مقالات

أكرم الفزاني

حوار التناصح... صراعات خارج دائرة العدل

أرشيف الكاتب
2017/04/19 على الساعة 10:40

تابعت حلقة برنامج حوار المساء على قناة التناصح التي ناقشت تجديد الثقة في رئيس المجلس الأعلى للدولة الدكتور عبد الرحمن السويحلي، وعملية تجديد رئاسة المجلس عموما. وقد كان واضحا منذ البداية أن رسالة الحلقة هي إبراز أن حزب العدالة والبناء واجه هزيمة داخل المجلس، وإن كان المقدم، وضيفاه لم يستطيعا الحسم هل الأمر بإرادة من الحزب، أم أنه إقصاء مورس ضده.

ومما يلفت النظر في سياق الحلقة عموما، أن وضوح خطاب الأستاذ خالد المشري أفشل تلك الرسالة، وأبرز الجوانب الإيجابية للعملية الانتخابية برمتها، كما أبرز خط الحزب الوطني، المتمسك بثوابت الوطن والثورة، الحريص على ترسيخ العملية الديمقراطية داخل ليبيا، مبرزا أن موضوع المناصب مَشْغَلٌ صغير لا يعني شيئا لحزب العدالة والبناء، الذي يعتبر المسؤولية تكليفا لا تشريفا.

بحسب خبراء الإعلام فإن الحلقة التي حاولت التزام التوازن، باستضافة عضو من الحزب، ومن المجلس الأعلى للدولة في نفس الوقت، شهدت اختلالات كبيرة على مستوى أخلاقيات مهنة الصحافة، وهي مأساة عانى منها المواطن الليبي، وما زال يكتوي بنارها، فتحول كثير من وسائل الإعلام من وظيفة التنوير، وإظهار الحقائق وشرح القضايا المعقدة، لتمكين المواطن من الحكم على الأشياء والأشخاص، والمواقف، حكما صحيحا، تحول من هذه الوظيفة المقدسة إلى أداة في الصراع، بل إلى وسيلة للتحريض على القتل، وتغييب المواطن عن طريق الترويج لوجهات نظر، بدل التركيز على تبيان الحقائق وفق منطق علمي.

لقد أدى هذا النمط من الممارسة التي تسمي نفسها إعلامية، إلى داء آخر أكثر خطورة، وأشد فتكا، هو زرع الحيرة، حتى أصبح الشك وعدم الثقة في أي شيء هو سمة المواطن الليبي، وأنتج ذلك قلقا بدل الطمأنينة، وتشبثا بالشائعة، بدل البحث عن الحقيقة.

لقد اختل التوازن في البرنامج بداية من التقرير الذي كان عبارة عن سيل من الأحكام والانحيازات التي طمرت المعلومات في ركام من الآراء والمواقف. وهو ما حوله إلى حصة دعاية ضد جهة معينة.

- اختارت القناة اللعب بطريقة ثلاثة مقابل واحد؛ فاثنان من الضيوف يقدمون نفس وجهة النظر التي عبر عنها التقرير، وعبرت عنها الافتتاحية، وتكررت مع بعض أسئلة المذيع، ولم يستطع المذيع أن يغيب وجهة نظره الشخصية، رغم أنه حاول أكثر من مرة الظهور بمظهر المحايد، أو على الأقل من يحاول أن يكون متوازنا. وسيلاحظ من تابع البرنامج أن الضيف والضيفة تبادلا أكثر من مرة عبارة: "تأكيدا على ما قالته، أو قاله...". النتيجة أن الأستاذ خالد المشري كان يواجه القناة ممثلة في التقرير، والمقدم، وضيفين اثنين.

- غاب عن البرنامج طرف أصيل في الحوار، هو المجلس الأعلى للدولة، ممثلا في رئاسته، أو مكتبه الإعلامي، ولكنه حضر في سيل من الاتهامات بعدم الشرعية، وعدم الجدوائية.

- غاب التوازن عن البرنامج من حيث استحضار المعلومات الصحيحة المتعلقة بجزء من موضوع النقاش، والمقصود هنا هو اختصاصات المجلس الأعلى للدولة بحكم الاتفاق السياسي، وظهر أن المقدم وضيفيه، يتجاهلون عن عمد، أو سهو، النصوص المنشئة للمجلس الأعلى للدولة، والاختصاصات المسندة إليه، فتارة يحاسبونه على ارتفاع سعر الدولار، وأخرى على الأوضاع الأمنية، ويسائلونه عن الإنجازات في الميادين المختلفة، ولولا حضور الأستاذ خالد المشري لكان الأمر أضحوكة كبيرة.

على صعيد المضمون:

سأتجاوز مضمون التقرير وأسئلة المقدم لأن ما ورد أعلاه من النقد الشكلي يكفي لإبراز ضعفهما، وسأباشر في التعليق على بعض محتوى ما فاه به الضيف من لندن، وكذلك الضيفة. من يتابع الحلقة من بدايتها إلى نهايتها يخيل إليه أن الضيفين يتبادلان القراءة من أرشيف صفحات التواصل الاجتماعي، سرد الضيف من لندن أسطوانة اتهامات متناقضة، خلط فيها بين جماعة الإخوان المسلمين، وحزب العدالة والبناء، وأورد كما من المعلومات المغلوطة والأفكار المتناقضة، وسأحاول اختصار بعضها قبل التعليق عليها.

حزب العدالة والبناء يحاول استنساخ التجربة التركية، لأنه يريد العمل في ليبيا من خلال الآليات الديمقراطية!؟. وهذه الجماعة مخترقة من الأنظمة الفاسدة. وهي أي الجماعة/ الحزب لا تريد الوصول إلى السلطة، لكنها تريد الإبقاء على الأنظمة الدكتاتورية !!!؟. هذه الجماعة أنقذت ملك المغرب بعد أن شهدت المغرب ثورة شبيهة بثورة ليبيا!!!!؟ وفي مصر أيضا. لم يقل المحلل ما ذا في مصر؟؟! لكنه عاد وأوضح قليلا، وهو أن يقصد الكلمة المشهورة كشعار لحركة الإخوان المسلمين في مصر: "سلميتنا أقوى من الرصاص"؟!!.

هل فيكم من يمكن أن يفسر شيئا مما يقوله هذا المحلل المحترم؟ أما أنا فلا.

أما الأخت التي تحدثت في البرنامج فقد كانت تعيد بعض أفكار الأستاذ المتحدث من لندن، بطريقة أخرى، وقد جاءت في ثنايا مداخلتها، بفكرتين من نتاج العبقرية الليبية الفذة في السياسة والحكم؛ الأولى أن أزمة ليبيا أزمة قانونية وليست أزمة سياسية؛ فما يوجد في ليبيا بحسب الدكتورة هو تمرد على السلطة الشرعية ممثلة في المؤتمر الوطني، وحركات التمرد، لا تعالج بالحوارات!!!.

الفكرة الثانية، هي أن الشاطبي ظلم بتنزيل كلامه عن ارتكاب "أخف الضررين"، والأمر في ليبيا حسم بفتوى، وحتى الذين يستعملون فتاوى الخارج، فهناك من أفتى من الخارج بأن ما في ليبيا باطل شرعا (المقصود هو الاتفاق السياسي).

هل تستحق هذه الأفكار أن نعلق عليها؟ هل هنا ما يمكن للإنسان أن يناقشه؟ هل نحن أمام كلام ينتمي إلى حديث النخب، وصناع الرأي وأصحاب المشورة والحكمة؟ الله تعالى أعلم.

نعم حزب العدالة والبناء يريد العمل في ليبيا من خلال آليات الديمقراطية. هذه التهمة يقر بها الحزب. أما كونها لا تصلح لليبيا، فذلك منطق لا يمكن نقاشه، ولا يمكن تركه دون نقاش! أمر صعب فعلا، لكني سأختار الموقف الثاني.

هل الديمقراطية غير صالحة في ليبيا لشيء في الديمقراطية أم لشيء في ليبيا؟ لم يجب المحلل، ولم يسأل الصحفي. إذا كانت الديمقراطية تعني: حرية الإعلام، وحرية الانتخاب، وحق الناس في اختيار من يحكمهم ابتداء، ومراقبته، ثم عزله انتهاء، فمن أجل هذا ثار الليبيون، وإلى هذا يسعون. وإن كانت تعني شيئا آخر، فلا نعلم عن لون للديمقراطي فيما عدا الديمقراطية المباشرة والزحف الأخضر، والتي سبق وأن جربناها وهي قطعا ليست المقصودة.

أما أن الحزب لا يريد السلطة، وإنما يريد إدامة الأنظمة الدكتاتورية فيها، أو أنه لا مشكلة لديه مع حكم العسكر. فهذا شيء يصعب التعليق عليه، ولكني أسأل المحلل، سؤالا كان ينبغي أن يطرحه الصحفي؛ من هي أكثر المجموعات الليبية تضررا من حكم العسكر، وأكثرها استفادة من الديمقراطية والحرية؟

أما قصة إنقاذ ملك المغرب من ثورة شبيهة بثورة ليبيا، فهي نقطة تحسب للملك وأما فرية تقديم دعما لاستدامة الحكم العسكري في بلدان عدة، فيكفي لدحضها مراجعة مسار الأحداث في ليبيا، منذ اعتلاء معمر القذافي سدة الحكم، إلى انقلاب حفتر.. ويمكن مساءلة السجون والمنافي وساحات القتال في الثورة.

مشكلة ليبيا أيها الأخت الكريمة ليست مشكلة قانونية، والدليل على ذلك عدد الأحكام التي تحدثت عنها موضوعة في الأدراج؛ إذ لو كانت الأحكام القانونية تحل إشكال ليبيا لكنا منذ زمن بعيد نرفل في السعادة والأمن والأمان والرفاه. مشكل ليبيا فعلا كما يرى حزب العدالة والنباء، وكل الفاعلين السياسيين والقانونيين في ليبيا بما فيهم قضاة المحاكم العليا في ليبيا، وشركاء ليبيا الدوليون، مشكل ليبيا سياسي بامتياز.

إن التاريخ القريب والبعيد، وكل التجارب البشرية تشهد أن علاج حركات التمرد هو الحوار فقط، وليس التشبث اليابس بالقانون. كل البلدان حلت مشاكلها بالحوار. كل الحروب الأهلية التي شهدها العالم آلت إلى الحوار، وبه تمت السيطرة على لهيبها، وليبيا لن تكون بدعا من ذلك. هذا ما يراه حزب العدالة والبناء وهذا ما يؤمن به، وهذا ما يعمل عليه.

ونفس الشيء يقال عن الفتاوى، فلو كان حل مشكل ليبيا في الفتاوى لكنا من زمان أنهينا كل الأزمات. إن الفتاوى التي تصف رأيا سياسيا بأنه حلال، ورأيا سياسيا آخر بأنه حرام، هي مجرد رأي سياسي ثالث مؤيد لأحد الرأيين المطروحين، لكنه يسيج على نفسه بألفاظ شرعية، ونصوص من الوحي أو من كلام العلماء يوردها في غير محلها، أو في محلها، ويتناسى نصوصا أخرى.

إن قاعدة أخف ارتكاب الضررين وجلب كبرى المصلحتين، لا يمكن رفضها، بحجة أن فلانا أو علانا ممن ينتسبون إلى العلم الشرعي يقول برأي كذا.. إنما يفعله هذا الشخص هو تنزيل للقاعدة على حادثة معينة، قد يكون غيره أعلم منه بتفاصيلها وسياقها، ومآلاتها، وبالتالي فرايه يكون منقوصا. إن من يميز أن هذا الضرر أخف من ذاك ليس بالضرورة عالما متفقها، بل الأصل أن أهل الاختصاص السياسي أدرى هنا بمناط الحكم من غيرهم، إذا توفرت فيهم شروط الأمانة، والخبرة.

أكرم الفزاني

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تعتقد أن الإفراج عن سيف الإسلام القذافي:
سيساهم في حل الأزمة الليبية
سيدعم جهود المصالحة الوطنية
سيزيد من تعقيد المشهد السياسي
اجراء غير قانوني
لن يكون له تأثير
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع