دعارة الاغريق واشتهائهم البهيمى فى ثوب الحداثة ، شكرًا للبابا بعد ان اسمعت المسلمين بالفطرة وواجهت قومك لظلمهم!!!!!!!
أكرم زوبي | 04/05/2017 على الساعة 01:21
مرور سريع
بالجملة اتفق مع الكاتبة في النفاق الحاصل بين الدول والمؤسسات الدينية وهذه اللقاءات التي لن تقدم إلا أهداف سياسية وتسويق لبضاعة قديمة ومحاولة تزيين وهروب من المسؤولية والواجب المفروض عليهم ، برأيي مؤتمرات ولقاءات لا تساوي ربع قيمة تكاليفها ، حسب ما فهمت أن الكاتبة تعتقد أن العلوم الإنسانية والتنوير والثقافة والفنون وتقليم اظافر الدين أو " رجال الدين " علاج لظاهرة التوحش والدمار والإرهاب بين شعوبنا ، هذا الزعم مطروح بقوة بين صنف من الكتاب والأصوات في ليبيا وهو زعم بلا دليل ولا واقع له لا تاريخياً وعلى حاضراً ، ولست بصدد تنقيص أهمية العلم والعلوم وغيرها ولكن ليس صحيح أو على الأقل ليس أكيد أنها بوابة لنهاية العنف والتطرف والتعصب ومن ثم الإرهاب زعم لم يقل به حتى ارباب التنوير والحداثة ، التعصب ظاهرة إنسانية عامة أصلية والتطرف أيضاً والإرهاب ينقص ويزيد حسب المكان والزمان ، ولكنه ظاهرة موجودة تكاد ملازمة لوجود الإنسان ، دول تعيش وعاشت مجد التنوير والحداثة والفنون والعلوم والفلسفة ولكنها ارتكبت ابشع الجرائم ضد الاخرين وسرقة ثروات الاخرين واحياناً باسم التنوير والحداثة وبفتاوى كبار الحداثة
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع