مقالات

د. الصديق بشير نصر

هؤلاء حدثوني... (4) على الصادق علي حُسنين

أرشيف الكاتب
2017/04/19 على الساعة 21:18



جمعتَ إلى الحُسْنِ حُسناً آخرَ  * * *  فلله دَرُّ أبيك من حُسنَينِ

كنتُ في يفاعتي أسمع جَدّي، رحمه الله، يردّد قولاً كثيراً ما ينثالُ على ألسنة الناس: "معرفةُ الرجال كنزٌ". وهذا صحيحُ بلا ريب. وكنوزُ المالِ تفنى وتبيد، وكنوز الرجالِ تفيض وتزيد. وكنوز المال ينازعُك فيها السفهاءُ وسِفْلةُ الناس، وكنوزُ الرجالٍ يشاركُك فيها النبلاءُ والفضلاءُ.

لقد منّ اللهُ عليّ بكنوزٍ مِلؤها رِجالٌ قلّ نظيرُهم في مثل هذا الزمان. وإنني أحمدُ اللهَ، كلما أخلدتُ إلى النوم ووضعتُ رأسي على الوِساد،  أنّه ساق في طريقي كلَّ أبيِّ النفسِ، سَمْحِ الخُلُقِ، عفِّ اللسانِ، كريمِ السّجايا، وجنّبني صُحبةَ  اللئام وأخلاطِ الناسِ وأوشابِهم.

في بيت الشيخ يوسف طاباق كنتُ أسأله عمّن أدرك الشيخَ عبدَ الرحمن البوصيري، قاضي قضاة طرابلس، أو عمن سمع عنه وإن لم يُدرِكْه.  فقال لي أنّ فاضلاً من فضلاء طرابلس اسمه علي الصادق حُسنين له شغفٌ كبير بدراسةِ تاريخِ طرابلسَ وأعلامها، وهو باحثٌ منقِّبٌ في الوثائق التاريخية ولا سيما المكتوبة بالإيطالية. وطلب مني الشيخُ يوسفُ أنّ أتّصِلَ بهذا الأستاذ، وسوف أجد عنده حاجتي، لكنني تحرّجتُ من ذلك واستثقلتُ الأمرَ. لم يمضِ على ذلك طويلٌ من الوقتِ  حتى كان ذات يومٍ اتّصل بي موظفُ الاستقبال بالشركة حيث أعمل يخبرني بأن زائراً يريد مقابلتي، فأذِنتُ له. دخل الرجلُ إلى مكتبي وقد بدا عليه سَمْتُ الوَقَار وكان يرتدي معطفاً أسودَ، ويضع على رأسه (كُلباك)، ويحمل في يده حقيبةً جلديةً. قدّم إليَّ نفسَه إنه «علي الصادق حُسنين» من طَرَفِ الشيخ طاباق، وأنه يحمل لي مقالاتٍ للشيخ البوصيري جمعها من صحفٍ قديمةٍ، مثل: الرقيب العتيد، والترقّي، والمرصاد. اعتراني فرحٌ شديدٌ  لمقابلة هذا الرجل النبيل، وخالطني، حينما وقف أمامي،  شعورٌ بالزهو والإعجاب. إذ كيف لهذا الرجل الذي هو في مكانةٍ عاليةٍ وفي عمر أبي أن يتعطّفَ ويكلّفَ نفسَه الحضورَ إليّ وأنا صاحبُ الحاجة، والأصلُ - أدباً وعُرفاً - أنّ صاحبَ الحاجةِ مأسورٌ بحاجته، وقاضي الحاجاتِ يُؤتى ولا يأتي، ولا أعرف لسلوكِ الأستاذِ من معنى إلا المروءةَ. وقديماً قالوا: "لاَ يَنْفَعُ عَقْلٌ بلا ورَعٍ، وَلاَ حفظٌ بغير عقلٍ، وَلاَ حسَبُ بِغَيْرِ أَدَبٍ، وَلاَ غِنىً بِغَيْرِ جُودٍ، وَلاَ مُرُوءَةُ بِغَيْرِ تَوَاضُعٍ". ولا يخامرني شكٌّ قطُّ أنّ المروءةَ تشرّبها هذا الرجل مع لِبان أمّه، ولا إخالها تُكتسبُ اكتساباً عند مَن تربّى في حِجْرِ مَن لا يعرفُ للمروءات قدْراً ولا معنىً، وما أصدقَ قولَ الشاعرِ:

إذا المرءُ أعيته المروءةُ ناشئاً * * * فَمَطْلَبُها كهلاً عليه عَسيرُ

علي الصادق خُسنين تراه صبوحاً لا يُغادر الابتسامُ وجهَه، حتى لكأنّ البِشْرَ حِيزَ له وحدَهُ، فإن أقبلَ عليك فالتــــواضُعُ  كلُّه . ومن العُلوّ صِيغ اسمُه، والصدقُ والحُسنُ رَسْمُه وحَدُّه. سألتُه أنْ احتفظَ بما جاءني به لأصوّره لاحقاً، ابتسم الرجلُ وقال لي: هي نُسَخُ أعددتها لك.

طِرتُ في اليوم التالي فَرحَاً إلى الشيخ لأشكرَه على هديته الثمينةِ، والكنزِ الذي أعطانيه. وجدتُ يومها عنده رجلاً كهلاً، أسمرَ اللون، وكان يتحدثُ مع الشيخِ ويطوف في أرجاء بيته في غير تكلّف، فخمّنتُ أنه لا ريبَ من خُلّصِ  أصحابِه. حينما كنت أتحدثُ بإعجابٍ عن الأستاذ عليٍّ، تدخّل هذا الرجلُ وسأل: مَن عليٌّ هذا الذي تتحدثان عنه بكلّ هذا الإطراء والإعجابِ؟ أجاب الشيخ يوسف: عليّ حُسنين. اعتدل الرجلُ وكان مُتكِئاً، وقال: "عليوة"؟. وقد تبيّن لي أنّ للرجل معرفةً قديمةً بالأستاذ عليّ حتى إنه كان يتكلّم عنه باسم "عليوة" تحبّباً، شأن الليبيين عامةً والطرابلسيين خاصة، فينادون "احميدة" لمن اسمه محمد، و"اصطوفة" لمن اسمه مصطفى، و"حسونة" لمن اسمه حسن، و"سلومة" لمن اسمه سالم. وقال لي قولاً لم أنْسَهُ أبداً: عليوة، سلني أنا عنه. فقلتُ له في حضرة الشيخ يوسف طاباق: "هات إذا حدّثني عنه". قال بعد أن أفاض في ذكر مناقب الرجل: "كنت في ظهيرة يومٍ من الأيام عائداً من العمل على ظهر دراجتي، فاقتربت سيارةٌ من خلفي تسير ببطء، وصاحبها يقرع المنبّه، فرفعتُ يدي مغتاظاً، ولسانُ حالي يقول: "الطريق واسعة". اقتربت مني السيارةُ أكثر فأكثر حتى كادت تلامسني، وإذا بصاحبها يخاطبني ويقول لي: "إلوي واشبح إلى قدّام"، نظرتُ فإذا هو صاحبي الأستاذ علي حسنين. أوقف سيارتَه وسلّم عليّ، وسُرِرتُ بذلك سروراً عظيماً وكان يومها وزيراً للخارجية. وقال لي: " لا مفرّ الآن إلا أن تُغذيني أو أغذيك". فقلتُ له: "أنتم الوزراء، ونحن الرعية. والأليق بالرعية أن يُستضافوا وبالوزراء أن يُضيفوا"، فأجابه بالإيطالية: "tutto apposto"، أو قال له: va bene أي: حسناً. فقال لي: "تعال اركب"، قلتُ: "وماذا أصنع بالدراجة؟"، قال: "يوجد في رأس الشارع محل دراجات (سكليست) نضعها عنده، وتأخذها منه بعد العصر". وكان الأمر كذلك. ذهبنا إلى بيت الأستاذ عليّ - وأظنه قال لي إنه كان يومئذ يقيم مع والدته في بيت العائلة - يقول الأستاذ محمد سعد: " وأخذت تراودني صورٌ وأخيِلةٌ عن مآدبِ الملوكِ والسلاطين والوزراء التي تجمع كلّ صنوفِ الأطعمةِ والأشربةِ مما لذّ وطاب. في بيت الأستاذ عليّ تناولنا طعامَ الغذاء، وكان لا يختلف أبداً عن طعام أيّ أسرة ليبية متوسطة الحال، ومن المؤكد أنه معتادُ طعامِهم حيث إنّ هذه الزيارة جاءت عفواً بلا تخطيط. وقال الرجلُ: " تناولتُ بعدها الشاي الأخضر" ثم انصرفت إلى حالي. قال مستطرداً، وهو موطنُ الاستشهادِ من سَوْقي هذه الحكاية: "هو ذا الأستاذ عليّ الذي عرفناه في بساطته وتواضعه، ولو تغيّر كلُّ الناسِ من حوله، بل الدنيا كلّها، ما تغيّر، وإلا لكان شخصاً آخرَ غير الذي نعرفه". كان ذلك الرجلُ يُدعى محمد سعد، وقد اكتشفتُ أنه كان صاحباً لأبي وله صورُ تجمعه به. سألتُ عنه الأستاذَ مؤخراً، فقال لي إنّ محمد سعد هذا كان صاحبَ مكتبٍ  للترجمة في شارع الإستقلال، وقد عملا  معاً في مراجعة حسابات بعض الشركات المحلية في ذلك الوقت.

أذكرُ مرّةً أنّي سمعتُ حديثاً يجري بين طالبٍ ليبي وأستاذٍ مصريٍّ عن فن العمارة الإسلامية، فقال الأستاذُ المصريُّ للطالبِ: "ثمة كتابٌ لمهندسٍ معماريٍّ عن فن العمارة الإسلامية في ليبيا، قام بترجمته أستاذ مصري اسمه علي حَسنين (بفتح الحاء)، فعليك به. وجدتُ نفسي مدفوعاً لأصحّح ما وقع فيه الأستاذُ من خطأٍ، فقلتُ له: إنه أستاذٌ ليبيٌّ. قال: "ليبي واسمه حَسنين!!، هذا عجيب. نحن المصرين نسمي: حَسنين، ومحمدين، وعَوَضين". وتلك قرينةٌ عنده على مصرية المترجم. هكذا شأن كثير من أعلام هذه البلد ومشاهيرها يُنسَبون ظلماً وعُدواناً لغيرها. فيصير أحدهم تونسياً أو مصرياً أو شامياً، فابن منظور تونسيّ أو مصريّ ـ وابن زياد أحد رواة موطأ الإمام مالك تونسي، وفي أحسن الأحوال إذا نسبوا العالمَ أو الفقيهَ إلى طرابلس، يقولون: الطرابلسي المغربي. هذه أحوال علماء ليبيا، يُعَاملون من ذويهم، قبل الغريب، وكأنهم نكراتٌ غيرُ مقصودة.

نازعوني شرفاً أوتيتُه قِدَماً  * * *  وخلعوا على غيري كلَّ صفاتي

فَمَن علي الصادق حُسنين؟

وُلِد هذا الأستاذ الألمعيُّ في طرابلسَ الغرب في العشرين من شهر مارس عام  1925م، وهو ينحدر من أسرةٍ عربيةٍ أقامت من قديمٍ  في طرابلس. وكان أبوه الصادق حسنين يعمل في التجارة. ذهب إلى نيجيريا وظلّ بها سنواتٍ طويلة وأدار دكاناً لبيع شتى السلع بمدينة (كانو). وعن أبيه الصادق حُسنين كتب الأستاذ عليّ يقول في بحثٍ له بعنوان (شارع كوشة الصفّار بين ذاكرتين) يتعلّق بتاريخ المدينة القديمة وساكنيها:

الصادق حسنين، والد الأستاذ علي

"كانت حركة الجهاد ضد المغتصبين الايطاليين لا تزال في أوْجِها ودَفَعَت كثيراً من المواطنين إلى الهجرة في محاولةٍ لمزاولةِ مهنةٍ أو حِرْفةٍ يسترزقون منها. إن والدي - رحمه الله - لم يعد يملك رأسَ مالٍ يمكّنه من أن يستقلّ بعمله التجاري،  وقد سبق له أن زاول المحاسبةَ والمراسلةَ التجارية محلياً مع رجل أعمال نمساوي يدعى رودولفو غازنسكي، حيث اكتسب من ذلك مزيداً من الخبرة التجارية والتمرس في اللغتين الإيطالية والفرنسية، فضلاً عن حُسْنِ خـــطّه وإنشائه باللغة العربية واللغتين الأجنبيتين المذكورتين. وفي فـترة لاحقة - حوالى سنة 1925م - عرض علـــيه صديقُه المرحوم الطيب الحضـيري العملَ معه في نيجيريا محاسباً وكاتباً، فدفعته ظروفٌ خاصةٌ إلى قَبول العَرْضِ، ولم يلبث أن احتفل بخِتاني - وأنا في اليوم الأربعين من عمري - وأعدّ العُدّةَ لمغادرة طرابلس بحراَ عن طريق تونس ومرسيليا وداكار عاصمة السنغال وكوتونو عاصمة داهومي، ثم واصل الرحلةَ بالقطار- عبر لاجوس - إلى كانو  حيث تسلّم وظيفته وباشر عملَه. وبعد فترة من الزمن استطاع أن يستقلّ بنفسه ويفتتحَ دكانَ بقالة لحسابه. وكان من جملة السلع التي كان يبيعها العطور ومواد الزينة والخردوات وحتى الإسمنت. وفي موسم جني الكاكاوية (الفول السوداني) كان ينتقل إلى المناطق الريفية لابتياع ما تيسر من المحصول لحساب أحد وكلاء الشركة البريطانية الكبيرة المحتكرة لهذا المنتج. ولما زارنا للمرة الثانية في سنة 1931 لاحظ ازديادَ عددِ الأسرِ الايطاليةِ المقيمةِ في أرجاء البلاد ولا سيما في منطـــقة شارع ميزران  الأمر الذي جعله ينقلنا  قبل مغادرته إلى (حومة المسلمين) - على حد قوله - داخل أسوار المدينة القديمة حيث استأجر لنا البيتَ رقم 5 بزنقة المُكّني المتفرعة عن شارع كوشة الصُفّار. بعد غياب دام نحو 18  سنة زارنا سنة 1950 إبان الإدارة البريطانية التي حلت محلَّ الحكمِ الاستعماري الإيطالي. وفي إحدى الأمسيات وبينما كنّا جالسين معاً في صَحْنِ البيت حول (عالة الشاهي) لاحظ أنني وأخي كامل لم نكن من المدخنين، فأعرب لنا عن ارتياحه لعدم تحكم عادةِ التدخين فينا. فكان جوابي عليه بالقول المأثور (الإبن نسخةٌ من أبيه) حيث إننا لم نعهده يدخّن. ولكنه أفشى لنا سرّاً بأنه كان في وقت من الأوقات يدخّن (وبالفعل وجدت بعد وفاته صورةً له ممسكاً بسيجارة بين أصبعيه)، وبأنه عقد العزمَ ذات يوم على الانقطاع عن هذه العادة شارحاً لنا الأسبابَ. حين كان يعمل بدكانه في شارع كوشة الصفار اعتاد أحدُ الجيران - لم يذكر لنا اسمه - المجئَ إليه في ضُحى كلِّ يوم تقريباً طالباً "برم سيجارة". إن تَكْرار هذا الأمر قد أزعج والدي وتعقّد منه وأصبح هاجساً عنده. فذات ليلةٍ وهو في طريق عودته من الدكان إلى البيت عاوده هذا الهاجس فصمّم على التخلّص منه في اليوم التالي بالانقطاع عن التدخين كلياً. وفي الغد فتح دكانه صباحاً  كالمعتاد ووضع كعادته "كوتى"- أي علبة - الدخان بما فيه من تبغ وورق "البافرة" ووضع عليه علبة الكبريت  "الوقيد" عاقداً العزم - لدى حضور جاره كالعادة - على أن يجيبه بالآتي "أدخل الدكان وخذ الكوتى والبافرة والوقيد ولا تعد تطلبها منى بعد اليوم لأنني تبتُ عن التدخين!".

أثناء غياب والده تولى خالُه (محمود مصطفى الفيلالي) رعايتَه ورعايةَ أشقائه ، وكان خالُه هذا مشرفاً بمكتب الفنون والصنائع، وتولى خالُه الأصغر (يوسف مصطفى الفيلالي) اكتتابه بمدرسة الأمير بيامونتي  الابتدائية الإيطالية (Elementare Principe di Piemonte) أي مدرسة أحمد قنابة حالياً، وهي الكائنة بشارع (المأمون) أو شارع مانزوني قديماً، وقد كان خاله هذا مدرساً بالمدرسة ذاتها. وتعلّم اللغةَ الفرنسيةَ بعد المرحلة الابتدائية (لم يتذكر المدرسة)، وتعلّم اللغة الإنجليزية بالمدرسة الإيطالية ليتشيو Liceo، وهي مدرسة على حيدر الساعاتي حالياً.

ولا شكّ أنّ الأمّ الليبية أمٌّ يُضربُ بها المثلُ في التضحيةِ والبًذْلِ، وإن كانت محرومةً من الذكرِ، وذلك شيءٌ مَعيب. ولوالدة الأستاذ عليّ دورٌ كبيرٌ في تنشئته وأخوته في غياب أبيه لسنواتٍ طويلة، ودليلُ حسنِ تنشئتها وتربيتها هذا النموذج المتفرّد المتمثل في ابنها عليّ وأخيه الأستاذ كامل. وكم من أمهاتٍ كريماتٍ عانين من شظف العيش، وكم احتملن من معاناةٍ في سبيل أن يَسلُكَ أبناؤهن طريقَ النجاح. هنّ بحقّ شقائقُ الرجال. وكانت جدتي رحمها الله تقول عند ذكر بعضهنّ: "امرأة بمائة رجل".

تعلّم الأستاذ عليّ حُسنين في المعهد العالي (غولييمو مركوني) بطرابلس سنة 1948م للتأهيل التقني التجاري. وفي مدرسة أمير بيامونتي تعلّم إلى جانب الإيطالية اللغةَ العربيةَ على يد الشيخ أحمد البكباك، جدّ صديقنا الدكتور سامي البكباك، وكان من أساتذته في تلك المدرسة نخبة من المعلمين من الطبقة العالية، ومن هؤلاء: الأستاذ علي فكري التركي، والأستاذ علي حيدر دريبيكة، والأستاذ أحمد راسم قدري. وهذا الأخير أديبٌ وشاعرٌ مطبوع يجيد الإيطالية والتركية، والأستاذ حسين الغنيمي. ومن الإيطاليين الأساتذة: لويجي كركو Luigi Carco، وباسانتا لويجي Passanta Luigi.

سألته مرّةً: "أرى لغتَك العربية منضبطة نحواً وصرفاً وكذلك إملاءً، فكيف حذقتَ العربية وأوّلُ تعليمك كان في المدارس الإيطالية؟". أجابني: "رأيتُ من العيب أن تكونَ معرفتي بالإيطالية عميقةً ومعرفتي بالعربية سطحية، فجلستُ أهذّبُ لغتي العربية في دروس الشيخ عمر الجنزوري رحمه الله، وهكذا كان الأمر"... انصرمت الأيامُ وتوطّدت صلتي بالأستاذ علي حسنين، وزادت معرفتي به، ورأيتُ من الفضائل عنده ما لم أره عند غيره لاسيما التواضع والحِلْم، وكأنّ قيسَ بن زهير يعنيه بقوله:

أظنّ الحِلْمَ دلَّ عليّ قومي * * * وقد يُسْتَجهل الرّجُلُ الحليمُ

أو كأنه المرادُ من قول الشاعر:

تواضَع  كالنجمِ  استبان  لِنَاظرٍ * * * على صفحاتِ الماءِ وهو رفيعُ
ومَن دونَه يسمو إلى النجم صاعداً * * * سُمُوَ دخانِ النّارِ وهو وضيعُ

طلبتُ منه يوماً أن يترجمَ لي مقدمة كتاب ديفيد سانتللانا (1845-1931) David Santillana عن الفقه المالكي Istituzioni di diritto musulmano malichita. وسانتللانا هذامستشرقٌ إيطاليٌّ وُلِد في تونس ودرس في روما، وعُهِد إليه بوضع القانون المدني والتجاري في تونس إبّان الاحتلال الفرنسي، كما عُيّن لتدريس الفلسفة في جامعة مصر القديمة (الأهلية) قبل أن تُسمى باسم جامعة فؤاد، ومن بعدُ جامعة القاهرة. وهو مّن قام بترجمة مختصر خليل في الفقه المالكي بالتعاون مع المستشرق الإيطالي البروفيسور اغناتسيو غويدي. كما يُسجّل لسانتيللانا أنه من أوائل المستشرقين الذين أنصفوا الفقه الإسلامي. وافق الأستاذ عليّ حُسنين، عن طيبِ خاطر، أن يترجمَ لي مقدمةَ كتابِ سانتللانا المشار إليه آنفاً، وضربنا لذلك توقيتاً بضعَ ساعاتٍ في أيام الجمعة بُعَيد صلاةِ العصر. وطلبتُ منه أن أُحضِره إلى بيتي بسيارتي فأبى، وقال لي إنه يأتي بالحافلة الشعبية التي يُطلق عليها اسم (إيفيكو)، فقلتُ في خاطري: "هذا الرجلُ الكبير سِنّاً ومقاماً يزاحم الناسَ في سيارة إيفيكو عامة، وناهيك بها من سيارة!!، يالهذا الزمن العجيب!".

في تلك الجمعات  كان يمرّ أولاً  بصديقه الدكتور عبد الرحمن إندير صاحب المستشفى المشهور ليعوده في مرضه وقد أُجريت له عمليةٌ على القلب، وكان الدكتور إندير يسكن قريباً مني في حي الأندلس. وقد زرته مرّةً واحدةً في بيته بمعيّة الأستاذ عليّ، وكان رجلاً فاضلاً رأيتُ منه ظُرفاً ولُطفاً مع أنه لم يَبَلّ يومئذٍ من مرضه بعدُ. رحمه الله رحمةً واسعة. كنا نجلس من بعد العصر إلى ما بعد صلاة المغرب، والأستاذ يقرأ من النص الإيطالي ويترجم لي رأساً إلى العربية وأنا أدوّن. وكنّا نتوقف من حين إلى حين لرد الشواهد التي يستشهدُ بها سانتللانا إلى مظانها في كتب التراث العربي، أو حينما يستشكل علينا مرادُ المؤلف. وأذكر مرةً أنه ترجم لي عبارةً من مقدمة كتاب سانتللانا، هي في الأصل اقتباس من مقدمة تاريخ ابن خلدون، فتوقفَ الأستاذ عندها، وقال لي: "أشكّ أن تكون عبارةُ ابن خلدون هكذا". فطلبتُ من الأستاذ أن يقرأ عليّ العبارةَ في ترجمتها العربية  فقلتُ للأستاذ:" صدقتَ. غريبُ أن يقولَ ابنُ خلدون مثل هذا الكلام". طلبتُ من الأستاذ أن يدقّق في النصّ من جديد لعلّنا نتوهّم. قال لي: "هكذا هو مكتوبٌ أمامي". نهضتُ فاستخرجتُ مقدمةَ  ابن حلدون من مكتبتي وراجعنا النصَّ، فلم نجده كما ذكره سنتللانا ـ بل حرّفه حتى أفسد معناه. كان الأستاذُ يمسك بكتاب سانتللانا في لغته الإيطالية القديمة التي قلّ من يفهمها الآن، ويترجمُ لي مباشرة ولم يرجع مرّة واحدة إلى القاموس، وكانت كثيرٌ من الألفاظ تعود في جذورها إلى اللغة اللاتينية، حتى إنني سألته مرّةً إن كان يعرف اللاتينية فأجابني بأن دراسة اللاتينية كانت جزءاً من المنهج الدراسي في المدارس الإيطالية في ذلك الزمان، باعتبارها اللغةَ الأم للإيطالية. ونحن، اليوم، لا نجلس لترجمة نصٍّ من النصوص في الإنجليزية إلا وقد تكدّست بجانبنا قواميسُ مختلفةٌ: لغويةً، وتاريخيةً، وثقافيةً، من أجل الوقوف على المعنى الدقيق للمفردات، والتراكيب، والمرادفات.

قال لي مرةً صديقي العزيزُ الأديب الشاعرُ صاحبُ الخلق الرفيع د. عبد الحميد الهرامة، وهو مستاءٌ إنه دخل إلى أحد دهاليز كاثدرائية ميدان الجزائر، وقد حُوّلت إلى جامع فساءه أن يرى مكتبة الكاثدرائية وما تحتوي من كتبٍ نفيسةٍ بالإيطالية ـ وربما بلغاتٍ أخرى، فضلاً عن الوثائق التاريخية، قد أُلقيت على الأرض مهملةً، وربما تعرّضت للأذى بفعل الرطوبة حيث لا هواءَ متجدّدٌ يدخل إلى المكان، ولا عاملَ تنظيفٍ يقومُ بإزالةِ الغبار عنها. وأخبرني أنه تحدّث في هذا الشأن مع عميد كلية الدعوة الإسلامية، واتفقا على استخراج تلك المكتبة من ذلك المستودع، وجلبها إلى مبنى كلية الدعوة الإسلامية الجديد في طريق السواني. وسألني إذا كنتُ أعرف أحداً يمكنه القيامُ بفهرستها، فأجبته على الفور: الأستاذ علي حُسنين. وبالفعل حدثتُ الأستاذ بذلك فوافق دون تلكؤ، وكيف لا يكون ذلك كذلك وقد وضعنا بين يديه طعامَه المغري: التاريخ والوثائق القديمة. لم يشترط الأستاذ للقيام بهذا العمل إلا شرطاً واحداً، وهو تعريضُ الكتبِ والوثائقِ للشمس والهواء لبعض الوقت لأنها موبوءة، ثم تخصيص مكتبٍ صغيرٍ للجلوس فيه من أجل القيام بهذا الواجب، وتمّ الأمر على ما يهوى. دخلتُ عليه في أحد تلك الأيام بينما هو عاكفٌ على الفهرسة، ووقفتُ بالباب ولم ينتبه إلي، فرأيتُ رجلاً مستغرِقاً في عمله شغوفاً لا يكترث للغادي والرائح. أثار انتباهي أنه كان يرتدي صدرية أشبه بصدريات العمال في المعامل، ويلبس في ذراعيه قطعتين من القماش تغطيانهما من الرسغين إلى المرفقين  ليقيَ ملابسَه من الغبرة العالقةِ بالكتب.

كان للأستاذ أسلوبٌ في الفهرسة غير مألوفٍ عندنا، لم أره إلا عند بعض كبار المستشرقين أمثال فلهلم ألفرت البروسي Wilhelm Ahlwardt في فهرسته للمخطوطات العربية بمكتبة برلين الوطنية Staatsbibliothek zu Berlin، حيث لم يكتف الأستاذُ علي حُسنين بترجمة اسم الكتاب، وذكر اسم المؤلف، وتاريخ الطبعة، واسم الناشر فحسب، بل تعدّى ذلك إلى تلخيص محتوى فصول الكتاب، وقد يجد ما يُثيره في الكتاب فيترجم منه فصلاً  كاملاً أو فصلين. فكانت فهرستُه أشبهَ ما تكون بعرض علمي للكتب Book review، وقد نُشِر بعضُ تلك التلخيصات في أحد أعداد مجلة كلية الدعوة الإسلامية، أذكر منها ما كتبه عن يوميات بعثة الفرنسيسكان التبشيرية إلى طرابلس، وهي ما تُعرف باسم الكتاب القديم IL Libro Vecchio، وهو سجلّ، أو بشكلٍ أدق، سجلاتٌ للحوادث التي وقعت في طرابلس وكان للكنيسة بها صلة منذ عام 1638 إلى حقبة الاستعمار الإيطالي . وكانت تلك السجلات تُرسَلُ إلى الكنيسة في روما  من حين إلى آخر، وقد تَلِفَ بعضُها، وقام بعض الباحثين الإيطاليين بترميم ما فسد، وبذلك حُفِظَ من الضياع. وقد عملت السلطاتُ الإيطاليةُ بكل ما وَسِعها للحصول على ما بقي من تلك السجلات في كاثدرائية ميدان الجزائر، ويبدو أنها أفلحت في ذلك حيث اختفى ما تبقى من السجلات. وقد سمِعتُ من المرحوم الدكتور محمود التايب ما يؤكّد ذلك. وما كتبه الأستاذُ حسنين عن تلك السّجلات أو (الكتاب القديم) يُظْهِرُ القيمةَ التاريخيةَ لها.

في أكتوبر 2005 نظّمَت نقابةُ العمال بشركة آجيب ندوةً علمية بمناسبة ما كان يُطلق عليه اسم يوم الحداد وذكرى المنفيين الليبيين إلى الجزر الإيطالية إبّان الاستعمار الإيطالي. شارك في الندوة ثلّةٌ من خيرة الأساتذة، وهم: د. محمود التايب، د. محمد الشركسي، الأستاذ  علي حُسنين، والباحث الإيطالي جوزيبي بيشي، وغاب عنها الأستاذ فؤاد الكعبازي لأنه كان في إيطاليا آنذاك. وكانت جميعُ تلك المحاضرات باللغة الإيطالية، وأغلبُ الحاضرين كانوا من الإيطاليين. ألقى الأستاذُ حُسنين محاضرةً رائعةً ما زلتُ أتذكرها بحذافيرها. تحدّث الأستاذُ عليّ عن المحاكمات العسكرية الصورية التي كانت تُعقد في الشوارع بالمخالفة الصريحة لجميع قوانين الإجراءات الجنائية المتعارَف عليها، ودون أدنى مراعاةٍ لحقوق المتهمين. ثم ختم محاضرته بعرضِ مقالٍ نُشِرَ في إحدى الصحف الإيطالية التي كانت تُطبعُ في طرابلس لا يحضرني اسمُها الآن. وإمعاناً من المحاضر في إقناع مستمعيه عَرَضَ تلك المقالةَ على جهاز الإسقاط الضوئي Overhead  projector، وقد ورد في تلك المقالة قصةٌ محزنةٌ تعمّد الأستاذُ عليُّ إيرادَها لكشف جريمة المحاكماتِ الصورية العسكرية التي كان يجريها المستعمِر الإيطالي ضدَّ المدنيين الليبيين. وملخّصُ القصةِ أنه في ذاتِ صباحٍ وُجِدت جثةٌ لإيطالي مطعونة بسكين. وفوراً قام الجندُ الإيطاليون باعتقال كلِّ من كان بالجوار، وجيء بهم إلى ميدانٍ قريبٍ. وجِيء بطفلةٍ صغيرةٍ يقودها عسكريٌّ، فأشارت إلى أحدِ الموقوفين، وكان شاباً في مقتبل العمر اقتيد مع الآخرين وكانوا يقفون صفاً إلى ظهر جدار، فاعتُبِرت تلك الصغيرةُ  شاهدَ إثباتٍ على الجاني. وُضِعَ مقعدٌ أمام الناس وجلس عليه ضابط قرأ من ورقةٍ صحيفةَ اتهامٍ حرّرها للتوّ، ثم أصدر حُكماً عسكرياً بإعدام الشاب رمياً بالرصاص أمام الجمهور في الوقت والحين. لم يكن الشابُّ يعرف حقيقةَ ما يجري. ويصفه كاتبُ المقال بأنه شابٌ في أوّل العشرين من عمره، يلبس رداءً (جرد) أبيضَ، ومعه جَرْو صغيرٌ. اصطفّت مفرزةُ الإعدام  وأطلقت النار على الشاب، ولكنه لم يسقط على الأرض، وكأنّ الرصاصَ لم يصبه، أُصيب الجميعُ بالذهولِ،  فأمر الضابطُ بإطلاق النار من جديد، وذلك مخالفٌ للقانون لأنّ الحكمَ بالإعدام إذا نُفِذَ في المحكوم ولم يمت لا يُنفذ فيه من جديد. أضطرب الضابطُ والجندُ، والحكاية يرويها الشاهدُ الإيطالي كما في الصحيفة المشار إليها، وأُطلِق الرصاصُ  عليه من جديد ولم يسقط الجسدُ مرة أخرى لبعض الوقت، ثم لم يلبث، والحاضرون في ذهولٍ من وقعِ ما يرون، أن أخذ جسمُ الشابِّ يتهاوى شيئاً فشيئاً حتى خرّ صريعاً واستقرّ على الأرض. وهنا اندفع الضابطُ وأطلق على رأس الشاب رصاصةً كيلا ينهض من جديد. وهنا اندفع الجَرو الذي كان مع الشابّ من بين جمهور الحاضرين، ووقف على صدرِ الشاب القتيل وأخذ يَعوي عُواءً مُرّاً رافعاً رأسَه إلى السماء وكأنه يشكوها ظلمَ أهلِ الأرض. أثّرت هذه القصةُ تأثيراً هائلاً في الجمهور الإيطالي الذي حضر تلك الندوة. كانت تلك براعةً وذكاءً فائقاً من الأستاذ عليّ حسنين الذي تعوّد أن يُلقي محاضراتِه في وقتٍ قصيرٍ محدودٍ يحقق من خلاله هدفَه الذي يرمي إليه قبل أن يتطرّقَ المللُ إلى نفسِ مُتلقيه.

 

وقد استحسن الإيطاليون الحاضرون تلك المحاضرة، وأغلبهم من المهندسين بالشركة، وبعضهم يمثّلون شرائح أخرى من الإيطاليين حضروا بدعوة من المركز الثقافي الإيطالي. وقد طلب المديرُ العام  الإيطالي بالشركة  بصورة شخصية أن يُلقيَ الأستاذُ علي المحاضرةَ نفسَها بحقل البوري البحري، فوافق الأستاذُ. وسافرتُ برفقته إلى الحقل على متن طائرة مروحية في رحلة خاصة. استقبلنا مديرُ الحقل الإيطالي استقبالاً محترماً، وأعدّ على شرفِ الأستاذ وليمةً فاخرةً، الأمر الذي يوحي بأنّ مديرَ الشركة بطرابلس هو الذي رتّب لكلّ ذلك وأوصى به، حتى إن مديرَ الحقل انتحى بي جانباً وسألني: "من هذا الرجل؟". قلتُ: "الأستاذ علي حسنين". قال: "أعرف اسمه. ولكن من هو؟". قلتُ: "وزير الخارجية الليبية". فاجأني الرجل بقوله: "الآن؟ في عهد القذافي؟". قلتُ: "كلا. لقد كان وزيراً للخارجية في عهد المملكة". قال وقد ابتسم ابتسامة لا تخلو من خبث: "نعم! المملكة! المملكة.. معقول معقول". والرجل يعني أن رجلاً من هذا المستوى الرفيع لا يمكن أن يوجدَ  في  عهد القذافي. وبعد أن انتهى الأستاذُ من محاضرته بحقل البوري، اختتم كلمته بالاعتذار عن لغته الإيطالية التي قد لا ترقى إلى مستوى لغة متكلميها من الإيطاليين الحاضرين. فصاح أحدهم بالإيطالية: "يا الله!! هذه لغةٌ قلّ من يتكلمها اليومَ من الإيطاليين الأحياء".

وقد حضرتُ عدداً من محاضراته التي كان يلقيها في الموسم الثقافي لمركز الجهاد للدراسات التاريخية، وأذكر منها محاضرته عن أمير البحار حسين "القصدار" أو القرصان حسين القبطان، ومحاضرته الشائقة عن لوحة سيدة غريانLady of  Gharian، وهي تحفة فنية قام برسمها كليفورد سابير  Clifford Saber  وكان سائق إسعاف أمريكي متطوع مع الجيش الثامن البريطاني، وكان رساماً موهوباً. رسم تلك اللوحة الجدارية أثناء إقامة وحدته لبضعة أيام في المعسكر بغريان لرفع الروح المعنوية لرفاقه، وكان ذلك في مطلع الأربعينيات.

تحدثت معه مرةً عن المستشرق الإيطالي الكبير الأمير ليوني كايتاني Leone Caetani صاحب حوليات الإسلام  Annali dell' Islam وهو كتابٌ ضخم يقع في عشرة مجلدات مرتّب على حوادث السنين على غرار تاريخ الطبري. فأخبرني أنّ هذا المستشرق رجلٌ نبيل، وقف ضد استعمار إيطاليا لليبيا وأنه قرأ وثيقة كتبها كايتاني للملك وللبرلمان الإيطالي يحذرهم فيها من مغبّة احتلال ليبيا، ولكنهم لم يستمعوا إلى نصحة. وذكر الأستاذ أنه ربما يُلقي في ذلك الموضوع محاضرةً، فشجعته على أن يفعل ذلك ولا يتأخّر،  ثم التقيت به بعد أيام من ذلك وقدمتُ له ترجمةً مستفيضةً لليوني كايتاني بالإنجليزية فأخذها وسُر بها. وجعل من تلك الترجمة مادةً عزّز بها محاضرته، ومن لطفه وأدبه وكياسته أنه أشار إليّ في آخر المحاضرة، ولكن هذا الثناء لم يَرُقْ لأحدهم فامتعض من ذلك، ونهض عند فتح باب النقاش وأخذ يتحدث حديثاً بعيداً عن المحاضرة أغلبه انتقاصٌ من الجيل الجديد وكأنه يعنيني باعتباري أنتمي يومئذٍ للجيل الجديد، وقال فيما أذكر متحدياً إن الجيلَ الجديدَ جاهلٌ وأتحدّى أيَّ واحدٍ منهم إن كان سمع شيئاً  عن أحمد فارس الشادياق. ثم نهض الأستاذ فؤاد الكعبازي الأديب الشاعر المهندس فتكلم فأحسن، ثم جاء دوري في الكلام فشكرتُ الأستاذ حسنين على محاضرته القيمة، وأذكر أنني قلتُ ما معناه: "إنّ كثيراً من الليبيين يُحسنون الإيطالية كما لا يُحسنها الإيطاليون أنفسُهم، ولكنهم للأسف مقصّرون في ترجمة عيون التراث الأدبي الإيطالي، فلم يقدموا خدمة للقارئ العربي، وهم خير من يقوم بذلك حتى إنهم ضيّعوا فرصة الإنفراد بترجمة الكوميديا الإلهية لدانتي حتى جاء أستاذ التاريخ حسن عثمان فترجمها إلى العربية وهو دون الكعبازي وعلي حسنين وشمس الدين عراب ومحمود التايب، ولكن يبدو أنه يصحّ فيهم قول الأستاذ عيسى الناعوري: "إنّ الليبيين أحسنُ من يجيد الإيطالية ويُتْقِنُها، ولكنهم قومٌ كسالى". وقلتُ وكأنني أبادل الأستاذَ السائلَ شعوراً بشعور لأبرهنَ له أنّ من الجيل الجديد من قرأ للشادياق وهو بعدُ طريّ العود، وما دام الحديث يتعلّق بالاستشراق ذكرتُ كلامَ الشادياق في (الساق على الساق في ما هو الفارياق) عن المستشرق الفرنسي الشهير De Sacy وقوله عنه مع الثناء عليه بقوله: "ولكن ما كلُّ بيضاءَ شحمة.  على إنه لا يُنْظَمُ في سلك العلماء المحررين". أردتُ بذلك أن أبرهن لصاحبنا أنّ كلامه ساقطٌ، فغادر قاعةَ المحاضرةِ مُغَاضِباً. وذلك هو الفرق بين الأستاذ علي حسنين وصاحبِنا، وهو الفرقُ بين التواضعِ والخُيلاء. لقد أحسن الأستاذُ عليّ صُنعاً إذ دفع بتلك المحاضرة، بعد أن قام بتنقيحها، إلى مجلة كلية الدعوة الإسلامية التي بادرت بنشرها في العدد الثامن على ما أذكر.

تقحّم الأستاذُ عليّ حُسنين إثر تخرجه معتركَ الحياة فعمِلَ في أوّل حياته العملية محاسباً  بإحدى الشركات التجارية، ثم زاول تدريس العربية، والإنجليزية بالمدارس الإيطالية في طرابلس. وبعد إعلان استقلال البلاد انخرط في سلك الخدمة المدنية، وتقلّب في شتى الوظائف الإدارية وتدرج في سلّمها إلى أن بلغ أعلاها، ولم يلبث أن انضمَّ إلى السلك الدبلوماسي فَعُين وزيراً مفوَّضاً على رأس إدارة المراسم بوزارة الخارجية، وبعد ترقيته إلى درجة سفير أُوفد إلى  لاغوس، عاصمة جمهورية نيجيريا الاتحادية، ثم نقل إلى موسكو عاصمة إتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية. وفي الوقت نفسه عُيّن سفيراً غيرَ مقيم في  هلنسكى عاصمة جمهورية فنلندا، وتقلّد في خاتمة المطاف منصبَ وزيرِ الخارجية في وزارة ونيس القذافي. أحيل على المعاش سنة 1969م بعد الانقلاب العسكري الذى حلّ بالبلاد، وفي سنة 1979 م استُدْعِي إلى الخدمة مديراً عاماً لمعهد الترجمة بدرجة سفير في اللجنة الشعبية العامة للاتصال الخارجى والتعاون، وظل في هذه الوظيفة إلى أن بلغ سنَّ التقاعد.

 

ومن مآثره أنه كان عضواً في لجنة ترجمة معاني القرآن الكريم إلى الإيطالية إلى جانب الأساتذة الفضلاء: فؤاد الكعبازي، ومحمد عراب، والسيدة مريم الشركسي وهي سيدة إيطالية مسلمة، والشيخ إبراهيم ارفيدة الذي كان دوره توجيه الترجمة إلى الدلالات الصحيحة لمعاني الألفاظ والجمل. وقد تولى منصبَ نائبِ رئيس مجمع اللغة العربية إبان رئاسة المرحوم الدكتور علي فهمي خشيم، ثم عُهِد إليه القيامُ بمسؤولية القائم بأعمال الرئيس بعد وفاة الدكتور خشيم. وقد أحسن المجمع صنعاً بتكريم هذا الأستاذ الفاضل بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للغة العربية في 22 ديسمبر 2016.

اشتغلَ الأستاذُ عليّ حسنين في حقل الترجمة، فترك آثاراً عديدة تشهد له بطول الباع، فترجم في عام 1972 من الإيطالية كتاب (المعمار الإسلامى في ليبيا)، تأليف الدكتور المهندس ـ غاسبري ميسانا Gaspare Messana - LArchitettura Musulmana della Libia، وترجم في سنة 1984 كتاب (حرب الإبادة في ليبيا) وهو من  تأليف الصحفي د.إيريك ساليرنو ـ Eric Salerno-Genocidio in Libia. وفي عام 2000 حرّر الفصل الثانى  من الكتاب التوثيقي (مدرسة الفنون والصنائع الإسلامية بمدينة طرابلس في مائة عام 1898 - 1998). كما قام بترجمة أجزاء من سلسلة أنظر واكتشف حيوانات Guarda e Scopri gli animali وهو من تأليف نخبة من العلماء المتخصصين، وهي:

المنزل والبستان ـ الجزء الاول.

الحقل والمزرعة ـ الجزء الثانى.

الأحراج والغابات ـ الجزء الثالث.

النهر والمستنقع ـ الجزء الرابع.

البحيرة والبركة ـ الجزء الخامس.

حياة الحيوان في الجبال والأودية ـ الجزء السادس (نُسِبَ خطأ إلى د. أحمد طلعت سليمان).

حيوانات السهول القطبية وجبال الجليد ـ (نسب خطأ إلى جوزيف سفر) وقد تولت نشرها الشركة المتوسطة للنشر المحدودة (Mapuco-LTD) ـ (بلا تاريخ).

كما قام بترجمة كتاب (أيام شارع الشط) للمؤلف باولو فاليرا، وهو من منشورات لافولا بميلانو سنة 1911م. Paolo Valera، Le Giornate di Sciara sciat، La Folla، Milano. وقام بترجمة كتاب (العقلية الفاشستية القديمة واختفاؤها تماماً). وهو من  تأليف أوغو ماركيتي، ومطبوع في طرابلس 1937م.Ugo Marchetti - L. Antica Mentalita Fascista e la sua Completa  Sparizione. وترجم عن الإيطالية كتاب (الفنون الإسلامية) للعالم الأمريكي  موريوس ديماند،  سنسوني 1972م. M. Dimand-L ART dell Islam، SANSONI 1972 وترجم من الإنجليزية الكتاب الذى لا يزال هو الآخر مخطوطاً: الـنظـام الجـديد، بقـلم الكـاتب الـمجـــــــرى الأصل الأمـريـكـي الجـنسـيـة ماثـيـو زوفاني  M. Zovanyi - The New Order)، وقد أعارني الأستاذُ نسخةً من المخطوط لقراءتها وحكى لي أنه أخفق في نشره، وحدثته يومها أنّ الكتاب لن يُنشرَ لأن يدعو العالم إلى نظام جديد وهي الدعوة عينُها التي بدأ آنذاك القذافي يدعو إليها، وإن كان ذلك من منظورين مختلفين. وللكتاب قيمةٌ علميةٌ كبيرةٌ أرجو أن تظهر ترجمته إلى الوجود.

والأستاذ علي حُسنين حريصٌ كلَّ الحِرْصِ على أن يطبعَ مقالاتِه بنفسه على الآلة الطابعة قبل أن تشيعَ الحواسيبُ والطابعاتُ الإلكترونية، وكان يطبع من كلّ صفحةٍ نسختين أو ثلاثاً بوضع ما كان يُعرف بالكارت بلو carte blu بين الصفحة والأخرى. كانت آلة الطباعة القديمة شبه محرّمة في عهد القذافي لدواعٍ أمنية، والحصول على الإذن بذلك دونه خرط القتاد. ومن كان يقتني واحدةً فبطرقٍ غير قانونية، واذكر من هؤلاء صديق العمر المهندس عبد السلام قرقوم. وكان صديقنا العزيز نور الدين النمر يحدثنا أنه عندما ذهب إلى جامعة بنغازي في السبعينيات من القرن المنصرم دخل أستاذ الفلسفة الإسلامية إلى المدرج وهو يحمل معه حقيبةً في يده، فإذا بها آلةٌ  طابعةٌ  وكان الوحيد الذي يطبع محاضراته على تلك الآلة  فوق ورق الإستنسل. وكان ذلك هو البروفيسور ألبير نصري نادر أحد أشهر الشخصيات العلمية التي درّست في جامعة بنغازي، وهو صاحب كتاب (فلسفة المعتزلة)، و(مدخل إلى الفرق الإسلامية السياسية والكلامية)، و(التصوف الإسلامي)، والتحقيقات العلمية لكتاب (فصل المقال) لابن رشد، وكتاب (الجمع بين الحكيمين) للفارابي، وترجمة كتاب (مونادولوجيا) للفيلسوف الألماني فلهلم لايبنتس. وقد ضويق هذا الأستاذ في الجامعة من بعض الطلبة الغوغاء، فلم يقم في الجامعة طويلاً بسبب ذلك ورحل عنها غير آسفٍ لذلك. وله قصة مع هؤلاء خير من يحكيها هو د. نور الدين النمر. ولعلّه يتفضّل ويحكي لنا عن معاناة الأساتذة الكبار في جامعة بنغازي بعد أن تحوّل اسمُها إلى جامعة قار يونس من أمثال: عبد الرحمن بدوي، وألبير نصري نادر، وعيسى عبده، وعبد الهادي أبو ريدة، وآخرين أذكر منهم الفقيه الكبير وهبة الزحيلي، وقد اجتمعت بهذا الشيخ الجليل رحمه الله  مرتين: الأولى في بيتي، والثانية في بيته بدمشق.

الأستاذعلي حسنين في الصالون الأدبي

كانت للأستاذ علي حُسنين صِلاتٌ وثيقةٌ بمؤسساتٍ علميةٍ، خارجية ومحليّة، مثل: الجمعية التاريخية الإيطالية، وهو عضو بالمجلس العلمي والثقافي للأكاديمية الليبية الإيطالية بمدينة روما. وله مشاركاتٌ علميةٌ مع المركز الثقافي الإيطالي بطرابلس الذي ألقى فيه بعض المحاضرات، ومركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية، وجامعة (ناصر) حيث كان يُعلّم اللغة الإيطالية. وقد قام بتدريس اللغة العربية في الدورات المسائية التي كان  ينظمها المركز الثقافي الإيطالي بطرابلس.

وبمناسبة الحديث عن المركز الثقافي الإيطالي، اتصل بي الأستاذ علي وأخبرني بأنّ ثمة ندوةً علميةً بالمركز بمناسبة صدور الترجمة العربية لكتاب المستشرق الإيطالي ميكيل آماري Michele Amari (تاريخ المسلمين في صقلية Storia dell Musulmani di Sicilia، وهو يقع في عدد من المجلدات، ويجب أن أحضرَ هذه المناسبة من أجل أن يحدّثَ مديرَ المركز للحصول على نسخةٍ لي، وكان الأمر كما رتّب له. والكتاب بحق من أهم ما أُلّف في موضوعه وهو دخيرةٌ تاريخية لا تقدّر بثمن، ولا يوجد له نظيرٌ في اللغة العربية للأسف. وكلّ ما هنالك دراساتٌ متواضعة للدكتور أمين توفيق  الطيبي وعزيز أحمد وغيرهما. وأنا سعيدٌ بحق لاقتنائي هذا الكتاب المحدود التوزيع للأسف، وكلما نظرتُ فيه دعوتُ لأستاذنا علي حسنين.

وكان الأستاذ علي حسنين يتلطف عليَّ فيهديني من حين إلى آخر أعداداً من مجلة (الشرق) التي تصدر باللغة الإيطالية وملخص للبحوث بالعربية، وهي مجلة حديثة غير مجلة (المشرق) التي كان يصدرها لويس شيخو، وكان الأستاذُ عليّ حريصاً على أن يمهرَ تلك النسخ بخاتمه الخاص، وحسناً فعل لأنه مع طول الزمن يذكرني بمن أهداني تلك النسخ. كما أهداني نسخةً من كتاب (خرز ملون) يتضمن سبعاً وعشرين قصةً قصيرةً مترجمةً إلى العربية لكاتباتٍ إيطالياتٍ، وهي أيضاً ممهورةٌ بذلك الخاتم، ولولاه ما عرفتُ من أين جاءتني هذه النسخة.

 



أول سوق المشير وترى فيه ساعة البرج

وأذكر أنني سرتُ ذات صباح مع الأستاذ علي نطوف أزقةَ المدينة القديمة، وهو يحدثني: هذا بيتُ فلان، وهذه دارُ فلان، وهذا مخبزُ فلان، وذاك نول فلان النّوال (النسّاج)، وهذه مدرسة درغوث، وتلك مدرسة عثمان باشا، وفيها خلوة للشيخ الفلاني، وكان يسكنها قبله الشيخ العلاني، وكأن الأستاذ يستعرض من ذاكرته شريطاً وثائقياً. لم يكتفِ بذكر المباني من دورٍ وحوانيت، بل كان يحدثني عن ساكنيها من مُلاكٍ ومستأجرين، ومَن كان من سكانها الأصلاء أو من الوافدين. أو من كان منهم من أهل العلم أو كان من التجار أو من أصحاب الحِرفِ والصناعات التقليدية الخفيفة. وكان يتذكر أنّ فلاناً كان من المهرة في صناعة المراوح أو الطواقي، أو المنسوجات الحريرية، أو البدلات العربية التي جاءت مع الأتراك، كالفرملة والزبون (الكاط) الذي تظهر عليه مهارات التطريز، وما اشتُهِرت به بعضُ البيوت من صناعاتٍ نسائية كالفرملة النسائية، والقمجّة المطرّزة بالفضة، والتلّيك. وكم كان حديثه ممتعاً عن مداخل المدينة القديمة وأسواقها: سوق المشير، وسوق الذهب، وسوق الرباع، وسوق اللفّة، وسوق القصدارة، وهو ممر يضم دكاكين صغيرة يأتيها الناس لطلاء الأواني النحاسية والطناجر بالقصدير، أو لشراء الأهلّة لوضعها فوق قِباب المساجد، ثم حدّثني عن تاريخ ساعة الميدان التي نُصِبت فوق برج يُعرف ببرج الساعة والتي كانت تُرى من وسط المدينة قبل ازدحامها بالمباني، ولكنّ حديثه عنها لم يتبقّ منه شيء في ذاكرتي للأسف.

 

لقد شرّفني الأستاذ علي حُسنين بالحضور إلى الصالون الأدبي الذي كان ينعقد في بيتي أوّلَ اثنين من كلّ شهر، ويحضره نخبة من المثقفين والعلماء، ويمتد عادةً من بعد صلاة المغرب إلى ما بعد صلاة العشاء وقد يمتد إلى ساعةٍ متأخرة. وفي هذا الصالون حدثتا الأستاذ علي عن المستشرق الإيطالي إغناتسيو غويدي Ignazio Guidi صاحب كتاب (محاضرات في تاريخ اليمن والجزيرة العربية قبل الإسلام  الذي ترجمه د. إبراهيم السامرائي، كما حدثنا عن المستشرق الإيطالي كارلو ألفونسو نللينو Carlo Alfonso Nallino، وهو من أوائل المستشرقين الذين ردّوا فِريةَ تأثير القانون الروماني على الفقه الإسلامي، ومن الأوائل الذين اهتموا بتاريخ علم الفلك عن العرب، وجعله مادةً لمحاضراته في جامعة فؤاد. وقد جُمِعت تلك المحاضراتُ، وكان يُلقيها بالعربية، في كتابٍ بعد ذلك. لم يتغيّب الأستاذ عليّ عن الصالون إلا نادراً، وكان حريصاً على الحضور، وكان الحاضرون حريصين أيضاً على السماع منه لا سيما فيما يتعلّق بتاريخ طرابلس الغرب وأعلامها.

وأتمنى أن يعكفَ الباحثون ويقوموا بجمع محاضرات الأستاذ عليّ وضمّها في مجموعٍ واحد يجمعُ شتاتَها لحفظها من الضَّياع، وتفريغ مادتها الصوتية إن تعذر الحصول عليها مكتوبةً، وفي ذلك خدمةٌ جليلةٌ للثقافة الليبية. وها هي ذي بعض العناوين للمحاضرات والمقالات التي شارك بها  في المواسم الثقافية والمجلات:

المدارس الايطالية وتطورها في ليبيا 1835/ 1950م.

على مشارف الصحراء - غات.

من معالم طرابلس القديمة (القبة).

(المعمار الايطالي في ليبيا..امبيرتو دي سينيي نموذجا) عن المعماري الذي صمم هذه الواجهة الجميلة لمدينة طرابلس من الجهة الغربية، وملحق بنبذة مختصرة عن المهندس أومبيرتو دي سينيي (Umberto Di Segni).

من تحف مدينتنا "نبع الحياة" و"ضراوة".

نماذج من عمارات مدينة طرابلس.

سيدة غريان Lady Of Garian.

نشأة الطباعة في طرابلس.

بداية إنتاج الطاقة الكهربائية وتوزيعها في طرابلس.

أول مستشفى أهلي في ليبيا.

شارع كوشة الصفار بين ذاكرتين (جزء أول وثاني).

أمير البحار حسين "القصدار" القرصان حسين القبطان.

صورة قديمة أندثرت:حكاية (بُوسعدية).

من النماذج المغمورة (كامل أفندي).

أطرابس مدينتنا القديمة.

تاريخ المحافظة على الأحياء البرية ومناهجها.

نبذة عن المرحوم محمود أحمد ضياء الدين المنتصر.

الفقيه محمد الشريف وكناشه الظريف.

حنفيات مدينة طرابلس.

نبذة عن المرحوم الحاج مصطفى فوزي السراج.

تاريخ عسكري: ليبيا مهد السلاح الجوي الإيطالي.

باب الحرية وباب زناتة في طرابلس.

معالم من طرابلس القديمة كما وصفها مؤرخ تركي.

من الحليّ الليبية.

ومن المقالات والبحوث القيّمة التي استأثرت بها مجلة كلية الدعوة الإسلامية:

عميد المستشرقين الإيطاليين (ليوني كايتاني) ترجمة لحياته، وعرض لكتابه (دراسات في تاريخ الشرق). العدد رقم 8 سنة 1991.

أضواء على الكتاب القديم. العدد رقم 11 سنة 1994.

من محتويات مكتبة الكلية (كتب نادرة باللغة الإيطالية). وقد نُشِر هذا العمل في العدد رقم11 سنة 1994. دون أن يذكرَ اسم المؤلف أو الكاتب وهو الأستاذ علي حسنين، وهذا إجحافٌ في حقّ الكاتب، خاصةً وأنّ هذا ليس مجرد فهرست، بل هو عرض تفصيلي للكتب.

ميكائيلي آماري والنقوش العربية بكنيسة الأنطاكي في باليرمو. العدد رقم 12 سنة 1995.

اللهجة المالطية: من أبرز آثار الحضور العربي بالجزيرة. العدد رقم 13 سنة 1996.

لمحة تاريخية عن الدراسات الإيطالية المعاصرة في ليبيا. العدد رقم 15 سنة 1998.

من أعلام مدينة طرابلس الغرباء المنسيين: سعيد داود طوقدمير. العدد رقم 19 سنة 2002.

ولا ريبَ أنّ تاريخَ ليبيا الثقافيّ والاجتماعيّ والسياسيِّ  المعاصرِ حديثُ عهد بالتدوين، وظلّ إلى عهدٍ قريبٍ مخزوناً في التراث الشفهي والذاكرة الجماعية، ولذلك ظلّت بلادُنا في حاجة ماسّة إلى من يقوم بواجب كتابة تاريخها، وألا تقف عند حدّ ما كتبه عنها مؤرخون وبعثاتٌ وإرسالياتٌ من إيطاليين، وأتراك، وفرنسيين، وإنجليز. بل يمكن أن نقول، وبحرقة، إنه حتى تلك المصادر لم ننتفع بها بالقدر الكبير، اللهم إلا ذلك القدر الذي تفضّل بترجمته عددٌ يسيرٌ من الفضلاء  ممن أوتوا حظاً من معرفة تلك اللغات. ودوائرُ المحفوظات في تلك البلدان تعجّ بالوثائق والمراسلات فضلاً عن المؤلفات والكتب عن ليبيا وتاريخها المجيد التي لم يسمع عنها إلا نفرٌ قليلٌ، وذلك أمرٌ محزنٌ. فإذا عَدِمَت البلادُ من يقوم بكتابة تاريخها فليس أقلَّ من ترجمة ما كتبه عنها غزاتها أو المارّون بها من مستكشفين ورحالةٍ عبروا منها إلى مجاهل أفريقيا فدوّنوا عنها ما شاهدوه أو عايشوه. وإنه لمن المحزن أن تخصّصَ المكتباتُ العامّةُ بالبلاد الأوروبية أقساماً لتاريخ لليبيا تضم كتباً عنها بالفرنسية، والإيطالية، والتركية، والإنجليزية، والأسبانية، والروسية، ولا نرى لتلك الكتب أثراً في جامعاتنا ومعاهدنا، ولم تكلّف الدولةُ الليبيةُ على عهودها المختلفة أدنى جهدٍ  في هذا الموضوع، حتى لكأن تاريخَ هذه البلاد لا يعنيها لا من قريبٍ ولا من بعيد. وإنه لمن المحزنِ حقاً أن تجدَ المكتبة العامة في مدينة صغيرة مثل آبردين بأسكوتلندا تخصص قسماً للمصنفات التي كُتِبت عن ليبيا بالإنجليزية ولا تجد لتلك أثراً لا في مكتباتنا العامة ولا الخاصة، ناهيك بمكتبات عظيمة كمكتبة باريس الوطنية، أو مكتبة الكونغرس الأمريكية، أو مكتبة سانت بطرسبورغ الروسية التي تضمّ بين أرففها أغلبَ، إن لم أقل جميعَ، ما كُتب عن ليبيا فضلاً عن الوثائق والمستندات والمراسلات، والصحف الليبية منذ أواسط القرن التاسع عشر إلى يومنا هذا وهي محفوظة مجلّدة بعناية ومصوّرة. تلك الصحف والمجلات التي لا يقيم لها كثيرٌ من الناس وزناً، إمّا لجهلهم بقيمتها أو لجهلهم باللغات التي كُتِبَت بها. وقلةُ حظّ أهلِنا بمعرفة اللغات الأخرى علّةٌ مُستحكمةٌ،  وقد تنبّه إلى ذلك أستاذُنا عليّ حُسنين في مطلع دراسته الرائعة (شارع كوشة الصُّفار بين ذاكرتين) حيث قال:

"ليس من شكٍ في أنّ حلقاتٍ من تاريخنا ما بَرِحَت مخزونةً في ذاكرة بعض البالغين من العمر عِتِيّا، أو مدفونةً في بطون الكتبِ، والحولياتِ، والدورياتِ، والفصلياتِ، والتقاريرِ المحرّرَةِ بغير لغة الضاد، وذلك إما جَرّاءَ ظروفٍ استثنائيةٍ طرأت على حياة البلاد والعباد وإما نتيجةً لتقصير القادرين منا على استخراجها والاستفادة منها والإفادة بها. وبالإضافة إلى ما تقدم، ثمة سببٌ آخر يتمثل في تقاعسنا عن بذل عناية جادة بتعليم اللغات الأجنبية وبتكوين جيل من المتقنين لها والقادرين على الانكباب بعشق على التنقيب مباشرة في المصادر المذكورة عن كلّ ما من شأنه تصحيح تاريخنا أو إثراؤه. ولا يفوتني في هذا السياق أن اعترف بأنني قد استفدت شخصياً وما زلت استفيد كثيراً من إلمامي المتواضع ببعض الألسن الأجنبية، ولولا ذلك لما استطعتُ الوقوفَ على كثير من الحقائق".

 

وختاماً، أكرر دعوتي التي ذكرتها أعلاه إلى القائمين على شؤون الفكر والثقافة في هذه البلاد أن يقوموا بجمع آثار هذا الرجل الكبير، وطباعتها في مجموعٍ واحدٍ يجمع شتاتَها. وهم بصنعهم هذا يُسدون خدمةً جليلةً للوطن بالتعريف بالحياة الثقافية والاجتماعية في ليبيا، فضلاً عن التعريف بأعلامها وشخصياتها... هو ذا الأستاذ علي الصادق حُسنين، حفظه الله ومتّعه بالصحة، الترجمةُ الحقيقية العمليةُ لمعاني (التواضع) و(الأدب الرفيع).

جمعتَ إلى الحُسْنِ حُسناً آخرَ  * * *  فلله دَرُّ أبيك من حُسنَينِ

د. الصديق بشير نصر

* راجع الحلقات بـ (ارشيف الكاتب)

 


إقرأ أيضا: د. فوزية بريون : في تكريم الأستاذ علي الصادق الحسنين

هشام علي حُسنين | 26/04/2017 على الساعة 11:47
تحية شكر
الأسناذ الفاضل د.الصديق نصر أزكى التحيّات، وأجملها، وأنداها، وأطيبها، أرسلها لك بكلّ ودّ وإخلاص، تعجز الحروف أن تكتب ما يحمل قلبي من تقدير واحترام، ومن ثناء وإعجاب، فما أجمل أن يكون الإنسان شمعةً تُنير دروب الأخرين.
صالح عمرو صالح القصبي | 26/04/2017 على الساعة 06:48
هل من مزيد ؟؟؟ !!!
أعظم بها من كنوز !!! وأنعم وأكرم به من مكتشف مبدع !!!!!!!
عدنان الحسنين | 21/04/2017 على الساعة 13:08
هل جزاء الاحسان الا الاحسان
وتجدر الملاحظة ان الصورة التي تتصدر المقال التقطت للوالد في مناسبة عامة (لا أذكرها الآن) بواسطة مهندس الطيران ومحترف التصوير القدير الاستاذ "أمير بوسن"، فوجب التنويه. والجميل في الأمر ان أميرا لم يكن على سابق معرفة بالوالد. وفي معرض تعليقه على الصورة التي نشرها على صفحته بالفيسبوك ذكر بانه قد استهواه التقاط الصورة لهذه الشخصية الشيقة والمجهولة في نفس الوقت لديه. وقد سعد كثيرا بالتعرف عليه بعد ادراجي لكلمة شكر له. في الختام أعاود الشكر الجزيل للدكتور الصديق نصر على مقاله الجميل المتقن والذي طعمه بمعلومات شيقة وأيضا لكل من أطل بتعليقاته التي تثلج صدورنا جميعا في زمن نأمل أن يتبدل الى أحسن. في هذا المقام أيضا، اوجه شكري الخاص أيضا الى الأخت العزيزة الدكتورة فوزية بريون على مقالها الذي يفوح بعطر الوفاء في الرابط الموجود أعلاه. كما أحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات أن أمد في عمر والدي حتى ينعما بتكريم الأوفياء من أهل بلدهما الذي عشقا وأحبا. أدام الله عزكم وأدام عطاءكم. عن الأسرة / عدنان علي الصادق علي بن محمد بن عبدالله الحُسنين
عدنان الحسنين | 21/04/2017 على الساعة 13:07
هل جزاء الاحسان الا الاحسان
وتجدر الاشارة الى أن لقب العائلة كان في الأصل مقترنا بلام التعريف شأنه شأن نطق أسماء الأعلام وخاصة على ماجرت به الالسن في المغرب العربي على وزن "الصادق" وليس "صادق"، وايضا "الفاضل"، و"العربي"، و"النفاتي"، و"الحسن" وهلم جر (ملاحظة: لست ضليعا باللغة وهذا رأيي الشخصي فحسب). ولعل جدي الصادق كان من أنصار المذهب التقليلي أو التبسيطي (minimalist) فقرر حذف لام التعريف من الاسم في نسختيه العربية واللاتينية حتى يتطابقا كما تظهره وثائق سفره. أعزو ان انتشار النطق الخاطىء للاسم الى تزامنه مع توافد الاساتذة المصريين الذين تعودوا كما ذكر صاحب المقال على نطقه هكذا. كذلك أعزوه للوالد (هو صاحب العَملة-بفتح العين) بسبب تقلده لمناصب عامة أدت الى خروج لقب العائلة من حيز شارع ميزران وكوشة الصفار المحدود الى الفضاء الإعلامي الفسيح الذي عرض الاسم لتحويرات متوقعة ولكن ليست بالضرورة مقبولة (على الاقل في تقديري!). (يتبع)
عدنان الحسنين | 21/04/2017 على الساعة 13:07
هل جزاء الاحسان الا الاحسان
بكل الحب والوفاء وبأرق كلمات الشكر والثناء، ومن قلوب ملؤها الإخاء نتقدم بالشكر لحضرة الدكتور الصديق بشير نصر على هاته الاطلالة الندية والاحاسيس النابعة من قلب صاف في حق السيد الوالد. وأنا في ما تقدم من القول لا أجد نفسي الا مقصرا ومعترفا بالعجز عن واجب الشكر لمن أحسن الينا. في هذه العجالة أستمحيكم والقراء الأعزاء العذر في التعريج على مسألة لقب العائلة الذي، رغم سلالسة ايقاعه، سبب لي أيام الدراسة ازعاجا لعل مبعثه ما تجذر في نفسي بتأثير الوالد من حرص على إعطاء كل ذي حق حقه واتقان الصنعة، ويمتد هذا ليشمل نطق الكلمات بغض النظر عن منشئها، ناهيك عن كون الكلمة تمثل أصلا "لُقامتك" (أو لقبك بالطرابلسي). لم يسعفني أيضا كون الاسم الذي أطلقاه والدي علي لم يكن من الاسماء الليبية المعهودة! وتحضرني قصة طريفة في هذا الشأن إذ جمعني ذات مرة فصل دراسي بابن عم لي، وكان استاذ مادة اللغة العربية يتلذذ في دعوتي "حُسنين بالضمة" لتمييزي عن ابن العم الذي كان لا يكترث كثيرا لسماعه حَسنين (بالفتحة)، لدرجة اني كنت أضع "واوا" على حرف الحاء تمعنا في التأكيد على حقي الموروث. (يتبع)
اسماء الاسطى | 21/04/2017 على الساعة 06:47
القيمة العظيمة
جميل هذا الوفاء لقيمة عظيمة تتمثل في أستاذنا الجليل... لقد تنبهت بأن مركز البحوث التاريخية لم يصدر له مؤلفا حتى اليوم!..رغم تجاوزه لمئات العناوين من منشوراته؟..ورغم عمل استاذنا الفاضل مع المركز كمترجم منذ عقود
د. محمد الزيادي | 20/04/2017 على الساعة 21:20
الوفاء من شيم العلماء
تعجز الكلمات أن تفي حق الباحث المتميز الدكتور الصديق نصر الصديق العزيز والعالم المتبحر في اسداء الشكر والتقدير علي ماقدمه من معلومات غاية في الأهمية في كشف جانب من تاريخ ليبيا الثقافي فعلي الرغم من معرفتي بالأستاذ علي حسنين الا أني لم أكن أعرف عنه هذا العمل الذي قدمه في ميدان العلم والمعرفة انه قامة علمية كبيرة تفتخر بها ليبيا فالشكر الجزيل للدكتور الصديق علي هذا العطاء المتواصل في تعريف الأجيال القادمة بعلماء بلادهم والتمنيات بالصحة والسعادة للأستاذ علي حسنين ولليبيا أن تفخر بمن كتب ومن كتب عنه
عثمان الجحاوي | 20/04/2017 على الساعة 17:00
الأستاذ علي الصادق حسنين
شكرا د.الصديق..كم نحن في حاجة لأن نعرف بمثقفينا وبتاريخنا الذي صرنا نتعجب وللأسف عندما نقرأ عن مثل هذه القمم..لقد عرفنا الأستاذ علي و إنه لشرف لنا أن نكون من البلد الذي انجب مثل هذا الرجل ..حفظه الله ومنعه بصحته وجزاه وجزاك عنا كل خير.
نورالدين خليفة النمر | 20/04/2017 على الساعة 16:12
حكاية من الجراب :في عصامية الأستاذ حُسنين
المجيد .شكراً لك د.الصديق نصر ان أتحت لي إيراد هذه الومضة في تاريخ وسيرة عصامية الأستاذ علي حُسنين ،وأدعوا الله أن لاينبري لنا مُراقب حسود غيور فيكذبنا فيما سردناه وقلناه والله من وراء القصد وأستغفر الله العظيم من الذنوب جميعها ماظهر منها ومابطن !! .
نورالدين خليفة النمر | 20/04/2017 على الساعة 16:11
حكاية من الجراب :في عصامية الأستاذ حُسنين (2 وبقيتها)
فنظرنا الجفائري وانا في أعين بعضنا البعض بإندهاش مغتبط فرِح .وفي دقائق معدودة أنتهى من مهمته فسألناه،عن الأنجليزية كيف أتقنها فسرد لنا الحكاية أنه في أوج مصاب طربلس بقنابل الحرب العالمية الثانية هجت عائلته بدون الأب المنقطع في آدغال أفريقيا إلى بلدة صيّاد أوالزهراء في عشائر ورشفانة ،وقد أنقطعت به السُبل عن طرابلسه وبيته ومدرسته الأيطالية،ولدرايته بالأيطالية والحساب دُبرت له شغلانة لسدّ الأود مفرّقاُ للغرامات من مواد التموين الحربي الأيطالي لليبيين الجوعى،بعد إنتهاء الحرب وأوزارها عاد الأستاذ إلى طربلس المدمّرة ،ومن الأوزار إختفاء اللغة الإيطالية من دواوين الحكومةالبريطانية المنتدبة ،وإستبدالها بلغة الأنجليز المنتصرين ،وللحصول على شغلانة تسّد الأود إنخرط أستاذنا الشاب في برنامج تعلّم ذاتي دعّمته دروس مسائية محدودة لإتقان الأنجليزية عبر القواميس الإيطالية الأنجليزية ، وعصامية ليبية نادرة أورثها له الأب التاجر المغامر المثقف والخال الحنون والأمّ المكافحة الصبور.. ومن دروس اللغة إلى الوظيفة من جديد وتتويجها الآخير قبل إنقلاب العسكر المشئوم عام 1968 وزيراً للخارجية في دولة الأستقلال >>>
نورالدين خليفة النمر | 20/04/2017 على الساعة 16:08
حكاية من الجراب :في عصامية الأستاذ حُسنين
في مرّة من مرّات الكآبات الثمانينية الليبية 1984 كنت جالساً عند الأستاذ المثقف المرحوم محمدّ الجفائري في مكتبه بمركز الجهاد نتشاكى من الغُبن هو الموظّف المهمل المنفي في مكتب ملئ بملفات مكروبة موبؤة جُلبت من جزر منافى الليبيين الإيطالية في العهد الأستعماري،وأنا عاطل عن العمل مكروب بقرار الوزير المكروب المكلوب أحمد إبراهيم الذي نفاني عن وظيفتي ذات الدرجة العالية في آمانة الأعلام إلى بلدية سوف الجين (ورفلة) معلّماً للصبيان أنشودة "تره خبّر ياسوف الجين علي الزينين" وإذا بالأستاذ علي حُسنين يباغتنا كعادته باشّاً هاشّاً طروباً رغم تبعيده عن الوظيفة العامة كغيره من وزراء العهد البايد في الفاتح المشئوم عام 1969 وهو ماأضطره لترميم مرتّبه التقاعدي البائس إلى التعامل مع مركز الجهاد لترجمة وثائق عن الإيطالية نظير قروش لايتعارض دفعها وقانون المرتبات 14 الملعون .جلس الأستاذ موعوداً بجلسة سمر شيّقة وإذا بباحث من المركز ملحاح يقف على رأسه مستعينا به في ترجمة وثيقتين واحدة بالفرنسية والأخرى بالأنجليزية فكان الأستاذ عند الطلب مترجماً فوريا بلغة عربية سليمة ما أصابها عوج >>>>
م . بن زكري | 20/04/2017 على الساعة 01:24
الوفاء فضيلة قل أصحابها في زمن الـ (خُط ؤ لوّح)
جزيل الشكر و موفور التقدير للباحث د . الصديق ب نصر ؛ فقد أوفي العالم الجليل علي حُسنين بعضا مما يستحقه من الثناء و الوفاء ، في زمن قل فيه من يعرفون لرجال الوطن قدرهم أو يعترف لهم بالفضل . و أتفق مع السيد عبدو في تعليقه بالقول " عالم يعرّف بعالم " . و شخصيا أعترف بالتقصير و (الكسل) في وجوب القيام بما استطيعه من توثيق شهادات أمثال الأستاذ علي حسنين على التاريخ . تعرفت لهذه القامة و القيمة الوطنية الكبيرة ، لدى الأستاذ محمد الصيد صْفَر ، المثقف و المناضل الوطني و النقابي و عضو مجلس النواب في العهد الملكي (الذي صارت تربطني به صلة نسب) ، و عرفت - من لقاء رتبته الصدفة - كم هو الاستاذ علي الصادق حسنين – كما صديقه الاستاذ محمد الصيد صْفَر – من أهمية في تاريخ الحركة الوطنية و السياسية لبلادنا ، خلال خمسينيات و ستينيات القرن الفائت ، حفظ الله الرجلين الكبيرين مقاما و متعهما بالصحة ، (كما هو الامر ايضا مع صديقهما و صديقي الشخصي الاستاذ المرحوم عبد الرحمن عمر الجنزوري المحامي) ، و كم أنا آسف لعدم تمكني من الايفاء بوعد الاستفادة من مخزون ذاكرتهما الوطنية ، و عسى أن تسعفني الظروف بتدارك ما قصرت به .
عبدو | 19/04/2017 على الساعة 22:42
شكرا
شكرا لك أستاذي عالم يعرف بعالم كم ينقصنا في هذه الأيام القاسية على الوطن الحبيب أن نتذكر مثل هذه الشخصيات التي خدمت الوطن وضحت من أجله ونحن نكاد أن نضيعه لعلها توقظنا لنعلم أن هذا الوطن بناه رجال فلا نضيعه كالأطفال ، كل الشكر للأستاذ الفاضل وأسأل الله أن يكون كل ما كتبت في ميزان حسناتك وحسنات من عرفت به.
آخر الأخبار
إستفتاء
ماذا تتوقع من لقاء فايز السراج وخليفة حفتر في أبوظبي؟
لا شئ
إنفراج للأزمة
خطوة علي الطريق الصحيح
لا ادري
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع