مقالات

غسان عتيقة

قراءة في كتاب "بالبو، حياة فاشستية" (12/3)

أرشيف الكاتب
2017/04/19 على الساعة 11:26

بالبو نحو المنفى

بعد اكثر من عقدين من الحرب المريرة مع سكان الاراض الممتدة من حدود شمال افريقيا الفرنسية الشرقية لعند الحدود المصرية وسياسات الارض المحروقة التي اتبعها اسلافه وخصوصا في المناطق الشرقية من اراض شمال افريقيا العثمانية سابقا، استلم  المارشال ايتالو بالبو ادارة مستعمرة منهكة شبه مفلسة واراض صحراوية بور وسكان فقراء حانقين من جرائم "الوطن الام" وما فعلته بهم حكامها من تهجير وقتل وانتهاكات جسيمة جدا بأسم الملك ايمانويل الثالث حفيد ايمانويل محرر روما عام 1870 من حكم القلسونات الباباوية الذي استمر لالفية كاملة.

كانت ليبيا التي تكتسحها الصحاري القاحلة قليلة السكان الا من بعض الواحات والبلدات المتناثرة بين ساحل المتوسط والصحراء الشاسعة. ومثل اسلافهم من الاغريق والرومان والعثمانيين لم يجد الايطاليين أي موارد غير الزراعة المحدودة والرعي وسكان فقراء بعكس التصورات الرومانسية حول البديل المثالي للمهاجرين الايطاليين من عبور المحيط الأطلسي الى عبور المتوسط نحو الشاطئ الرابع... الشاطئ الذي تنبأ احد الشعراء الايطاليين  "جوفاني باسكولي" وقتها بأن يحول المهاجرين أراضي ليبيا الشاسعة الى جنات عدن.

وصل بالبو لمنفاه الشمال الافريقي او صندوق الرمال الذي تركه العثمانيين ورائهم  بعد حياة الشهرة التي جابت مع رحلاته الجوية حول العالم التي يبدوا انها لم تستسيغ الدوتشي كثيرا وعدد غير قليل من اعضاء الحزب الفاشستي التي استفزتهم تصرفاته النرجسية ووقع كارزميته الصاخبة على معجبيه في ايطاليا وعبر الاطلنطي.

قبل هذا المنفى ومع صعوده السريع نحو النجوم، لم تكن علاقة المارشال بالبو بالدوتشي سهلة ابدا. لم يكن بالبو متملقا للدوتشي بل أراد علاقة ندية مبنية على صداقة حقيقية والتي بدات من عام 1914. يجمع الرجلين بعض الخلفيات المشتركة. كان بالبو من فيرارا وموسوليني من جارتها رومانا وخطا الاثنين على طريق التيارات السياسية الراديكالية التي تعم هذه المناطق الواقعة في شمال إيطاليا وكلاهما محسوبين على الطبقة المتوسطة الدنيا مع كون عائلة بالبو افضل حالا من موسوليني الذي كان يعيل والده اسرته من الحدادة.

مع هذه القواسم المشتركة، كانت شخصيتا الرجلين متعاكسان بالكامل. كان بالبو يتمتع بفائض من الثقة والاعتزاز بالنفس ويحب ان يكون محاطا بالاصدقاء والرفاق وجماهير من المريدين والمعجبين. في المقابل كان موسوليني عكسه تماما مفعم بالحذر والشك وعدم الثقة. كان رجلا خجولا اجبر نفسه ان يتصرف كالاسد مع هوسه بشيء واحد لا غير: السلطة المطلقة.

هذا التناقض بين الشخصيتين ترك بينهما مسافة محددة بينهما مع توجس الدوتشي الصامت من هذا الفراريسي الصاخب. مع ذلك تصادمت شخصياتهما بعنف وتعلم كل منهما مهاجمة نقاط ضعف الاخر من وراء الابواب وبشكل متتالي. في يوليو1930 وبينما كان بالبو يقضي اجازته للتحضير لاول رحلة له عبر الاطلنطي نحو البرازيل، امر موسوليني بأرسال رسالة مجهولة المصدر ليستلمها بالبو تطرح اسئلة حول عطلاته وتتهمه مباشرة باستقبال عشيقاته في خيمتة المجهزة بكل فخامة. قام بالبو بالرد على حاملي تلك الرسالة بانه اعد الخيمة الفخمة بكل جلود الاسود والدببة المطروحة ارضا تحسبا لاستقبال الدوتشي بالشكل اللائق!

استمرت هذه العلاقة بين شد وجذب ومع ذلك فضل موسوليني تجنب الصدام المباشر مع بالبو حتى كان اول صدام علني بعد عودته الاستعراضية من شيكاجو حين طلب منه الاستقالة من منصب وزير الطيران وتعيينه حاكما عاما لشمال افريقيا الايطالية. انتشر خبر القرار كالصاعقة على الايطاليين والمراقبين الاجانب. وصفت وكالة رويترز للانباء قرار موسوليني بمثابة خلع بالبو "من العرش" مع مكانته كواحد من اقوى الشخصيات الحاضرة في ايطاليا ولقي هذا القرار استهجان مهندس اعادة بناء القوة الجوية الالمانية ايرهار ميلخ الذي عبر عن عمق استنكاره لفقدانه على رأس قطاع الطيران الايطالي لكنه تمنى رؤيته يعود لمجده بقيادة جميع وزارات الدفاع والطيران في وطنه يوما ما. رغم المه الواضح من هذا القرار المفاجئ، تقبله المارشال بالو بروح الجندي المنصاع لقيادته عند لقاءه الدوتشي في روما في 4 نوفمبر ووجه في رسالة استقالته انه تحت أوامر القائد العظيم والامتنان له.

في الواقع وكما يتحدث عنها وزير المستعمرات وحاكم طرابلس السابق ايميلو دي بونو، كان بالو صريحا حول دوافع موسوليني لتعينه في ليبيا: "عرفت انه سيقوم باقتلاعي من يوم عودتي من الولايات المتحدة عندما شاهد عظمة وعفوية التكريم لنا بدأ انه كان يفور غضبا كما عرفت من مصادري. انه (موسوليني) خائف من شعبيتي التي لا اهتم بها وبدون اعتقادي ان كل هذا التكريم لشخصي كسياسي بل كطيار لا اكثر." يستطرد بالبو غاضبا "لو يعتقد انه سيفعل بي ما يفعله بالاخرين، فلابد انه اخطأ حساباته".

شعر المقربين من بالبو تحطم قلبه، تحدث عن ترك بيته الذي صنعه وترك قلبه معه (الطيران) وانه غير متحمس كثيرا لمنصبه الجديد واعتقد بانه لن يبقى في ليبيا لاكثر من خمس سنوات... في لقاءه مع الملك ايمانويل لوداعه قبل المغادرة لمنفاه الشمال افريقي، قال له الملك ان ينظر الى الجوانب الايجابية  للقرار فقد تكون تجربته القادمة في ليبيا بمثابة التحضير لمسؤوليات اعظم شأنا وان اكتساب خبرة ادارة مستعمرة هي انعكاس لخبرة ادارة الدولة نفسها في المستقبل!... مع حرصه لعدم احراق جسوره، تعمد بالبو استعراض ولائه ووفائه للدوتشي العظيم في العلن والانتقام منه في الوقت نفسه بطريقته الخاصة!

يتبع....

غسان عتيقة

* راجع الحلقات السابقة (رابط)

عبد الله | 21/04/2017 على الساعة 10:59
شكراً غومة...
شكراً غومة على التوضيح..كفيت ووفيت، ولكن اليتيم العاجز يظل دائماً يردد أغنية: ما أبهاك يا راجل أمي الأول! تحمل، وتعلم، وخذ الدروس وقل: سأكون الرجل الذي يعرف كيف يرعى مصالحه جيداً...
عامر | 20/04/2017 على الساعة 13:40
خطانا يا غومة
مقال رائع وترجمة عميقة وقلم جميل ! السيد غومة يطير في العين بتنظيره علينا " عقدة انا عارف وانت ما تعرف شي متاع الليبيين " ههه
غومة | 20/04/2017 على الساعة 02:17
ماذا "لو"...؟ (٢)
فنظرت إيطاليا حواليها ولم تجد سوى ليبيا على الساحل الأفريقي وبعض الاراضي القاحلة في القرن الأفريقي. فأعلنت الحرب على الرجل المريض! ماذا كان سيحصل لو بالبو لم يلقي مصرعه في١٩٤٠، وكم نعرف امام الدول داءماً توجد خيارت متعددة فَلَو إيطاليا اختارت طريق اخر؟ وماذا لو ربح المحور الحرب. وبمان استعمار إيطاليا لليبيا كان استطانياً وبالتالي كانت تخطط لتوطين بضعة الملايين من الصقليين والكالاببرزيين وما شابههم من الأميين الغجر المتخلفين الى ما أطلقت عليه بساحلها الرابع؟ وببشاعة حاكم مثل بالبو وتفانيه في خدمة الدولة الفاشستية ورعاياها، طبعاً من غير الليبيين والارتريين والصوماليين،لأنهم غجر ووحوش ولم يصلو بعد الى مرتبة المواطنين! كل ما ذكر عن الإعمار والبناء الذي قام به بالبو كان سعياً لاستقبال وتوطين الإعداد الهاءلة من المهاجرين. اي بمعنى اخر لو الأحداث والصدف والحظوظ سارت في الجانب الاخر، ربما ليبيا لكانت الان فيما هي فيه فلسطين أو اتعس. الفاشست كانوا ينوون توطين بضعة ملايين من بني جنسهم والقضاء على السكان المحليون، الآنجلوساكسون، مهما كلفهم ذلك. اي كان هنالك احتمال كبير لا أنا ولا أنت نتواج
غومة | 20/04/2017 على الساعة 01:55
ماذا كان سيحصل "لو" التاريخ أخذ مجرى اخر..؟. (١)
هنالك موءرخون يحاولون كتابة التاريخ بالاجابة على؛ ماذا كان سيحصل لو؟ اي لو لم تدخل الولايات المتحدة الحرب العالمية الاولى فهنالك احتمال كبير بان ألمانيا لم تخسر الحرب وبالتالي لا وجود للنازية (والفاشية والشيوعية !) ولا للحرب العالمية الثانية، وبهذا لن تكن هنالك ضرورة لتقسيم أوربا وتوطين اليهود بفلسطين، الخ! وقبل وضع السوءال عن بالبو يجب إلقاء نظرك عن الدوافع التى حفزت إيطاليا لغزو ليبيا. نظراً لتاريخ إيطاليا ودويلاتها، كانت اخر من وصل لمرحلة التصنيع، ومعظم الصناعة كانت بالشمال. جنوب إيطاليا كان فقير ومتخلف يشبه اكثر حوض البحر الأبيض التوسط وبالتحديد جنوبه! هذه الظروف أرغمت كثير من الجنوبيين بالهجرة الى العالم الجديد وبالتحديد الولايات المتحدة في الفترة الممتده بين القرنين التاسع والعشرون. وقد لاقى اولءك المهاجرون معاملة عنصرية مشينة من قبل الانجلوساكسونيين! مما ساعد اولءك الايطاليون الذين كأنوا يريدون تقليد بقية الدول الأرنبية في اكتساب مستعمرات في القارة السوداء، حتى يتسنى لأيطاليا توطين مواطنيها الذين ضاقت بهم إيطاليا. كانت إيطاليا قد وضعت عيناها على تونس ولكن فرنسا سبقتها على ذلك!غو
مجدي ابراهيم | 19/04/2017 على الساعة 23:43
حكم بالبو الباهي
شكرا للسيد غسان على تسليط الضوء لمرحلة مهمة جدا من تاريخ ليبيا وهو العصر الذهبي لليبيا (فترة حكم بالبو) التي تم تجاهلها عمدا.. انها فترة ذهبية فقد قام بالبو بانشاء المستشفيات والمدارس والفنادق وشق الطرق وزرع الأشجار المثمرة وبني المساجد والكنائس واهتم بالخدمات الصحية وقام بحملة ضد الامراض المعدية وانشاء المدرسة الإسلامية العليا. رحم الله بالبو الرجل العظيم.
WAEL KREKSHI | 19/04/2017 على الساعة 12:32
ختصار
نشكر اي مجهود علمي، تحية للأستاذ غسان. ترجمة الكتب عمل ممتاز وذو فائدة كبيرة خاصة مع ما نشهده من حالة التردي العلمية، الثقافية والفكرية... ترجمة الكتاب لا تعكس بالضرورة وجهة نظر المترجم... يجب قراة الكتاب قبل إصدار احكام والدخول في جدالات و نقاشات... الاستعمار له ايجابياته وسلبياته ويعتمد التقييم علي زاوية الرؤية ومعيار التقييم تحياتي
إستفتاء
هل تؤيد دعوة مجلس النواب الليبي لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية؟
نعم
لا
الإنتخابت لن تغير من الامر شئ
الوضع الأمني لن يسمح
لن تفيد بدون تسوية سياسية أولا
التوافق على دستور اولا
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع