مقالات

شكري السنكي

العلم ومسوَّدة الدّستور الجديدة

أرشيف الكاتب
2017/05/02 على الساعة 20:38


 

العلم ومسوَّدة الدّستور الجديدة - استعادة الوطن والهويّة.. لن نتخلى عَن ثوابتنا الوطنيّة

دون الدخول فِي مناقشة مسوَّدة الدّستور الجديدة، الصّادرة فِي مدينة البيضاء عَن اللّجنة المكوَّنة (12) اثني عشر عضواً مِن أعضاء الهيئة التأسيسيّة لصياغة مشروع الدّستور، المعروفة باسم (لّجنة الستّين)، تحت عنوان: "مقترح مسوَّدة توافقيّة لمشروع الدستور" بتاريخ 16 أبريل 2017م، والناتجة عَن تنقيح "مسوَّدة صلالة" الصّادرة فِي خريف 2016م والّتي واجهتها انتقادات كبيرة، ولم تُحظَ بأغلبيّة الثّلثين لتمريرها للاستفتاء مثلما ينصّ على ذلك الإعلان الدّستوري، وهُو الشيء نفسه الّذِي يتوقع أن يحدث مع المسوَّدة الجديدة، حيث واجهت المسوَّدة موجة انتقادات كبيرة إِلى حد أن بعضاً مِن أعضاء  لّجنة الستّين، توعد بعرقلتها وإعاقتها حينما تعرض على اللّجنة فِي 7 مايو 2017م، مطلِـقًا شعار (لن تمر)، الّذِي صار - وعلى حد وصف بوابـة الوسط - مِن "مفردات اللغة السّياسيّة الّتي عرفت فِي المشهد الِلّيبيّ الحالــي".

اثنى عشر (12) مادةً تركز حولها الخلاف، وقامت اللّجنة بإعادة صياغتها بشكل وصفه البعض بـ(المتناقض والمرتبك)، وهي المواد المتعلقة بمصدر التشريع وتوزيع الثروة ومنح الجنسيّة وإسقاطها والعدالة الانتقاليّة وكيفية انتخاب مجلسي النّوَّاب والشّيوخ وانتخاب رئيس الدولة، وقامت اللّجنة مِن جهة ثانيّة، بإلغاء الديباجة (ديباجة مسوَّدة صلالة) نظراً للخلاف الكبير الّذِي نشب حولها. هذا، وقد قررت اللّجنة نيابة عَن الشّعب ودون تخويل منه!، بأن يكون نظامنا القادم نظاماً جمهورياً دون الرجوع إلى صاحب الحق الأصيل وهُو الشّعب، وعبر آلية الاستفتاء. أيْضاً، قررت استبدال العلم بعلم جديد يحدّد بقانون يصدر بأغلبية ثلثي الأعضاء!، بعدما اعتقدنا أن ثورة فبراير حسمت الأمر حينما رفع الثوار "علم الاستقلال" أثناء مواجهاتهم مع قوَّات نظام القذّافي القمعيّة، فِي إشارة منهم لشرعيّة مَا كان سائداً قبل الاستيلاء على السّلطة فِي الأوّل مِن سبتمبر 1969م، وكدلالة على القطيعة مع نظام سبتمبر وكل مَا يمثله مِن أساليب وسياسات.

والحق الَّذِي لا مِرَاء فِيه، قد أظهرت هذه المسوَّدة للعالم أجمع، أن الدولة الِلّيبيّة كأنها لم تولد بعد، وأن تأسيسها يجري الآن وهُو الّذِي كان قد تمَّ منذ  ستة وستين عاماً!. فهل يعقل أن يظل الِلّيبيّون مختلفين حتَّى على "علم البلاد" بعْد أكثر مِن ستة عقود مِن إعلان الاستقلال!؟. وأنا شخصياً لا أعرف بلداً فِي العالم بعْد سنوات استقلاله الطويلة كمَا هُو فِي الحالة الِلّيبيّة، مازال أبناؤها مختلفين حول "علم البلاد" ومَا يمثله مِن قيمة ومكانة ورمزية.

فإلى أين أنت ماضية بنا يا لّجنة الستّين؟.

على أيّة حال، لن أناقش مواد الدستور المقترح، ولا أسلوب العمل الّذِي اتبعته اللّجنة فِي إعداد وصياغة مواد الدستور. ولن أقف أمام خيار "التوافق" فِي صياغة الدساتير، وهُو الشكل الّذِي قالت اللّجنة إنها اختارته لدرجة أنها أطلقت على مسوَّدتها: (المسوَّدة التوافقيّة)، فالتوافق - وعلى حسب رأي الحقوقيّين وخبراء فِي القانون الدّستوري - يعني تسوية المصالح المتعارضة على مستوى الأشخاص الطبيعيّة أو المعنويّة بينما أحكام الدستور هي ملتقى كُلِّ المصالح الوطنيّة والقوميّة، مصالح غير قابلة للجدل، وغير قابلة للتسويّة بالتنازل عنها كلياً أو جزئياً.

ولذا، سأقف فِي هذه المقالة أمـام المادة الخامسة ومَا نصّت عليه فيما يتعلق بالعلم. ويُذكر أن المسوَّدة الجديدة، سوف تعرض على أعضاء الهيئة التأسيسيّة لصياغة الدّستور (لّجنة الستّين)، فِي اجتماع الهيئة المقبل بتاريخ 7 مايو 2017م، لأجل مناقشتها ثمّ إقرارها، وبعدها تعرض على مجلس النّوَّاب لاعتمادها ثمّ لإصدار قانون الاستفتاء، وعرضها على الاستفتاء الشّعبي.

وبادئ ذي بدء، أؤكد على أن العلم لابُدَّ أن يُعطى أهمية خاصّة، وتعزز مكانته فِي العقول والنفوس، فتكون قيمته كبيرة، ومكانته عالية، ورمزيته خاصّة، إذ مِن الضروري أن يشعر جميع المواطنين بِالفخرِ والاعتزازِ حين رفعه، وتكون سارية العلم دوماً وأبداً مرفوعة بشموخ، وألا يترك العلم كمادة تكون قابلة للتعديل أو التغيير بعد استقرار الأمّـة على شكله وطوله وحجمه ودرجة لونه، لأنه يمثل وطناً ولا يمثل شخصاً أو نظاماً أو عهداً، فهو الامتداد والهوية والتاريخ ومَا صنعه الآباء والأجداد الأولون للوطن وتركوه أمانة فِي أعناق الأبناء.

ومَا يضاف إِلى كل ذلك، وبِالنسبةِ لنا كليبيين، فإنَّ العلم يعكس المكون الِلّيبيّ بأبعاده الثلاثة ويرمز إلى الوحدة، والتجمع، إذ يشير إلى استقلال البلاد ووحدتها والرَّايات الّتي رفعتها أقاليم البلاد الثلاثة إبّان جهادها للمستعمر وقبل إعلان الاستقلال، ولذا يجب ألا يهان، أو يترك، أو يعبث به، أو يغير، كونه مِن الثوابت، ولابُدَّ مِن التمسك به والحفاظ عليه، لأن إلغاءه أو استبداله يعنى العبث بقيمة لابُدَّ أن تكون خفاقة فِي نفوس الجميع، وتكون راسخة فِي كًلِّ القلوب، فالعبث به يُعد البداية أو المؤشر الّذِي يدل على استهداف الذّاكرة والتآمر وضرب الثوابت الوطنيّة. وقد رأينا انقلابيي سبتمبر، وبعد انقلابهم المشؤوم، استهدفوا "النشيد والعلم" أوَّل مَا استهدفوا، لأنهم كانوا يعلمون مَا يمثلانه مِن قيمة ورمزيّة، ولأنهم هدفوا - ومنذ البداية - تفريق الِلّيبيّين بغية السّيطرة عليهم والتحكم فيهم، وذلك بتغييب القواسم المشتركة بينهم والّتي يأتي "العلم والنشيد" فِي مقدمتها، ثمّ ضرب الذّاكرة الوطنيّة والتآمر على التاريخ كونه يمثل المؤثر والحافز والدافع  ومستودع الحكمة.

وقد اخُتيرت ألوان العلم وشكله وفق معايير معينة، وهُو علم يمثل التّاريخ الِلّيبيّ ولحظة الانتصار والشّرعيّة الدّستوريّة ولا يمثل شيئاً غير ذلك، ويعكس المكون الِلّيبيّ بأبعاده الثلاثة: الثقافي والسّياسي والنَّضالي. والعلم الِلّيبيّ مكون مِن ثلاثة ألوان هي الأحمر والأسود والأخضر ويتوسطه هلال ونجمة باللون الأبيض، والّذِي أصدرته الجمعيّة الوطنيّة التأسيسيّة وصدقت عليه ثمّ نص عليه الدستور الِلّيبيّ الصّادر يوم 7 أكتوبر 1951م، وقد حدَّدت المادة السابعة (7) فِي الفصل الأوَّل مِن أصل مائتين وأربعة (204) مادة مكّونة للدستور، شكله وطوله وأبعاده.

والشّاهد، استبدل الانقلابيّون (النشيد وعلم دولة الاستقلال) بعلم ونشيد دولة مجاورة، فأصدر أعضاء مجلس الانقلاب قراراً بتاريخ 5 نوفمبر 1969م ينص على تغيير علم 1951م الشّرعي إِلى علم جديد يتكون مِن ثلاثة ألوان هي الأحمر والأبيض والأسود مرتبة بشكل أفقي مِن الأعلى للأسفل، واستمر العمل به حتَّى عَام 1972م. ثمّ اسُتبدل هذا العلم فِي عَام 1972م بعلم اتحاد الجمهوريّات العربيّة الّذِي ضمّ مِصْر وليبَيا وسوريا، والمكّون مِن ثلاثة ألوان هي الأحمر والأبيض والأسود مرتبة بشكل أفقي مِن الأعلى للأسفل، ويتوسطه صقر قريش، وبقى العلم الموحد لهذه الدول حتَّى 19 نوفمبر 1977م، فبعد زيارة الرئيس أنور السّادات فِي التاريخ المذكور إِلى القدس، أصدر القذّافي أوامره بحرق هذا العلم فِي الشوارع علناً بما فِي ذلك إلى سفاراته بجميع أنحاء العالم، وغيّر القذّافي علمه إِلى الرَّاية الخضراء استنكاراً لتلك الزيارة. اختار القذّافي قطعة قماش مِن لون واحد لتكون العلم الجديد، قطعة قماش خضراء غير منصوص على طولها وحجمها أو درجة اللون (درجة الاخضرار)، بِالإضافةِ إِلى أنها خالية مِن أيّ شعار. وأصبحت قطعة القماش الخضراء علماً لليبَيا مُنذ نوفمبر 1977م وإلى ساعة اندلاع ثورة السّابع عشر مِن فبراير 2011م، حيث رفع الثوار علم الاستقلال فِي الساحات والميادين وجبهات القتال للدلالة على القطيعة مع نظام القذّافي والإشارة إِلى شرعيّة مَا كان سائداَ قبل الاستيلاء على السّلطة فِي الأوّل مِن سبتمبر 1969م، وقد اعُتمد هذا العلم مجدَّداً بنص جاء فِي الإعلان الدّستوري الصّادر عَن المجلس الوطنيّ الانتقالي فِي 3 اغسطس 2011م. وقد نص الإعلان الدّستوري المُشار إليه، على اعتماد علم الاستقلال واستمراره علماً لليبَيا فِي الدستور المرتقب.

وبعد نجاح ثورة السّابع عشر مِن فبراير فِي إسقاط نظام سبتمبر وهزيمة جنود القذّافي فِي معارك القتال ومقتل بعضهم ويأتي القذّافي فِي مقدمتهم وأسر البعض الآخر، استطاعت الثورة أن تنجح - ولمدة سنة وشهور - فِي جعل البلاد تعيش فِي طمأنينة وراحـة وسلام وأمل معقود على القادم مِن الأيّام، حيث بدأت الثورة المضادة بعد ذلك فِي تحقيق بعض التقدم وكسب بعض المواقع مِن خلال مَا أصاب البلاد مِن فرقة وانقسام وقتال وتشَظِّ، وبدأت عناصر نظام السّابق تعود تدريجياً إِلى السّلطة، وبدأت سياسات الماضي وصوره تطل برأسها مِن جديد بعدما اعتقدنا أنها انتهت وولّت إِلى حال سبيلها بزوال القذّافي. عاد أشخاص مِن رموز النَّظام السّابق فِي مواكب استعراضيّة إِلى البلاد، وتمّ استقبالهم فِي مظاهر احتفالية شبه رسميّة فِي مدينة طبرق مقر البرلمان، وتمَّ تعيين البعض منهم مستشارين!!، وعادت المنظومة الأمنية السّابقة إِلى مواقعها واستأنفت عملها بنفس الأساليب الّتي ثرنا عليها فِي السّابع مِن فبراير، وتمّ تفعيل قوائم النَّظام السّابق، والخاصّة بِترقب الوصول وملاحقة المُعارضين أو مَا كان يسميهم نظام القذّافي بــ(الكلاب الضالة)!. ويُذكر أن هذا التحول بدأت تظهر معالمه تدريجياً منذ أن انتخب أعضاء البرلمان رئيساً لهم يوم 25 يونيه 2014م، كان - وقبل اندلاع الثورة بأسبوع واحد فقط - واقفاً أمام معمّر القذّافي فِي السّابع مِن فبراير مِن العام 2011م، يقرأ على مسامعه فِي وثيقة عهد ومبايعة ووفاء!!.

وقبل صدور مسودة الدستور فِي 16 أبريل 2017م، الرافضة لعلم دولة الاستقلال والّتي جعلت العلم يحدّد بقانون يصدر بأغلبية ثلثي الأعضاء!، كان عدد مِن أعضاء مجلس النّوَّاب تقدموا بطلب يوم الثلاثاء الموافق 10 يناير 2017م يقضي بتغيير "العلم والنشيد" بحجة أنهما أصبحا عقبة أمام كلِّ الجهود الرَّامية للمصالحة الوطنيّة!. وقد وافق رئيس مجلس النّوَّاب عقيلة صَالح وفقاً لتصريح عوض جمعة الفيتوري، مدير مكتب شؤون رئاسة مجلس النّوَّاب، على الطلب ومناقشة المقترح!.

ولا شكّ، أن المطالبة بإلغاء "العلم" هُو نتاج عمل الثورة المضادة لأن أتباع نظام القذّافي الاستبدادي لديهم ثأر وحقد دفين ضدَّ العلم لأنهم يعتبرونه الراية الّتي التف حولها الِلّيبيّون، فوحدتهم فِي معركتهم ضدَّ نظام القذّافي، فاستظلوا بظلها حتَّى حققوا هدفهم فِي إزاحة القذّافي عَن الحكم.. والراية الّتي تذكرهم بجريمة الانقلاب ومَا اقترفوه فِي حق دولة الدستور والقانون.. والراية الّتي ترمز إِلى سنوات البهاء والزهاء الّتي يحن إليها كافة الِلّيبيّين على اختلاف مشاربهم. هؤلاء هم أصحاب المصلحة الحقيقية  فِي إزالة العلم الوطنيّ واستبداله براية أخرى، وهم المحرَّك الرئيسي وراء المطالبة باستبداله وإلغائه ومَا نصّت عليه المادة رقم: (5) فِي مشروع مسودة الدستور الصّادر فِي 16 أبريل 2017م والقاضيّة باختيار "علم جديد" يحدّد بقانون يصدر بأغلبية ثلثي الأعضاء!، وهذا مَا كان قد طالب به مؤخراً أحمَد قذّاف الدّمّ أحد رموز النَّظام السّابق فِي أحد لقاءاته التلفزيونيّـة، حيث قال: "ولتكون الراية البيضاء، فلا علم الفاتح ولا علم فبراير، ويقصد (علم دولة الاستقلال)". وقد نقلت عَنه صحيفة "الشّرق الأوسط" فِي عددها الصّادر يوم الجمعة الموافق 17 فبراير 2017م، التالي: ".. أسست مع قوى لّيبيّة أخرى (جبهة النَّضال الوطنيّ)، ونحن نسعى مِن خلال هذه الجبهة، لدولة جديدة تحت رايـة بيضاء مؤقتاً، إِلى أن تقوم الدولة ويقرر بعدها الشّعب الِلّيبيّ العلم الموحد الّذِي يريده..". ويذكر أيْضاً أن أحمَـد قذّاف الدّمّ كان قد أمر أحد أتباعـه بنزع (علم الدولة الِلّيبيّة) مِن قاعة (مؤتمر الشّباب العربي الإفريقي لمكافحة الإرهاب) المنعقد فِي القاهرة بتاريخ 22 يناير 2016م، قبل أن يدخل إِلى القاعــة. وقد بثت صفحات مِن مواقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك، مقاطع فيديو تظهر فيها عمليه نزع العلم ووقوف أحمَـد قذّاف الدّمّ خارج القاعة متهيئاً للدخول فِي انتظار انتهاء عمليّة إزالة العلم!.

أمّا التعذر بحجة الحرص على وحدة الِلّيبيّين، وأن العلم عائق أمام الجهود الرَّامية للمصالحة الوطنيّة، فما هذا العذر إلاّ حجةً واهيةَ، وستار لإخفاء مخطط هؤلاء السلطوي الفاشي، لأن هذا "العلم" هُو عنوان وحدة الِلّيبيّين والرمز لاتحادهم، فإذا أردنا خيراً للبلاد علينا التمسك به كثابت مِن ثوابتنا الوطنيّة، والاعتراف بميراث الجدود ورفض ثقافة النكران والجحود، وأن نختار مَا يحقق مصلحة الوطن ويحافظ على وحدته واستقراره وأمنه، وما يستعيد مجد ليبَيا وتاريخها العظيم بين الأمم.

وبِكُلِّ تأكيـد، هُناك صلة بين مَا حدث فِي يناير 2017م مِن جهة، ومَا صدر فِي مسودة دستور فِي أبريل مِن نفس العام، مِن جهة ثانيّة، وقد قضت المسودة فِي مادتها رقم: (5) على الآتي:

المادة (5): علم البلاد ونشيدها وشعاراتها وأعيادها الرَّسميّة: ((يحدّد بقانون، يصدر بأغلبية ثلثي الأعضاء علم البلاد ونشيدها وشعاراتها وأعيادها الرَّسميّة)).

أن واضعي المادتين (5) و(1)، بقصد أو دون قصد، يقدمون خدمة للثورة المضادة أو يساعدونها للوصول إِلى مبتغاها، فقد سبق وأن بيّنا المادة (5)،

أمّا المادة (1) فقد جاء فيها: ((المادة (1): ليبيا دولة مستقلة لا تقبل التجزئة، ولا يجوز التنازل عَن سيادتها، ولا عَن أيَّ جزءِ مِن أقاليمها، تُسمّى الجمهوريّة الِلّيبيّة)).

والحَاصِل، جاءت المادة (1) لتمهد للمادة (5) وتقضي على المطلب الشّرعي الداعي للعودة إِلى الشّرعيّة الدّستوريّة وفق آخر مَا انتهت إليه فِي 31 أغسطس 1969م، وتولّي الأمير محَمّد الحسَن الرَّضا السّنُوسي لسلطات المَلِك إِلى أن تقرر الأمّة الِلّيبيّة فِي استفتاء عامّ نظام الحكم الّذِي تختاره بحريّة وشفافيّة. فإذا مَا اختارت الأمّة الِلّيبيّة الملكيّة نظاماً، مارس المَلِك سلطاته الدّستوريّة بعْد إجراء التعديلات اللازمة على الدستور، أمّا إذا اختارت غير ذلك تضع الجهات الشّرعيّة المختصة الترتيبات اللازمة للانتقال السلس إِلى النظام الجديد.

قررت المادة الأولى، نيابة عنا، شكل نظام الحكم، رغم أنَّ هذا حق أصيل للشعب الِلّيبيّ، فلا يجوز لهيئة صياغة الدّستور أن تختار النَّظام الجمهوري وتطلق على البلاد اسم: (الجمهوريّة الِلّيبيّة)، قبل أن  تجري استفتاءً وتأخذ رأي الأمّة الِلّيبيّة فِي شكل نظام الحكم الّذِي تريده ملكياً كان أو جمهورياً.

ورُبّما الطرف الّذِي كان وراء هاتين المادتين، أراد الوصول لاحقاً إِلى "الجماهيريّـة الثانيّة" الّتي ينوي إقامتها على أنقاض جماهيريّة القذّافي الّتي أطاحت بها الثورة الشّعبيّة (ثورة السّابع عشر مِن فبراير)، والّتي كان سيف القذّافي قد حاول إنقاذها قبل اندلاع الثورة عبر مشروعه المُسمّى "ليبَيا الغد"، ولكن الجماهيريّة تهاوت وتمَّ القبض على سيف وأودع السجن لسنوات، ولكن الجهات المسؤولة فِي الزنتان أطلقت سراحه وهي ترعاه الآن ولا أحـد يعرف مكان وجوده ولا ماذا ينوي، أو هل هُناك جهات خلفه، تريد أن تصـل مِن خلاله إِلى شيء مَا!؟.

والشَّاهِد، وضع هؤلاء الأساس للوصول إِلى "الجماهيريّـة الثانيّة"، حيث سيكون مِن السهل عليهم التحول مِن "النَّظام الجمهوري" الّذِي فرضوه فِي المادة: (1)، إلي "النَّظام الجماهيري" بعْد مضي بعض الوقت، وقد سبق وأن فعلها قائدهم فِي الماضي، حيث ألغى الشّرعيّة المتمثلة فِي "النظام الملكي وأعلن "الجمهوريّة" فِي 1 سبتمبر 1969م ثمّ تحول إِلى "الجماهيريّة" فِي 2 مارس 1977م فِي خطابه الّذِي أسماه "إعلان قيام سلطـة الشّعب".

أخيراً، لم يعُد أمامنا إلاّ التأكيد على أن استبدال "علم البلاد" بغيره هُو استخفاف واستهزاء بتاريخنا المجيد وميراث الآباء والجدود، وتفريط بما كسبناه مِن المنجزات بدّمّ الشهداء، فإذا سكتنا ورضينا بهذا التفريط، سيُستباح كُلِّ شيء بعدئذ فلا نلوم عندئذٍ إلاّ أنفسنا ولا أحد سوانا، فالتمسك بـ(العلم) هُو حفاظ على ثوابتنا وحقوقنا الوطنيّة ومنع التفريط بها تحت أية مسميات أياً كانت.

وهذا ما لزم، وبالله التوفيــق.

شكري السنكي

مَصَادِر وَمَرَاجِـع:

(1) بوابة الوسط - تقرير: (مشروع الدستور في طريقه إلى مجلس النواب) - «بوابة الوسـط" الالكترونيّة، بتاريخ الخميس 20 أبريل 2017م.

(2) فضائية (فرانس 24) - سالم كشلاف، عضو الهيئة التأسيسيّة لصياغة مشروع الدّستور، وسامي سَالم الأطرش الناشط السّياسي والحُقُوقي، فِي برنامج (وجهاً لوجه) فِي الحلقة الّتي تناولت الجدل وتباين الآراء إثر الإعلان عَن مسودة الدستور الجديد فِي ليبَيا - تاريخ البث 26 أبريل 2017م.

(3) المؤلف - مقالة: (البرلمان.. ومناقشة تغيير العلم والنشيد) - موقع: (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 12 يناير 2017م.

(4) المؤلف - مقالة: (كفانا سيراً فِي طريق المجهول... لدينا دستور فلنعدله، ومَلِك فلنبايعه) - موقع (ليبَيا المُسْتقبل) بتاريخ 9 ديسمبر2014م.  

غومةة | 10/05/2017 على الساعة 16:46
النقذ الجريء جزء مكمل للكتابة المفيدة...!
الم تسمع بالمثل القاءل: "انفخني راني تونسي!"
شكري السنكي | 09/05/2017 على الساعة 13:45
شكر وتقدير
أشكر المحترم الدكتور أمين المرغني وجميع السادة القراء الأفاضل الكرام على تفاعلهم وتعليقاتهم الإيجابية، أما ما يخص التعليق الرافض للعلم فهذا شأن صاحبه ولا يحتاج مني بتاتاً أي تعليق لأن ما ورد بالمقالة كافي للرد عليه.. لكم مني جميعاً جزيل الشكر وعظيم تقديري وامتناني.
عبدالحميد | 06/05/2017 على الساعة 11:45
العلم والنشيد إرث ليبيا والشعب ولا يمكن التفريط فيهما
احسنت اخي شكري السنكي على الشعب ان يقول كلمته ويرفض هذه المهزلة ويطالب بالعودة الى الشرعية الدستورية ....
إدريس محمد | 06/05/2017 على الساعة 01:04
تعليق
في صميم ومقال جدير بالاهتمام، وقضية العلم قضية مهمة ولابد ألا تترك لعبث العابثين.. وما قلت إلاّ الحق فمزيداً من الدفاع عن الحق وقول الحقيقة والتصدي لعبث العابثين... الله يبارك الله فيك.
د. أمين بشير المرغني | 05/05/2017 على الساعة 06:41
كرنفال الاعلام
مقال واضح وهام وينطلق مباشرة الى الحق. لكن للأسف ، للأسف يا سيدي ، أنا لا أجد في تعامل الهيئة احتراما للعلم الذي أدى أعضاء "الهيئة" أمامه القسم ، وأذا كان للأعلام معنى المجد والتعظيم ل ومعنى لوطن، فإن معنى الوطن لا يتغير بتغير الموضة ، أما إذا كان العلم رسم وحسب ، فإن ما ارتكب وما زال في زمن فيراير لا يستحق أن يرفع عليه علم الاستقلال المجيد. فلا الوطن هنا وطن ولا الشهداء شهداء ولا شئ له معنى. فسيان أن يرفع علم القراصنة الاسود وفي وسطه جمجمة وعظام بشرية. أو علم الاستسلام الابيض الذي بيد أحمد قذاف القيح أو رقعة زمن الشنق ساعة الافطار في رمضان على الهواء مباشرة الفضائيات. اليوم الحقيقة تقول ماعاد الوطن وطن ولا الشعب شعب ولا البرلمان برلمان ولا الدستور دستور ولا الهيئة هيئة. لزوم الفوضى الخلاقة وطاعة الهوى.
غومة | 04/05/2017 على الساعة 19:48
ليس هنالك ثوابت فوق رغبة الجماهير...؟
ما أطلقت عليه الاستقلال، ليبيا ربحته في اليانصيب التاريخي! خسارة إيطاليا الحرب العالمية الثانية وعدم اتفاق المنتصرون على تقاسم غناءم تلك الحرب، جعلت من ليبيا دولة اسمياً مستقلة! علم ادريس لم يكن علم الاستقلال بل علم مملكته ويجب ان يذهب كما ذهبت المملكة الى سلة المهملات ا ليبيا لا زالت في مرحلة بناء الدولة الحديثة وبالتالي كل المعطيات لا زالت قابلة للتغيير والخلق والابداع من جديد! الا اذا كنت من اولءك المحافظين الذين داءماً ما ينطلقون من "تلك الأيام الجملية" يجب إعادتها، بالرغم من معرفتهم بان عجلة التريخ لا تدور الى الوراء. بمان معظم الليبيون جمهوريون بالفطرة والتطلع ولذلك علم الجمهوريات العربية سيشغل الفراغ الى عندما يحين الوقت ويتفق على صياغة دستور مناسب الى العصر والزمان، وتشكل دولة حديثة، عنذءذاً اذا لم يرضى بعلم الجمهوريات العربية يمكن ابتكار علم جديد تشتق ألوانه وتناسباته من ذلك العلم الذي قد تبنى من قبل خمسة جمهوريات على الأقل الى حد الان. شكراً. غومة
عادل | 03/05/2017 على الساعة 20:16
لن تقوم ليبيا بهذا التفكير
هذا التفكير وتجاهل الالاف من الليبيين بل الأغلبية الحقيقية وتجاهل مدن رئيسية في ليبيا لا ترفع العلم وترفضه رفضا قاطعا لن تقوم ليبيا بل سوف تستمر في وحل الحرب والكراهية. انتم لا ترون الا أنفسكم ولا تعرفون ليبيا. هناك الكثير من المدن التي ترفض رفضا قاطعا ان يرفع فيها العلم الذي تعتبره ثابتا هل هو تابت لك ام لليبيين هل هو مقدس لك ام لليبيين. تعالى الي الهضبة وابوسليم وقصر بن غشير والسبيعة وسوق الخميس لكى تعرف كراهية الليبيين لهذا العلم وانت تصر على قهرهم واذلالهم بفرضه عليهم وتقول ديمقراطية؟ لا اعرف كيف تفهمون الديمقراطية وانتم تريدون فرض حتى العلم بالقوة عليهم ولا تريدون نقاشه هل انتم تعرفون الديمقراطية ام ان ما يحكمكم عقليات ديكتاتورية بامتياز؟ الناس اغلب ترهونة وورشفانة وورقلة والنوايل والمشاشية واغلب الجنوب وهؤلاء هم اكثر من ثلاثة ارباع السكان يقولون لك لا نريد العلم وانت تقول من الثوابت ما هذه الثوابت التي تحكى عنها ما هذا الذل الذي تريد اخضاع الليبيين له. هل بالفعل تشعرون بالاخر وهو الأغلبية ام لا تنظرون الا لانفسكم انكم لا تختلفون عن القداغي في شيئ بل انتم اشد امتهانا لليبيين منه.
خليفة البرعصي | 03/05/2017 على الساعة 19:47
كاتب المقال متصلب
أرى ان كاتب المقال متصلب ويتجاهل الواقع وهو لا يريد ان يجمع الليبيين بل يريد ان يحافظ على تفرقهم انه لا يسعى للسلام بل يسعى للفرقة والشقاق. تعلم ان اغلب الليبيين لا يريدون هذا العلم وان تريد ان تعتبره من الثوابت فهل هو من الدين ام من وحدة الوطن؟ انكم تسعون للاستمرار في فرقة الليبيين. كيف تطلب من ليبي هجر ودمر بيته تحت هذا العلم ان يقف لهذا العلم كيف تطلب من ليبي سجن وعذب تحت هذا العلم ان يحترم هذا العلم؟ كيف تطلب من مدن كورشفانة وتاورغاء والقواليش وبني وليد ان يحترموا هذا العلم؟ ما هذا التصلب انكم اكثر تطرفا من داعش بل انكم أسوأ منها بكثير لان داعش تتمسك بما تعتبره قول الله اما انتم فتتمسكون بما تعتبرونه قول بشر وحكم بشر؟ اذا كنتم عقلاء كان عليكم ان تقولوا فليذهب العلم للحجيم اذا كان لا يجمع الليبيين. راجعوا أنفسكم واخرجوا من الشعارات البالية التي مزقت العباد ولن تستقر ليبياولن تهدأ بمثل هذه العقليات المليئة بالشعارات والتي تحت للتاريخ الليبي الذي لولاه لما وصلنا لما وصلنا اليه اخرجوا من تصلبكم واهتاموا ببناء الدولة وخففوا من حدة هذا التطرف بالتمسك بشعارات ورايات لا يجتمع تحتها الليبيو
ابن نالوت | 03/05/2017 على الساعة 19:00
رأي سديد
في البداية اتوجه بالشكر الجزيل للاستاذ شكري السنكي. فجميع مقالاته تحسسك بوطنية الكاتب ومجهوده الكبير الذي يبذله. لقد اعجبني في السابق مقالك بعنوان البرلمان ومناقشة تغيير العلم والنشيد) - واليوم مقال يستحق الاشادة به. أتمنى من الكاتب ومن كل من له امكانية ارسال هذا المقال لأعضاء الهيئة التأسيسية للدستور. وكذلك اتمنى مناقشة هذا الموضوع في الفضائيات لكي يسمع به القاصي والداني ولايكون على صفحات الانترنت فقط. انا عن نفسي قمت بتعميم المقال قدر المستطاع. شكرا مرة أخرى ولك مني فائق الاحترام والتقدير.
نورالدين الطرابلسي | 03/05/2017 على الساعة 03:11
صح لسانك
كتبت فأجدت فيما قلت فمزيدا من الدفاع عن الحق بارك الله فيك
محب بنغازي | 03/05/2017 على الساعة 00:04
لعب عساكر سوسة علي ذقون اللليبيين
الحق القانوني يظل قائماً دستورياً الي ان يختار الشعب نظام حكم غير الملكية الدستورية ان أراد في ظل انتخابات حرة ونزيه ، والا عليهم بالاعتراف بانقلاب سبتمبر كنظام شرعي اطاح به سيد الجميع ، الحصيلو لخبطة ، ولا يصح الا الصحيح
ابراهيم قدورة | 02/05/2017 على الساعة 23:53
توافق ام إختلاف وتخاصم وتنافر
تمخض الجبل فولد فأرة ، هكذا حال الهيئة التأسيسية في انتاجها المسودة الضحلة وليدة الأهواء وصراع السيطرة ، فلا توافق ستحققه هذه المسودة بل مزيد من التخاصم والتنافر ، والضحية هي مصلحة الوطن ، شكرا للهذه الرؤية الواضحة للكاتب السيد شكري واستأذنك للتأكيد بأن المساس او العبث بالعلم هو عبث بالوطن ، يهدف بالدرجة الأولي الى تعميق الفتنة وتوسيع الشرخ في جسد الوطن الواحد.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع