مقالات

د. فتحي الفاضلي

هيا بنا نغش معا.. هيا بنا ندفن التعليم

أرشيف الكاتب
2016/07/14 على الساعة 12:28

من النادر أن نجد في انحاء العالم، وعبر التاريخ، مؤسسة تعليمية، بمختلف مراحلها، نظيفة تماما من ظاهرة الغش، فاينما وجد إمتحان، أو عمل صفي، أو واجب منزلي، أو نشاط تعليمي ما، فإن الغش يطل برأسه المسموم القبيح البشع.
لكن هذه الظاهرة المكروهة الممقوتة البشعة، تحولت في ليبيا، إلى وباء تفشى بين الكبار والصغار، لقد تغول الغش وانتشر في ليبيا بصورة مرعبة مخيفة مريبة، وأصبح ممارسة   مقبولة، بل مرحب بها عند قطاع عريض، وعريض جدا، من المعلمين والمعلمات والطلبة واولياء الأمور والتربويين والاداريين والتلاميذ. لقد تحول الغش - وبقدرة قادر- عند بعض المعلمين واولياء الأمور، إلى مساعدة ومساندة وحق ورحمة وتعاون وإيثار.
فعلى سبيل المثال، سيدة يفترض أن تكون معلمة ومرشدة وموجهة ومربية وناصحة ومشرفة، تقف أمام باب القاعة التي يجري فيها إمتحان ما، تقف لتنبه معلمة أخرى، تقوم داخل القاعة، بـ "تغشيش" الممتحنين من طلبة الإبتدائي أو الإعدادي أو الثانوي، اذا أقترب عضو من أعضاء لجنة الامتحانات، أو مدير المدرسة، لتقوم زميلتها بتنبيه التلاميذ، ثم تتظاهر - أمام عضو اللجنة او المسؤول - بأنها صارمة،  فتحاضر على التلاميذ - وبصوت مسموع - عن مغبة الغش، مشهد لا يمكن ان نسميه الا خيانة من الطراز الاول.
تلك المعلمة الخائنة لأمانتها وواجبها ورسالتها، لا تدري - في هذه الحالة - أنها لا تُعلم التلاميذ بعض فنون الغش وحسب، بل وتُعلمهم - بجانب ذلك -  التهاون والكذب والسرقة والكسل والنفاق والخيانة. كما أن هذا السلوك الغريب، هو سطو على حقوق التلاميذ، وحقوق المهنة، وخيانة لهم ولأبائهم، بل وخيانة لله وللوطن.
معلمة أخرى تأخذ من الطالبات المتفوقات العاملات المجدات ورقة الإجابة وتمررها - بالدور - على باقي الممتحنين، وعندما تحتج التلميذة او الطالبة صاحبة الورقة، تفتح لها  المعلمة صندوق القيم والمباديء والأخلاق، فتذكرها بالرحمة والتكافل والتعاون ومساعدة الغير والإيثار. ماذا نسمي هذا؟ وقاحة؟ قلة ادب؟ غباء؟ تدليس؟ ظلم؟ غبن؟ تضليل، ما بعده تضليل؟ هذا المشهد المأساوي هو - في الواقع - خليط من كل ذلك.
ناهيك عن المعلم او المعلمة التي تغضب لأن الطلبة او التلاميذ يمارسون الغش وهم يصدرون اصواتاُ تزعجها، تغضب لأنهم يتحدثون بصوت مسموع أثناء الغش، فتذكرهم المربية الفاضلة، بأنها قد تكرمت وسمحت واذنت لهم بالغش، ولكن شريطة ان يفعلوا ذلك بهدوء ودون أن يشعر احد. ليس ذلك فحسب بل تهددهم - في حالة الاستمرار في اصدار الاصوات - ان تحرمهم من نعمة الغش. شخصيا: أعجز عن إيجاد الكلمات التي تصف مثل هذا التصرف، السيدة ليست غاضبة لأن التلاميذ يغشون، وليست غاضبة لأنها سمحت لهم بالغش، بل لأنهم نقضوا العهد، وازعجوا مربيتهم المسكينة.
معلمة أخرى تتصل هاتفيا، اثناء مراقبتها، بمعلمة أخرى في قاعة أخرى، تسألها علنا وعلى مسمع من التلاميذ،عن إجابات بعض الأسئلة، التي صعبت عليها، لتزود بها الطلاب الذين تشرف على إمتحانهم. معلمة أخرى تجمع، اثناء مراقبتها لأحد الامتحانات، أوراق الطالبات المتعثرات، وتضعها بين أيدي طالبة عاملة نجيبة مجدة مكافحة جادة، وتطلب منها الإجابة على أوراق تلك الطالبات، تحت بند التكافل والمساعدة الأخوية والتعاضد. معلمة تتردد في كل دقيقة على إحدى الطالبات، وتنظر إلى ورقتها، ثم تذهب الى طالبة أخرى تعطيها الإجابات، وعندما سألت الطالبة - مربيتها الفاضلة - عن سر ترددها عليها طيلة الإمتحان تقريبا، أجابتها المعلمة: إن "فلانة" (الطالبة الأخرى) قالت لي: إنك "شاطرة" وطلبت مني ان انقل إجابتك إليها. معلمة مبدعة أخرى تقرأ الإجابات من الكتاب المدرسي علنا، على مسمع من جميع الممتحنين في قاعة الإمتحان. معلمين ومعلمات - يعطون في دروس خصوصية - يُسربون الإجابات لطلبتهم المشاركين في الدروس الخصوصية فقط. معلمة تستفسر من زميلة لها، عن سؤال من أسئلة الإمتحان النهائي، يبدوا أنها لم تستوعب السؤال او أنها تجهل الإجابة، صُدمت المعلمة - من سؤال زميلتها - لأنها هي التي وضعت الإمتحان النهائي، وأودعته بين ايدي لجنة الإمتحانات (الأمينة) أو "الكنترول"، ومن المفترض عدم تناوله او نشره او تسريبه إلا في لحظة إنطلاق الإمتحان. ومن الواضح أن المعلمة التي وضعت الإمتحان، قد قامت بتسليمه إلى الأخ المربي الصادق المخلص الكريم الأمين، رئيس لجنة الإمتحانات، والذي قام بدوره بتسريبه لبعض المعلمات استعدادا لمساعدة الطلبة، تحت نفس البند: الكرم والدعم والإيثار.
أحد رؤساء لجان الإمتحانات، في احدى المدارس، حاول إقناع إحدى المدرسات الحازمات والمخلصات لله والتعليم والوطن، بأن تأتي وتراقب اثناء الإمتحانات التي ستنظم في المدرسة. السيدة الفاضلة حقا، رفضت مهمة المراقبة، بعد ان رأت - سابقا - مذبحة الغش - من قبل الكبار- في مدرستها، ولا تريد ان تكون احدى جزارات الغش. السيد رئيس اللجنة، وفي محاولة يائسة لإقناع المعلمة بالمشاركة في مهمة المراقبة، طلب منها أن تتخلى عن الحزم، أو بمعنى أخر عن الجدية، في اداء عملها كمراقبة، قائلا، بما معناه: "وما الفائدة.. اذا كنت حازمة مع الطلبة.. أثناء المراقبة.. في إحدى الامتحانات، فسيأتي، في إمتحان أخر، معلم او معلمة أخرى.. ستقوم بتغشيشهم.. لذلك.. لا داع للحزم".
هذا المشهد فيه إعتراف واستسلام وهزيمة وعجز وشيء من الشراكة في التغشيش من قبل السيد رئيس اللجنة. كنت اتمنى ان يطلب من الشلة التي تقوم بالخيانة، أن تنظم الى السيدة الامينة، بدلاً من ان يطلب من الامناء ان ينضموا إلى طابور الخونة.
لم ينته الأمر بعد، بل إن معلمات ومعلمين وإداريون يُسربون الإجابات النموذجية، بمقابل وبدون مقابل. أما المقابل، فقد تواتر - وبقوة - على أنه مجرد دراهم بخسة معدودة، بل وقد تصل هذه الهبة العظيمة - إلى بطاقة هاتف مسبق الدفع (كرت) أحيانا، أو هبة أخرى عينية أقل بخسا. بل ان هناك من المساومات ما يخجل الصخر منها، مساومات أخجل ان أذكرها، لأنها تمثل صفعة وركلة ورذيلة وبصقة ووصمة عار على جبين الوطن الذي يعاني ويتألم ويئن من الف جرح وكارثة وجرح.
وماذا عن ولي الامر، الذي  يوبخ ويعنف ويبصق على معلمة فاضلة رفضت ان تساعد إبنه على الغش، وولي الأمر الذي اعتدى بالضرب على معلم مخلص فاضل، رفض أن يخون أمانته، فيسمح لإبن الوالد الفاضل بالغش. ناهيك عن ولي الأمر الذي يرسل، لإبنه أو إبنته، بالإجابة، عبر الفيس او المحمول او عبر غيره من جوانب تقنية "النت". من اين تحصل على الاجابات النموذجية؟ من يسمح  للطلبة بإدخال المحمولات الإلكترونية بأنواعها أو النقالات بأنواعها أو السماعات إلى قاعات الإمتحانات؟
ثم ماذا عن التهديدات التي يتلقاها المدرسين والمدرسات، تهديدات على مستوى عال من العنف، تصل الى حد التهديد بالضرب والقتل، اذا تجرأ - مدرس او مدرسة - على منع أبنائهم من الغش. بل ماذا عن الطالب الذي اجتاز المرحلة الثانوية ولا يعرف اسم المواد التي يمتحن فيها. وماذا عن مدير المدرسة الذي يطلب من بعض المدرسين الصارمين الجادين في المراقبة، ان يبقوا - ايام الامتحانات - في البيت فترتفع نسبة "التغشيش" وبالتالي نسبة النجاح في مدرسته.
هناك - اذا - فارق كبير بين الظاهرة والكارثة والوباء، لقد اصبح الغش - مرة أخرى - وباء، يهدد الأمن القومي والوطن، فبناء الأوطان يبدأ من المقاعد الدراسية.
اما نتائج ذلك فحدث ولا حرج، يصل طالب الثانوي الى الجامعة، ويحق له الإلتحاق بالكليات - حسب درجاته المتحصل عليها بالف طريقة وطريقة - او بمعنى أخر حسب أرقام  قد يكون لا معنى لها، وهنا تبدأ كارثة جديدة، يعاني تداعياتها وخلفياتها وملابساتها، هذه المرة، عضو هيئة التدريس بالجامعة، والذي يتوقع انه سيتعامل - اكاديميا - مع طالب أجتاز الثانوية بإستحقاق. لكن عضو هيئة التدريس سيكتشف حجم الكارثة الكارثة الكارثة، فتبدأ رحلة تعليم قاسية هي أقرب الى الترقيع منها الى التعليم، معاناة بمعنى الكلمة، من جميع جوانب العملية التعليمية، والضحية - مرة أخرى- هو التلميذ وعضو هيئة التدريس والوطن، فالمخرجات ستتناسب مع المدخلات.
ويزداد الألم الماً، إذا علمنا ان أغلب الطلبة الذين يمارسون الغش، هم على درجة عالية من الكفاءة، بل وقادرون على إجتياز أصعب الإمتحانات، وقادرون، بمجهوداتهم الذاتية، على المذاكرة والمراجعة والنجاح والتفوق والاجتهاد والإبداع، دون الحاجة الى الغش. لكن التسيب والعبث والتهاون والإستهتار والإهمال، من جانب الكبار، هو من جعل الطلبة والتلاميذ يستسيغون ويستسهلون ويتقبلون ويمارسون الغش، فكما يقال ان "المال السايب يعلم السرقة"، فكذلك أن التهاون بل الخيانة من قبل الكبار يعلم تلاميذنا الغش ويشجعهم عليه.
طلابنا مستعدون للعمل، للجد، للتفوق، للعطاء، للابداع، للتنافس الإيجابي، للإجتهاد، اذا تم توجيههم تربويا نحو ذلك. طلابنا مستعدون لكل ذلك، اذا سُدت في وجوههم - من طرفنا نحن الكبار - أبواب وسبل وطرق ووسائل وثغرات الغش. وبمعنى أخر، نحن من دفع بابنائنا وبناتنا لممارسة الغش بهذا الكم المرعب الهائل، سهلنا ويسرنا وزينا لهم هذا الامر. لم نخلق بينهم روح التنافس الإيجابي، لم نغرس فيهم قيم العمل وحب العمل وإتقان العمل، لم نغرس فيهم قيم التفوق والجدية والعطاء والاجتهاد والابداع والابتكار. هم، وبكل إختصار، ضحايا، ضحايا تسيبنا وإهمالنا وتهاوننا، نحن - اذا - شركاء رئيسيين في الجريمة.
بعد اكثر من ربع قرن، في مجال التربية والتعليم والتوجيه، عملت خلالها في مجال توجيه وتربية الشباب، وفي مجال التدريس بمختلف مراحله، الإبتدائي والإعدادي والثانوي، وكعضو هيئة تدريس في جامعة طرابلس العريقة - بعد اكثر من ربع قرن - تعلمت أن أعظم المعلمين، هو من يستخرج طاقات وإبداعات وإمكانيات الطالب والتلميذ، ويحفزهم على تحدي أنفسهم، والتغلب على جوانب القصور والضعف والتردد والتقصير فيهم، ويغرس فيهم الثقة بالنفس، والإنتقال بهم الى عالم الإبداع والتفوق والإتقان، بدلاً من ان يهبط بهم إلى عالم الغش والإتكالية والكسل والعبث والاستهتار.
مساعدة الطلبة على الغش، او التهاون في هذا الامر، او التغاضي، او التساهل فيه، لن تؤدي الى تمكين التلميذ والطالب من توظيف وإستخراج وتطوير طاقاته ومقدراته وإمكانياه، بل ستؤدي إلى إغتياله علميا، وستؤدي بالتالي الى اغتيال الوطن. الحزم والصرامة والجدية، في هذا الجانب، والضغط الايجابي، والتوجيه الصحيح، يدفع بالتلاميذ والطلبة، ليس فقط الى ترك وكراهية ونبذ ومقت ومحاربة الغش، بل الى التفوق. اللين والرحمة والمحبة والمساعدة، صفات رئيسة للمعلم الناجح الفعال، في جميع جوانب العملية التعليمية خاصة اثناء التعامل مع التلاميذ والطلاب، لكن - نفس المعلم الفعال - يجب أن يرتدي جلباب الأمانة والعدل والحزم والجدية والصرامة في امور الامتحانات. 
لذلك، كوني معلمة طيبة ورحيمة ومحبوبة بين تلاميذك، ولكن كوني صارمة جادة "حرفة"، في امور الإمتحانات والإختبارات والواجبات والتقييم والتقويم والدرجات. عندها، ستدفعي بهم الى نسيان ونبذ وكراهية الغش، فلن يفكروا بالغش في حصتك. ليس ذلك فحسب، بل ستفتحي أمامهم ابواب الجد والإجتهاد والمذاكرة، وستدفعي بهم إلى إكتشاف إمكانياتهم ومقدراتهم وطاقاتهم ومواهبهم ورغباتهم العلمية، بل ستدفعي بهم إلى النجاح والتفوق والفلاح، فتقدمي بذلك خدمة عظيمة جليلة لهم وللوطن.
أخجل ان اتحدث - حتى الأن - عن مسؤولية الطلبة فيما يتعلق بالغش، فلا جدوى من الحديث عن مسؤوليات الطالب والتلميذ، قبل ان يقوم الكبار (المعلمون والمعلمات والتربويون والاداريون واولياء الامور والمؤسسات التعليمية) بواجباتهم ومسؤلياتهم ودورهم، بعدها، وبعدها فقط، سأتحدث عن الطالب ودوره ومسؤلياته وأمانته العلمية، وحتى ذلك الحين علينا أن نجتث هذه الظاهرة من جذورها قبل ان يستفحل الوباء أكثر، فنضطر إلى دفن التعليم في ليبيا إلى الابد، وبالتالي دفن الوطن معه. والله ولي التوفيق.
د. فتحي الفاضلي

آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع