مقالات

د. عمارة علي شنبارو

خواطر في مهد الإنفراج

أرشيف الكاتب
2016/07/13 على الساعة 15:14

بعد مرور أكثر من مائة يوم على دخول المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني العاصمة طرابلس ومباشرته لمهام عمله.. بموجب الاتفاق السياسي الليبي الذي تم اعتماده في جلسة مجلس النواب بتاريخ 25/1/2016م.. لم تلوح في الأفق أي بوادر لإنفراج الأزمة القائمة.. فالأداء الضعيف للمجلس الرئاسي بسبب التجاذبات الحاصلة بين أعضائه وحجم التحديات التي يواجهها والصعاب التي تُعِيق عمله.. ناهيك عن الإنقسام الحاصل بمجلس النواب بين مناوئ وآخر موالي لحكومة الوفاق الوطني ومجلسها الرئاسي.. وما ترتب عليه من عرقلة لإجراءات منح الثقة للحكومة المقترحة.. ساهم كل ذلك  في زيادة حدة المشاكل على كافة الأصعدة.. ولمن يتساءل إلى متى يبقى الحال هكذا.. ويتطلع لحل ينهي تلك الأزمة الخانقة التي نعيشها اليوم.. ويعود بالبلاد إلى كنف الاستقرار والسلام وبدء العمران.. فواقع الحال.. ينبئ بأن الحل ليس بالبساطة التي يتصورها البعض.. والمعالجة تتطلب الحكمة والكثير من الوقت.. فالاخطاء التي اُرتكبت جسيمة ومتراكمة.. ونوايا البعض غير صادقة.. وروائح التآمر تتصاعد من كل ركنوزاوية.. والأمور معقدة ومتشابكة.. تتضمن المشكلة السياسية وتجاذباتها.. والموقف الدولي واسقاطاته.. والانفلات الأمني وأثاره.. والصراع العسكري وابعاده.. والتراجع الاقتصادي وتداعياته.. والانقسام الفكري وانعكاساته.. وتشوه نسيج المجتمع وسلبياته.. وقبل أن نخوض في بعض الخواطر والأفكار.. على طريق إيجاد حلول للأزمة الراهنة التي تعصف بليبيا.. ينبغي أن نقف أولاً على مسببات تلك الأزمة.

جذور الأزمة:

يشير العالم والفيلسوف "Albert Einstein" في معرض تحليله للمشاكل العلمية التي تواجهه بصفة عامة.. "إن جزء هام من الحل يكمن في معرفة جذور المشكلة".. ومن هنا.. وفي تقديري.. فإن جذور الأزمة الليبية التي انطلقت من بعد قيام ثورة فبراير.. برزت في عدة صور أهمها:

1) إنتشار السلاح بشكل واسع.. وما ترتب على ذلك من تردي وإنفلات في الوضع الأمني.. وبروز لقوى مسلحة تعيق قيام الدولة.. إما انعكاساً لأزمة الثقة القائمة بين أطراف النزاع السياسي.. وما صَاحَبها من مخاوف نابعة من إمكانية استئثار أحد الأطراف بالسلطة والتنكيل بخصومه.. وإما لدوافع جهوية وقبلية أو لمصالح فئوية وشخصية.

2) ظهور المطامع في حكم ليبيا بقوة السلاح والنفوذ.. على حساب التجربة الديمقراطية الوليدة.. دون مراعاة للمصلحة الوطنية ولمعاناة المواطن.

3) تفاقم الانقسام السياسي بين التيارات الفكرية والحزبية المتصارعة.. حول ماهية الدولة القادمة وما هي أبرز ملامحها ومبادئها وكيفية تأسيسهاوإدارتهاومن هم رجالها.. أربك ذلك المشهد السياسي بشكل كبير وساهم في تطور الاحداث إلى نزاعات مسلحة لظّفر بالسلطة.

4) انقسام المؤسسات العسكرية والأمنية وفقاً للانقسام السياسي الحاصل.. وعجزها عن القيام بمهامها بشكل موحّد ومتكامل.. في ظل ضعف الامكانيات وعدم توفر المعدات والعتاد والآليات الخاصة بها.. وما صاحب ذلك من غياب للانضباط وانتشار للتسيب بين صفوف أفرادها.. وعزوف الكثير من المنتسبين إليها عن الالتحاق بثكاناتهم ومقرات أعمالهم.. كان ذلك سبب رئيسياً في انتهاك سيادة الدولة.. وفي غياب الأمن وعدم استتبابه في معظم المناطق.

5) تدني مستوى إنتاج وتصدير النفط بشكل كبير.. بسبب توقف العديد من المنابع وغلق للموانئ النفطية العاملة.. بفعل قوة السلاحوبدافع الاستحواذ وممارسة الضغوطات لتحقيق بعض المكاسب السياسيةوالجهوية.. قلل ذلك من حجم الإيرادات العامة واحدث عجزاً متراكماً في الموازنة السنوية للدولة.. وأثر بشكل ملموس على حجم الانفاق العام على الخدمات الأساسية المقدمة للمواطن.

6) استشراء الفساد المالي والإداري والاخلاقي على نطاق واسع.. أثر بصورة بالغة في تصاعد الفوضى ونهب المال العام.. وتفاقم التعثر الاقتصادي وتردي أداء المؤسسات العامة والخاصة.

7) استمرار التآمر ضد ليبيا وثورتها.. المدعوم من رموز النظام السابقوجهات اقليمية ودولية.. ضمن الحملة الشعواء التي تُشن ضد ثورات الربيع العربي بصفة عامة.. من قِبل الأنظمة السابقة المنهارة.. وبعض الدول العربية والاقليمية المساندة لها.. التي ترى في تلك الثورات تهديداً مباشراً لاستقرارها السياسي ونموها الاقتصادي.. وإرباك لمصالحها ونفوذها بالمنطقة.. زاد ذلك التآمر من حدة الفوضى والتخبط.. وقاد لتشويه ثورة فبراير والإساءة لمبادئها وللتضحيات التي قدمت من أجلها.. في محاولة لإرجاع عقارب الساعة للوراء.

8) انطلاق القنوات الإعلامية المؤدلجة.. البعيدة عن الحيادية والمهنية.. ناهيك عن سوء استغلال شبكات التواصل الاجتماعي.. ساعد على زيادة حالة الاستقطاب بين أطراف النزاع ومناصريهم.. وقاد إلى تضليل الرأي العام عبر بث الأكاذيب والإشاعات.. وساهم في زرع الفتن ونشر الكراهية بين الليبيين.

9) غياب النضج السياسي عند بعض النخب الحاكمة.. بسبب حداثة التجربة الديمقراطية وعدم تبلور مقاومات نجاحها.. أو لوجود شخصيات غير مناسبة في سدة الحكم.. ساهم ذلك في تراكم الأخطاء التشريعية والتنفيذية.

10) ظهور طلائع من التنظيمات الارهابية المتطرفة.. وانتشارها في بعض المدن الليبية.. أثر بشكل سلبي على  سيادة الدولة وأمنها واستقرارهاووحدة ترابها.

11) تنامي الدعوات الإنفصالية والجهوية من عدة أطراف بالداخل.. ساهمت في تهديد وحدة الوطن.. في ظل بروز مطامع دول الجوار في التوسع.

12) تزايد تدفق موجات الهجرة القصرية.. نحو السواحل  الجنوبية لأوروبا مروراً بالأراضي الليبية.. كَرّسَ لانتهاك سيادة الدولة وهدّد وحدة ترابها.. وساهم في تفاقم المشاكل الأمنية وتردي الظروف المعيشية لسكان الجنوب.. وأدى لظهور عصابات تهريب المهاجرين في أغلب مدن الساحل.. وما صاحب ذلك من ممارسات غير إنسانية وغير اخلاقية بحق اولئك المهاجرين البؤساء.  

نحو بوادر الانفراج:

إن انفراج الأزمة القائمة يستند في المقام الأول.. على ضرورة معالجة جذور تلك الفوضى العارمة.. من طرف حكومة وحدة وطنية قوية وقادرة.. وبجسم تشريعي مدرك لمهامه ومسئولياته التاريخية.. وهذا في حقيقة الأمر.. يقتضي مراجعة مسيرة الاتفاق السياسي الليبي المتعثرة.. والوقوف على انجازات ونتائج عمل حكومة الوفاق الوطني.. التي ضاعت جهودها بين تجاذبات وعراقيل.. وعجزعلى صياغة رؤية مشتركة لمواجهة التحديات المحيطة.. ويمكنني في هذا السياق أن أضع بعض التصورات التي من شأنها أن تساعد.. في تقديري.. على حدوث انفراج في الوضع الصعب الذي يعيشه الليبيين.. والتي يمكن إيجازها على النحو التالي:

1) أهمية إعادة تشكيل مجلس رئاسي برئيس ونائبين.. على أساس البعد الجغرافي (بنص الاتفاق السياسي الليبي).. مع الأخذ في الاعتبار.. أهمية تحقيق التوافق الوطني واحداث التوازن السياسي بين التيارات الفكرية من خلاله.. حيث إن مسيرة المجلس الحالي.. بعد قرابة ستة أشهر من انطلاق أعماله.. في وجود تسعة أشخاص في سدة قيادته.. تنذر بفشله في القيام بمهامه.. في ظل غياب التوافق بين أعضائه واختلال التوازن السياسي في أداءه.. الأمر الذي زاد من حدة الانقسام والتباعد بين مكونات المجتمع الليبي.. ناهيك عن التخبط والعجز على إيجاد حلول للمشاكل المعيشية التي تواجه المواطن.. وعلى هذا الأساس فإن المسئولية تقع على عاتق مجلس النواب للوصول لتوافق حقيقي بين نوابه.. والخروج برؤية متكاملة تصب في هذا السياق.. وتكون بمثابة الأرضية لتحقيق السلام والوئام..

2) ضرورة عقد جولة جديدة من الحوار السياسي الليبي برعاية أممية.. لمناقشة كيفية معالجة الانسداد الحاصل في الأفق السياسي وفق رؤية جديدة.. وربما الركون لإجراء تعديلات على نصوص بعض مواد الاتفاق السياسي الليبي.. بغية الوصول لإحداث توافق وطني حقيقي يجمع الليبيين وينهي معاناتهم.

3) أهمية قيام مجلس النواب بإجراء إصلاحات جوهرية تمس هياكله التنظيمية وآليات عمله.. والعمل على تطوير مبدأ الشفافية والفاعلية لتعزيز مهامه التشريعية والرقابية.. بهدف الخروج من حالات الترهل والإنكفاء والانقسام التي يعيشها والتي انعكست سلباً على أداءه العام.. وعلى مجلس النواب أن يكون بالفعل برلماناً للأمة ممثلاً لكل الليبيين.. يقف على مسافة واحدة من الجميع.. يراعي مصالح الوطن.. ويسعى لتقريب وجهات النظرولم الشمل.. والبحث عن القواسم المشتركة بين الخصوم والفرقاء السياسيين.. والعمل على تنميتها ودعمها وصولاً لوفاق وطني حقيقي.. وعليه أن يبتعد عن الإنحياز السياسي وتصعيد المواقف والتعامل بردود الأفعال.. وعن تكريس الجهوية المقيتة.. التي صبغت في الكثير من الأحيان نقاشات وتوجهات أعضائه.. وانعكست واقعاً ملموساً في بعض مخرجاته.

4) لا يمكن أن يكون هناك سلام حقيقي يعم ليبيا.. ما لم يتم النظر بشكل جاد للصراع العسكري القائم في مدينة بنغازي وما حولها والعمل على إيقافه.. فبعد مرور قرابة العامين على نشوب ذلك الصراع.. فلا وجود لبارقة أمل في إنتهاءه.. فحجم الدمار والخراب فاق كل تصور.. و" ذَات المَنَارة " لازالت تنزف دماً ودموعاً وآهات.. وعدد الضحايا في تزايد.. الأمر الذي لا يمكن معه إلا الدعوة العاجلة لإجراء مفاوضات جادة.. بين أطراف الصراع برعاية عربية أو إسلامية أو أممية.. عسى أن يكون ذلك سبباً في وقف القتال وإحلال السلام الدائم.

5) على الليبيين جميعاً بكافة مكوناتهم الاجتماعية وأطيافهم السياسية ومشاربهم الفكرية.. العمل سوياً للخروج من هذه المعاناة التي يعيشونها.. عبر تجسيد التصالح والتسامح والتعاضد.. وتوحيد الصف والكلمة أمام التحديات التي تواجههم وتعصف بهم.. والسمو بأنفسهم عن الأهواء والأطماع والنزوات.. والإقرار بأن الوطن فوق أي اعتبار.. ومصلحته هي مصلحة الجميع.. وإن دماره وخرابه سيعم على الكل.. وبأنه بات في خطرٍ عظيم.. وإن الحاجة أصبحت ماسة ومُلحّة للبحث عن حلول حقيقية تجسد التوافق الوطني.. للخروج من كل تلك المأساة التي نعيشها ونتجرع مرارتها اليوم.. والتي نأمل ألا تطول أو يمتد صداها للأجيال القادمة.

والله المستعان

د. عمارة علي شنبارو

 

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع