مقالات

غسان عتيقة

قراءة في كتاب "بالبو، حياة فاشستية" (12/6)

أرشيف الكاتب
2017/05/02 على الساعة 21:09

بعد تأسيس هذا الكيان المسمى بليبيا والذي لم يستسغ الكثير من سكانه الاصليين هذا الاسم الغريب على وطنهم وهوياتهم المتنوعة، ركز المارشال كل جهوده على جعل وحدة ليبيا الجغرافية واقعا ايضا. قام بتسخير سلاح الطيران لمراقبة الصحارى الشاسعة و بالاستعانة بقوات المهاري المسلحين باحدث الاسلحة الرشاشة لبسط السيادة على اراضي المارشال البعيدة عن الساحل الشمالي المرتبط الان مع القارة الاوروبية... التحدي الاخر ان اراضي المارشال تعاني من شبه انعدام للطرق والمواصلات بين اطرافها ومع الوطن الام مع انعدام خطوط الهاتف والتلغراف والطرق المعبدة بين  إقليمي طرابلس وبرقة عدا رحلة بحرية اسبوعية بين بنغازي وطرابلس.

لكسر هذه العزلة على وطنه الليبي قام بالبو بعمل اكثر شيء محبب لقلبه وذلك بربط مطار (Castel Benito) 33 كلم جنوب طرابلس (مطار طرابلس الدولي المغلق حاليا) برحلات جوية مباشرة مع بنغازي وغدامس وسبها تونس وروما- عبر جزيرة مالطا البريطانية - مع خطوط شركة طيران الركاب والبريد الايطالي (Ala Littoria) وبعدها تطورت لرحلات نصف شهرية لمصر وشرق افريقيا الايطالية ليتم ربط اطراف الامبراطورية مع الوطن الام عبر مطارات المارشال الطيار في طرابلس وبنغازي. في الوقت نفسه ومع حلول سنة 1935، تضاعفت خطوط الهاتف ثلاث مرات وتم ربط الاتصالات اللاسلكية بين طرابلس وروما ايضا.

 


 

مع العام 1937 تم الانتهاء من ربط طريق معبدة على ساحل المتوسط من الحدود المصرية اللى التونسية (Litoranea Libica)  والذي تم انجازه في ظروف مناخية وتضاريس قاسية جدا (عرفت فيما بعد بطريق بالبو تكريما له بعد سقوط طائرته في طبرق) لتأكيد الوحدة الجغرافيه لليبيا وتحقيق حلم ربط شمال افريقيا امام حركة السيارات والبضائع من المحيط الاطلسي ونهر النيل نحو اراضي الامبراطورية في شرق افريقيا وخصوصا بعد الانتهاء من حملة احتلال الحبشة عام 1936.

كان انجاز هذه الطريق ملحمة في حد ذاتها عبر مئات الكيلومترات من المناطق الخالية من البشر وانعدام مصادر مياه الشرب ودرجات الحرارة الجهنمية والتحديات الهندسية واللوجسيتية والادارية الجسيمة. بعض المصادر تعتقد ان كل الطريق الساحلي تم انجازه في عهده لكنه في الواقع قام بربط نهاية طريق طبرق-مرسى البريقة على امتداد 571 كيلو مترا من صحراء خليج سرت الوعرة بسهول مصراتة والتي بدورها تربط نهاية خط طريق مصراتة-زوارة نحو الحدود التونسية.

 


 

لتسهيل انجاز هذا المشروع، اشرف المارشال بالبو على مراحل تنفيذه المختلفة وخصوصا نقل المياه واعاشة اكثر من 13 الف عامل لانجاز مشروع في درجات حرارة وصلت الى 49 مئوية في الظل خلال صيف عام 1936. سببت التضاريس الوعرة والوديان والرمال المتحركة بتعطل وتحطم الكثير من الاليات والعربات المخصصة للمشروع  وتكونت مقابر للشاحنات حولها وخصوصا حول بلدة سرت.

في خريف ذلك العام ترك الكثير من العمال الليبيين المشروع وهرعوا نحو مزارعهم ومراعيهم بعد هطول امطار وفيرة في سهول طرابلس، تدخل المالرشال لتنظيم عملية توظيف الليبيبن وتحسين اجورهم وعمليات نقلهم من بلداتهم ومناطق تعبيد الطريق الساحلي مع زيادة الحوافز المادية لمقاولي المشروع بشكل ساهم في انجازه في وقت قياسي لا يتجاوز الـ 15 شهرا.

نجح المارشال في تنفيذه بتكلفه  100 الف ليرة ايطالية للكيلومتر من الطريق المعبد بشكل ارخص بكثير من تكاليف تشييد الطرق في المستعمرة في السابق بشكل كبير. اوضح المارشال ان السر هو تقسيم المشروع الى 16 قسما-  كل قسم يمثل حوالي 35 كيلومترا. وتم اعلان عطاءات المشروع على اكبر عدد ممكن من المقاولين لتقديم العروض للمزايدة عليها مع افضل الأسعار. إضافة لذلك امر بالبو بتقديم حوافز مالية لمن ينهي العمل في القسم المخصص له في الطريق قبل المقاولين الاخرين بالتوالي وتم تنفيذ الطريق من الاتجاهين المعاكسين من جهة مرسى البريقة ومصراتة نحو نقطة قوس فيليني.

في النهاية ومع شهر يناير 1937 تم انجاز حلم بالبو بربط وطنه الجديد ليبيا بطريق معبدة بعد انتهاء المشروع الذي قال عنه وزير مالية الوطن الام - توماسو لازاري - بأن تنفيذه كان معجزة فنية ومالية وادارية وخصوصا مع تكاليفه المعتدلة مقارنة بالتوقعات المتشائمة بوصوله لارقام فلكية.

مع ذلك لم يخلوا هذا المشروع من المفاراقات بالرغم من الدعاية للمشروع توفيره فرص العمل للايطاليين الذي يعاني اقتصادهم من اثار الكساد الاقتصادي العظيم الذي ضرب العالم، ومع كون جميع شركات المقاولات إيطالية، لم يتحصل العمال الايطاليين الا على 330 الف يوم عمل من مجموع اربع ملايين ونصف مليون يوم عمل ذهبت للعمال الليبيين. كان السبب واضحا، وهو فرق الاجور الشاسع حيث يتقاضى العامل الايطالي ثلاث اضعاف اجر العامل الليبي بالاضافة الى تحمل شركات المقاولات تكاليف اقامتهم والتنقل من والى "الوطن الام" في اجازاتهم.

هذه التجربة اعطت الضوء الاخضر للمارشال من صديقه اللدود الدوتشي لتلقي كل الدعم اللازم من روما لتنفيذ اكبر تحدي مناط له وهو توطين ما يقارب نصف مليون مستوطن جديد مع منتصف القرن العشرين. كانت قضية التوطين في ليبيا مفتاح مستقبلها الديمغرافي لمواجهة التعداد السكاني للسكان الاصليين الذي تجاوز ال700 الف نسمة او عشرة ليبيين مقابل مستوطن واحد حسب احصائات 1934. في نهاية المطاف، وجود المستوطنين له اهميته الاقتصادية الكبرى لليبيا حيث لاوجود لأي موارد معدنية بعد فشل محاولات التنقيب عن النفط  او أي مواد خام اخرى وانعدام أي نشاطات حرفية عدا بعض الحركة التجارية المحدودة والنشاطات الزراعية والرعوية الهامشية وبدونهم (المستوطنين) لا يمكن تحويل "الشاطئ الرابع" اللي واقع ملموس.

يتبع...

غسان عتيقة

* راجع الحلقات السابقة (رابط)

سليم الرقعي | 06/05/2017 على الساعة 15:54
جهد مميز شكرا لك
السيد المحترم غسان عتيقة ، اشكرك على نشر قراءتك في هذا الكتاب المهم الذي ارجو ترجمته للعربية للاهمية ، سأتابع ما فاتني من هذه السلسلة ثم اعود لألحق بالركب ، لك خالص تحياتي واحترامي
ream | 05/05/2017 على الساعة 05:59
ايتالوبالبو+الملك ادريس=== اكثر شخصان خدما ليبيا
بارك الله فيك على نشر مقتطفات من هذا الكتاب اتمنى منك نشر كل الكتاب حتى نفهم وطننا والانسانية بشكل اكثر
محب بنغازي | 02/05/2017 على الساعة 23:15
شكرا للكاتب المترجم
كان الايطاليون يبنون ويعمرون الارض ونحن نهدم ونخرب ما بنيناه وبناه غيرنا في ارضنا، فنحن المفسدون في الارض " ولا تفسدوا في الارض بعد إصلاحها " " ان الله لا يحب المفسدين " وعندما ينتكس البشر يرجع القهقري في سلم الهبوط ،الي فصائل القوارض والزواحف بئس مثل القوم الظالمين !!!
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع