مقالات

د. علي اعبيد

التعليم الإلكتروني ودوره في عملية اكتساب المعرفة

أرشيف الكاتب
2017/04/19 على الساعة 11:10

أدى التطور الهائل في تقنية الحاسوب وعلوم المعلوماتية إلى ظهور تطبيقات عديدة ومتنوعة مست حياة مئات الملايين من البشر، ونقلت العالم في أقل من ثلاثة عقود إلى حالة أرقى وأكثر تطوراً، أطلق عليها عصر المعلومات. من هذه التطبيقات الحكومة/الإدارة الإلكترونية، والتجارة الإلكترونية، والتعليم الإلكتروني، إضافة إلى تطبيقات أخرى أكثر عمقاً وتخصصاً تقع معظمها في خانة تطبيقات الذكاء الاصطناعي والمنظومات الخبيرة، مثل الطبيب الإلكتروني..!

إذن ما هو التعليم الإلكتروني؟

بالقطع التعليم الإلكتروني ليس مجرد استخدام الحاسوب في التعليم، وإن كان الحاسوب يمثل محور العملية التعليمية الإلكترونية، ولعل دوره يصبح أكثر وضوحاً إذا ما قارنا العملية التعليمية التقليدية بالعملية التعليمية الإلكترونية.

يشير المتخصصون في علوم التربية إلى أن العملية التعليمية تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية، هي: طالب وكتاب ومعلم. والكتاب هنا يمثل كل أوعية المعرفة ووسائل إيضاحها. أما العملية الإلكترونية فتقوم على ركيزتين إثنتين: هما طالب وحاسوب (ليس أي حاسوب..!). ويجدر التوضيح هنا أن الحاسوب هو آلة ذات استعمال عام، وأن ما يحدد ملاءمته لعمل ما هو ما يحملة من برامج وليس مجرد وجوده من عدمه.

إذن التعليم الإلكتروني يقوم على وجود طالب (وهو المتلقي)، ووجود حاسوب (مجهز ببرامج التعليم الإلكتروني). يمثل فيها الحاسوب المعلم والكتاب ووسائل الإيضاح بأنواعها في حزمة واحدة. وكلما كانت هذه البرامج معدة إعداداً جيداً كلما كانت عملية نقل المعرفة للمتلقي أكثر كفاءة وفعالية.

والمقصود بالبرنامج التعليمي الإلكتروني هو اختزال المادة المعرفية الموجودة في الكتب التقليدية ووسائل إيضاحها مثل المجسمات، والملصقات المصورة، والخرائط، والاشرطة الوثائقية، ومعامل إجراء التجارب؛ إلى مادة معرفية مبرمجة (على شكل برنامج حاسوب) تعتمد في عملية تقديمها وعرضها على تقنية تعدد الوسائط (نص، وصوت، وصورة، ومقطع مرئي) بحيث تظهر على شاشة الحاسوب نصاً مرتباً، مرفقاً بصوت بشري واضح للشرح، مع ما تتطلبه من أشكال توضيحية متقنة، ورسوم بيانية، وصور ثابتة، ومقاطع مرئية، وصور تخطيطية ثلاثية الأبعاد مفردة أو متراكبة في ما يشبه الأشرطة الوثائقية، ولكن في شكل تعليمي بيداغوجي أكثر عمقاً وأكثر إقناعاً.

إذا افترضنا أننا سنأخذ درساً عن قلب الإنسان، وبعد العمليات التقليدية لتشغيل الحاسوب واستدعاء البرنامج التعليمي، يظهر لنا على الشاشة رسم توضيحي (يشبه الرسم بالقلم ولكن أكثر جودة) مبسط، مرفقا بنص مكتوب، مع شرح بصوت بشري واضح، وأسهم تتحرك على الرسم تناسباً مع الشرح الصوتي. بعد ذلك تظهر صورة حقيقية للقلب للمقارنة بالرسم التوضيحي، يتبعه مقطع مرئي يبيّن عمل القلب في وضعه الطبيعي. وقد يتحول المقطع المرئي إلى مقطع ثلاثي الأبعاد يمكن تدويره 360 درجة لإظهار خفايا القلب من كل الزوايا، كما يمكن لمقطع آخر أن يكون متراكب مع المقطع السابق، بحيث يظهر أحدهما عمل الصمامات وحركة الدم، بينما يبين الثاني سريان الإشارة الكهربية التي تتحكم في عملية النبض.

هذا التبسيط المفصل للمادة المعرفية يمكن إجراءه في كل مجالات المعرفة؛ من اللغات والعلوم الإنسانية بأنواعها، إلى العلوم الطبيعية؛ كالرياضيات والفيزياء والكيمياء، وإنتهاءً بالعلوم التطبيقية كالهندسة بأنواعها. وتساعد البرامج التشبيهية المرفقة لإجراء التجارب المعملية (افتراضياً) في ترسيخ وتثبيت المفاهيم، تماماً كما تفعل المعامل الحقيقية، طبعا دون الحاجة إلى هذه المعامل وما تتطلبه من مبان وتكاليف..! ومن المعتاد أن تحتوي البرامج التعليمية على آليات تقييم واختبار للطالب بحيث يتأكد أنه فهم المادة جيداً عبر إعادة الدرس، أو التركيز على نقاط معينة، أو التوسع في شرح المفاهيم الصعبة.

برامج التعليم الإلكتروني شهدت في الأونة الأخيرة تطوراً كبيراً من حيث الكم والكيف، وأصبحت عماد ما يسمى بمؤسسات التعليم والتدريب الافتراضي في الدول المتقدمة، وعلى رأسها الجامعات الافتراضية (الجامعة الافتراضية موجودة في الفضاء الافتراضي، وتؤدي نفس دور الجامعة التقليدية دون أن يكون لها كيان مادي حقيقي على الأرض..!)، بل أن معظم الجامعات الراقية في امريكيا الشمالية أصبحت تتيح للطلاب من كل أنحاء العالم الاستفادة من موادها التعليمية الإلكترونية، بوضعها في مواقع معلومة على شبكة المعلومات الدولية بقصد المساهمة في نشر المعرفة.

نظريا يستطيع أي شخص قادر على اكتساب المعرفة بالطرق التقليدية، أن يكتسبها عبر نظام التعليم الإلكتروني، ومهما كانت فئته العمرية. ولا يشترط فيه إلا المقدرة على تنظيم الوقت والانضباط الذاتي، وهذا بالبداهة يطرح سؤالين مهمين؛ الأول: هل يستطيع تلميذ الابتدائي الانخراط في مثل هذا النوع من التعليم؟ والثاني: ما هو دور المعلم إذا كانت المادة المعرفية ستقدم للطالب بافضل مما يستطيع تقديمها المعلم التقليدي؟

يلاحظ الجميع مدى ولع صغار السن من فئة أعمار طلاب الابتدائي والاعدادي بالأجهزة الحديثة مثل: الهواتف النقالة، والحواسيب اللوحية وقدرتهم على تعلم استعمالها بسرعة، الأمر الذي يدل على أنهم أكثر استعداداً على الانخراط في نظام التعليم الإلكتروني من غيرهم، وكل ما يحتاجونه هو تنظيم الوقت وممارسة الدراسة المنهجية المنظمة، وهو تحديداً ما يساعد عليه المعلم. المعلم في أسلوب التعليم الإلكتروني يتحول إلى منسق أو مسهل أو ضابط إيقاع يساعد الطالب في تنظيم عملية اكتساب المعرفة، بعد أن يتم إعداده -المعلم- في دورات قصيرة تهتم بالأسلوب الأمثل للتعامل مع نظام التعليم الإلكتروني.

في التعليم التقليدي، ونتيجة لاعتماد أسلوب التلقين، يمثل المستوى المعرفي للمعلم السقف الذي لا يمكن للطالب أن يتجاوزه، وكلما كان مستوى المعلم ضعيفاً أو تدنى أداءه، كلما تدنى مستوى الطالب وانخفض معدل اكتسابه للمعرفة. في التعليم الإلكتروني، وبحكم أن المادة معدة إعداداً جيداً، ومن ثم فإن السقف مرتفع، يصبح مستوى الطالب بالنتيجة مرتفعاً تلقائياً. من هذه الحقائق يمكن القول أن ضعف المعلمين المتأصل أو ضعف أدائهم يمكن تجاوز أثاره بكل سهولة، وبالتالي قطع الطريق على الخلل الشائع في الأسس الذي قد يلازم الكثير من الطلاب حتى نهاية دراستهم الجامعية (مثل الخلل في الإملاء والتعبير).

في ضوء ما طُرح أعلاه، للقارئ أن يسال سؤالا محورياً، وهو: لماذا لم يستفيد قطاع التعليم في ليبيا من هذا الأسلوب الفعّال في التعليم، خصوصاً وأنه في حالة لا يحسد عليها؟

الجواب يحتاج إلى مقال أطول من هذا المقال، لكن فحواه يمكن اختصاره في أسطر معدودة، وقد جاء ذلك من واقع التجربة والممارسة عن قرب، وهو: لا مشروع التعليم الإلكتروني، ولا أي مشاريع إبداعية رائدة يمكن إنجازها في وجود أربعة عناصر تثبيط وعرقلة:

أولها البيروقراطية المريعة، الناتجة عن الكم الهائل من اللوائح والقرارات والقوانين المتضاربة والمتناقضة والقابلة للتفسير في كل إتجاه، التي تتطلب مراعاتها دورات ورقية غاية في التعقيد تستهلك الجهد وتهدر الوقت.

وثانيها وجود مجموعات من المتطفلين وأدعياء الوطنية، الذين أنتجتهم ثقافة مسرح العرائس في المؤتمرات الشعبية، متمترسين في مفاصل الدولة الليبية. وبحكم قصورهم المعرفي، وجهلهم بطبائع الأشياء لا يكفون عن عرقلة إى عمل، بدعوى أنه مخالف لما يجب أن تكون عليه الأمور.

وثالثها ما يمكن أن يسمى بأجهزة التعقيم التي تقتل الخلايا المفيدة قبل أن تقتل الجراثيم الضارة، والمقصود بها الأجهزة الرقابية المتيبسة التي أصبحت في الواقع تشكل عوائق كأداء أمام أي مشروع مفيد، بدعوى مخالفة اللوائح أو شبهة الفساد.

ورابعها غياب الاستقرار السياسي وتغيير المسؤلين المستمر مع اختلاف الرؤية بينهم، جعل تعثر كل المشاريع التي يتطلب إنجازها وقتاً أطول من بقاء من يؤسس لها في موقعه، أمراً حتمياً.

هذه العناصر الأربعة حالت دون أن يعطي مشروع التعليم الإلكتروني الليبي نتائجه، رغم أنه وصل إلى مرحلة متقدمة للغاية، وكان سيساهم في رفع جودة عملية تعليمية أقل ما يقال عنها أنها قريبة من الاحتضار.

د. علي اعبيد
وزير التربية والتعليم السابق - ليبيا
18-4-2017

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
ماذا تتوقع من لقاء فايز السراج وخليفة حفتر في أبوظبي؟
لا شئ
إنفراج للأزمة
خطوة علي الطريق الصحيح
لا ادري
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع