مقالات

غسان عتيقة

قراءة في كتاب "بالبو، حياة فاشستية" (12/4)

أرشيف الكاتب
2017/04/21 على الساعة 19:16

إقالة وتهديد بالاستقالة

مع السن السابعة وثلاثين وفي قمة مجده كوزير للطيران وكونه عمليا الرجل الثاني لموسوليني ليصبح بين ليلة وضحاها كالصقر مكسور الجناح يستعد لمغادرة وطنه نحو منفى مجهول موحش لا يرتبط بأي رابط روحي او عاطفي معه. ترتبط عمليات النفي اوالابعاد بمغادرة ارض الوطن بدون اي تكريم او احترام لمسيرة المنفي نفسه. في حالة بالبو، تم اغراقه بالتكريم بدء من الحفل الرسمي لترقيته كمارشال جو في بلدته "فيرارا" (قام موسوليني بترقيته لهذه الرتبة قبل ذلك بضغط من بالبو نفسه قبل اصدار اي مرسوم ملكي!) والذي هز بالبو فيه مشاعر الاف الجماهير المحتشدة عندما صرخ قائلا: "ايها الدوتشي، شكرا لك لمنحي كل هذه المهام العظيمة، شكرا لك لايمانك بقدراتي القيادية، شكرا لك لمنحي الفرصة ليرى العالم كله بلدي وبلدك ايطاليا، ثورتك وثورتنا"... اخرج بالبو كل ما يعتري صدره من غضب واهتزت قاعة مسرح فيردي - حيث كانت مراسم التكريم - بالتصفيق الحار المختلط بالدموع والهتافات  المدوية لابن فيرارا المغادر اهله ووطنه نحو المجهول.

رغم كل التكريم وخروج معجبيه ورفاقه وجنوده المودعين له من محطة قطارات فيرارا مرورا بروما حتى وصوله لميناء نابولي، استعدادا للابحار نحو مرفأ طرابلس، وخروج طائراته فوق سماء نابولي تحية له - بما فيها طائرته (I-BALB) التي اقتربت من المدمرة التي تحمل بالبو واسرته ومرافقيه لتحيته وارسال اشارة راديو للمدمرة مفعمة بالتمنيات الطيبة للمارشال في مهامه الجديدة - رغم كل هذا التكريم لم يترك موسوليني اي فرصه تفوت للتنغيص على المارشال الجريح.

مع مغادرة بالبو منصبه الوزاري، استفسر موسوليني عن العدد الحقيقي للاسطول الجوي الايطالي بعد اسبوع من طلبه من بالبو الاستقالة في 7 نوفمبر. ذكر بالو في لقائه مع الدوتشي ان مجموع الاسطول يتكون من 3,125 طائرة  كما هو مسجل في سجلات الوزارة الرسمية الموقعة من بالبو ووكيل وزارته الجنرال جيوزيبي فاللي. رد موسوليني في رسالته لبالبو انه قام بطلب جميع المراجعات الضرورية وتبين له ان عدد الطائرات الجاهزة للخدمة هي 911 طائرة وعبر الدوتي عن امتعاضه من ذلك الاكتشاف.

تلقف بالبو التهديد المبطن والذي هو ربما رد على مكالمته الهاتفية الغاضبة لزوجته بعد طلب ارغامه على الاستقالته والتي هدد فيها بالبو بتحطيم انف موسوليني.وتلقفها موسوليني نفسه من قبل رجال مخابراته.رد بالبو فورا على رسالة الدوتشي باصراره ان تعداد الطائرات ال3,125 صحيح وانه يشمل الطائرات تحت التصنيع و قسم للطائرات الى: 703 مقاتلة، 578 قاذقة، 484 طائرة استطلاع، 59 على متن سفن، 344 طائرة تدريب و957 طائرة نقل. لزيادة عمق جروح المارشال، امر موسوليني بتطهير قطاع الطيران من ال"البالبويون" او كل المقربين من بالبو وابعادهم بشكل حازم.

وصل بالبو لطرابس يوم 15 يناير 1934 وعقب جولة في المدينة، استلم المارشال في اليوم الثاني منصبه بعد تكريم الحكام السابقين له/ فولبي، دي بونو وبادوليو. تعهد بالبو بمتابعة مسار سابقيه الذين جلبوا "الحضارة والرفاهية" الى المستعمرة. حياه الحاكم السابق باديليو بقوله: "عزيزي بالبو، لا تعلم مدى حزني لمغادرة هذه المستعمرة". فرد عليه بالبو: "عزيزي باديليو، حزنك بالمغادرة لا يقارن ابدا بمدى حزني للوصول هنا" (...)

كأشارة لسعيه للسلام مع صديقه اللدود، ارسل بالبو فور استلامه لمقره في القلعة التركية (السراي الحمراء) تلغرام لموسوليني قائلا: ابدأ عملي الجديد هنا بهتافي... فيفا الدوتشي!" علق موسوليني، حسب سكريتيره الخاص على تلغرام بالبو: "جاءت متأخرة جدا". بعدها وبعد اربع ايام من وصوله لطرابلس ارسل المارشال رسالتان لـ "دي بونو" (حاكم طرابلس السابق ووزير المستعمرات) يشتكيه الخروج المذل من وزارة الطيران وشكوكه بتجسس شرطة موسوليني السرية عليه. قال بالبو في رسالته: "بقيام القائد العام (موسوليني) بترقيتي كمارشال، وجب عليه ان لا يظن انه سلمني لقبا ديكوريا رخيصا بل منحني رتبة شرفية عالية جدا لادافع عنها كجندي بكل كرامة وشرف"... استمرت تهديدات بالبو المبطنة في رسالته ل دي بونو: "قل لموسوليني، رفيفي في مسيرة 1922، لو ارادني اثبات ولأي له كما يفعل الساموراي، فانا مستعد بالكامل لقتل نفسي غدا وانا طائرا في الجو. لا اهاب الموت لكن وجب احترام رتبتي العسكرية لان كرامتي هي كل شيئ"... وهدد بالبو في رسالة اخرى انه لو لم  يلقى الرضا من الدوتشي فانه سيستقيل من منصبه و ينعزل الى حياته الخاصه.

قد تكون فكرة نهاية بالبو مثل الساموراي لاثبات ولائه قد راقت لموسوليني لكن لم يستسغ تهديده بالاستقالة بعد خمس ايام فقط من وصوله لطرابلس. اعتزال بالبو يجعل من الصعب على موسوليني مراقبة تحركات غريمه تحت امرته. بعدها توقفت تحرشات موسوليني لبالبو واعطي له اشارة رضا الدوتشي ومباركته له في مهامه الجديدة كحاكم لهذا المنفى البعيد عن وطنه من مكتبه المطل على الافق المغطى بمزيج من نخيل الواحات والمزارع المتناثرة وزرقة البحر المتوسط ونسائمها الشتوية الباردة في يناير 1934.

 


 

يتبع...

غسان عتيقة

* راجع الحلقات السابقة (رابط)

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع