مقالات

أسماء الهادي

غياب أجهزة حماية المستهلك.. والموت البطيء

أرشيف الكاتب
2016/07/14 على الساعة 12:25

غياب الرقابة على الأدوية والسلع الغذائية بمختلف أنواعها أعطى فرصة للتاجر المتجرد من الإنسانية للتلاعب بأرواح الناس، وأدى عدم فاعلية جهازي الرقابة على الأدوية والأغذية، والحرس البلدي -بشكل مركزي- للتمادي في استغلال حاجة المواطن وتنامي فساد السوق، حيث أن هذا الغياب الواضح قد سلب ما تبقى من حقوق للمواطن البسيط، من توفير للغذاء الصحي والعلاج الفعّال.
وقد أدى جشع تلك الشريحة الانتهازية النفعية، وضعف الأجهزة الرقابية الساهرة على حماية أمن المواطن الغذائي، إلى توريد وتهريب بضائع منتهية الصلاحية، وافتراشها في الطرقات، وبيعها للمواطن الذي يسعد بدفعه مبالغ صغيرة مقارنة بالمتاجر التي تسعّر المواد بأسعار مبالغ فيها. ومن هنا بدأت كارثية الموضوع، حيث انتشرت وبشكل كبير "بسطات وأكشاك" مخالفة للوائح ولقوانين حماية المستهلك، وحتى لو كانت صلاحية المواد المباعة غير مزورة، تبقى نقطتين مهمتين، ألا وهما: ‘‘ظروف التصنيع، وطريقة العرض’’. فأحيانا نجد على هذه البسطات أشياء صنعت بطرق غامضة وغير صحية، وعدم معرفة البلد المصنّع، زد عليها تعريضها للشمس لفترات طويلة ومتتالية.
يرتد الأمر بالسلب على صحة المستهلك، نظرا لما تشكله هذه المواد من تأثيرات خطيرة تسبب بالأمراض الصامتة مثل مرض السرطان. فمثلا الماء المعروض في علب بلاستيكية والتي تتفاعل بشكل مباشر مع الشمس والمواد المعلبة المسبب الرئيسي لهذه الأمراض، وذلك من خلال سوء التخزين للمنتجات التي تحتوي على مواد حافظة، والخطر المحدق بأطفالنا الذي تسببه "التشيبس" وتبلور الأحماض الدهنية داخل الأكياس البلاستكية يجعلها قضية موت على هيئة رقائق.
وقد كانت هناك قائمة من 12633 مادة ممنوع دخولها للسوق الليبي نظرا لمخالفتها الشروط، هذه الكمية بحاجة قصوى لتفعيل دور الأجهزة الرقابية المتخصصة في ضبط السلع المخالفة لشروط الجودة والتي تشكل خطرا على صحة وحياة المستهلك. ولنعد قليلا إلى الماضي، ففي سنة 2008 قام مركز الرقابة على الأغذية والأدوية برفض شحنة معجون طماطم "لافيتا" 32 حاوية، قادمة من الإمارات عن طريق شركة العالم للاستيراد، وقد تم التعامل معها بشكل طبيعي، وفي سنة 2009 فوجئ هذا المركز بوجود هذا الطماطم في السوق الليبي وعمل بسرعة على جمع هذه الكميات وتحذير المواطنين منها، وقد تم التعامل مع المشكلة وأجري تحقيق فوري في القضية وقد اعترف رئيس القسم وقتها بأنه لا بد من وجود خلل في المنفذ وجاري الحل بسرعة. كما تم مؤخرا رفض بسكويت مملح بلد الصنع ألمانيا وحلوى من النمسا، السبب هو احتوائهما على بذور الخشخاش!. وتم رفض عدة سلع لاحتوائها على ألوان محظورة.
وعند النظر لتوصيات الخبراء في مجال الصحة العامة والسلامة، والنظر للسلع التي يفترض أنها غير صالحة للاستهلاك، والمنتجات الغير متوافقة دينيا مع مجتمعنا نجد أن هذا الجهاز يجب تفعيله بسرعة وبشكل فوري وعلى نطاق أوسع.
إذا على السلطات أن تعي خطوة عدم تفعيل الأجهزة الرقابية على صحة المواطن، وعليها دون تأخير السعي لتفعيلها متجاوزين أي حساسيات سياسية، وصراعات قائمة على السلطة، والمكاسب الشخصية، على كل حكومة تسيطر على نطاق جغرافي محدّد، تهيئة الظروف الملائمة لعودة جهاز الحرس البلدي في منطقتها لمباشرة مهمامه، وكذلك ضبط الجمارك، وتوفير المناخ الملائم  لمركز الرقابة على الأغذية والأدوية وجهاز الحرس البلدي والجمارك للقيام بدورهم. وفي ظل عمل هذه الأجهزة بشكل فعّال، يمكننا استيراد سلع محددة ومصنعة بشكل خاص لبلادنا وفق معايير الجودة. وقد كان السوق الليبي سابقا يستورد كل ما هو متحصل على علامة "جانفير" التي تدل على أن هذه السلع تستهلك في دول أوروبا. وقد كانت التشريعات تمنع استيراد سلع نتيجة لأسباب صحية كبلدان كثيرة الأوبئة والأمراض وكذلك سياسية (كإسرائيل)، أما اليوم فلا نعرف من أين تأتي هذه السلع أساسا.

خطورة غياب الحرس البلدي

نتيجة لغياب هذه الجاهز الذي يعتبر مكملاً لجهاز الرقابة الأساسي، تم استغلال ثقة المواطن من قبل أسماء مشهورة، من مطاعم ومخابز وحتى مصانع، سواء كان استغلالا من مالكيها، أو العاملين فيها من عديمي الضمير، وبيعت له لحوم ومواد منتهية الصلاحية، نتذكر منها في عام 2010 عندما استقبل مركز طرابلس الطبي ما لا يقل عن 40 حالة مصابة بتسمم غذائي نتيجة تناولهم وجبات "شاورما ودجاج" في أحد المطاعم اللبنانية المشهورة في طرابلس؛ وكانت للحوم منتهية الصلاحية. وفي عام 2015 استقبلت مستشفيات بنغازي عشرات المصابين بتسمم غذائي نتيجة لتناول لحوم فاسدة مشوية من أحد المطاعم. أيضا في نفس السنة أصيب 30 شخصا بحالات تسمم جراء تناول أطعمة فاسدة من إحدى محلات الوجبات السريعة في طرابلس. وقد وصل الحال بهم للربح عن طريق المتاجرة برغيف الخبز، وخبزه بمود منتهية الصلاحية لتوفير المال عليهم. وقد اشتكى بعض المواطنين على مصنع معروف محليا للعصائر المعلبة بوجود فأر متحلل بأحد العلب.. هنا يتضح جليا ضرورة وجود الحرس البلدي لتقليص الغش ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياة المواطنين. كما إن قصور فاعلية الأجهزة الرقابية أو عدم فاعليتها، يسبب ضررا على الاقتصاد الليبي وضربة تحصد الأرواح. لذا من واجب الحكومة -أو الحكومات- الآن أن توفر في السوق كل ما يصلح للاستهلاك الغذائي والطبي إنقاذا لأرواح المواطنين ولاقتصادنا المحلي.

التشريعات.. ووعي المستهلك

ولا يمكن لنا أن نغفل دور القوانين والتشريعات، ففي ظل صرامة تنفيذها، يمكننا معرفة كيفية دخول السلع للأسواق وعن طريق من دخلت. ذات مرة، تسربت للسوق سلعة ‘‘فلفل أحمر’’ تحوي مادة صبغة سودان المسرطنة. هنا.. عندما نتسائل: أين الجهاز الرقابي من دخولها -في ذلك الوقت- فإننا نجد الإجابة: أن الفلفل الأحمر ممنوع من الاستيراد أساسا، وبالتالي يمكننا تحديد أن الشحنة دخلت عن طريق التهريب. هذا كمثال بسيط لفاعلية الأجهزة الرقابية والتشريعات التي تحمي المواطن، مع الأخذ بالاعتبار الدور الرئيسي للمواطن الذي يجب على الجهات المعنية توعيته وتأهيله لمواجهة مثل هذه الأخطار المحدقة.
ومن الأدوار الرئيسية لأنقاذ صحة المواطن ما هو مؤمل من الطبيب القيام به، إذا يلعب الدور الثاني في الحد من هذه الأزمة، ويجب عليه تحذير المستهلك على مدار الأسبوع، على شاشات التلفزيون، وتقديم النصائح والإرشادات الصحية عبر البرامج المتخصصة التي تحذر المواطن، لما للإعلام المرئي من دور مهم وأساسي في حياة الليبيين بصفة خاصة، حيث الفئة العظمى مبتعدة عن الصحف بشتى أنواع عرضها، لانشغالهم بظروف الحياة والسعي لكسب لقمة العيش. فإذا قام الأطباء بعرض بعض المخاطر الصحية لهذه الأغذية والأدوية في ظل غياب جهاز الرقابة على المستهلك، سيكون لنصائحه وتحذيراته تأثيرا يحد من تنامي المشكلة. وسيطالب المستهلك حكوماته بالإسراع في تفعيل دور الرقابة، لأنه متى ما وعى بخطورة الامر وانعكاسه على صحته وصحة أبنائه، سوف يخشى شراء أي شيء، حتى وإن كان ماءاً، لعدم معرفة ما إذا كان قد مرّ على قسم التحاليل والرقابة أم لا.
يبقى المواطن الليبي بشتى فئاته فريسة للطمع والربح السريع، حيث طغت الحاجة على حسن الاختيار، واتجه للشراء غير مهتم بالنواحي الصحية مثل اهتمامه بالأسعار، وهذه النقطة يرجع سببها إلى ما قبل ‘‘ثورة السابع عشر من فبراير’’، حيث كان الدخل محدود جدا، وتفاقمت بعد هذه الثورة لأن السيولة انعدمت نهائيا، مما دفع الليبيين للمقارنة من جديد ودون خوف وبلا تردد.
ومن هنا تتبادر على الذهن الأسئلة والاستفسارات التالية: أين هو المواطن الليبي من الوعي الثقافي بشتى فروعه؟ وهل أصبحت صحته آخر ما يهتم به؟ وهل أصبح المواطن فأر تجارب لذوي المراكز والنفوذ التجاري حيث يتاجرون بحياتهم عن طريق بيعهم سموم بطيئة المفعول؟. أين دور الرقابة على الأغذية من هذه المواد قبل توزيعها على الأسواق وحتى قبل تفريغها في الميناء؟. وهل قدم الطبيب الليبي دورا مهما في الحد من هذه الظاهرة أم اكتفى بدور المتفرج؟..... تساؤلات مشروعة تستحق أن نجد أجوبة عليها..

أسماء الهادي
كاتبة ليبية
asma.alhadi2014@gmail.com

محمد علي المبروك | 15/07/2016 على الساعة 15:38
موضوع مهم
الموضوع مهم جدا لصحة الشعب الليبي وبارك الله في هذه الكاتبة المجودة في اجادتها في طرح الموضوع هناك الان مواد غذائية ضارة بل فاتكة تستهدف الليبيين تسبب اخطر الامراض واشده وتباع علنا في الاسواق ويقتنيها الليبيين دون دراية وحسبنا الله في ليبيا الضائعة
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع