مقالات

محمد عقيلة العمامي

".. يا خدمه في التموين"

أرشيف الكاتب
2017/04/17 على الساعة 16:32

السلع التموينية المدعومة، التي اصطف الليبيون أمام جمعيات توزيعها طويلا، لم تكن جديدة على الشعب الليبي، وإنما قد تكون وسائل وطرق سرقتها قد اختلفت. وقبل أن استمر فيما أنا بصدده، أريد أن أوكد أنني من أولئك الذين يعلمون جيدا أن الحكم المطلق هو من اختصاص الله وحده، وبالتالي ليس هناك تعميم في كل ما أقوله في هذا الموضوع، فاللصوص مهما تفننوا في إخفاء سرقاتهم هم معروفون لأبناء وطنهم، وأنا أعول عليهم كثيرا.

بعض جمعيات السلع المدعومة بلغ حد تفننهم في السرقة درجة تعجب الشيطان منها، ولعل الكثيرين ما زالوا يتذكرون كيف وزعت دفعة ثلاجات أو افران على مشتركي جمعية ما بطريقة، لا يشك فيها (ديكارت) نفسه ومع ذلك، ولولا صحوة ضمير الشيخ الذي ولد أعمى، أو لأنهم لم يعطوه حصته، وهو الذي كلف بالانتقاء العشوائي من كُدس كتيبات أعضاء الجمعية "المحظوظين" وأخبر الناس بما حدث، لما عرف أحد أنهم اتفقوا معه على أن ينتقي الكتيبات (الباردة) التي وضعوها في (فريزر) طوال ليلة كاملة؛ كان يتحسس الكتيب الأكثر برودة ويقدمه إلى رئيس الجمعية فيعلن عن اسم المواطن المحظوظ.

السلع التموينية، هي ما يعرفها جيدا جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية، (بالجرامات) التي كانت توزع بمعرفة مصلحة التموين حتى نهاية خمسينيات القرن الماضي. أذكر جيدا شخصية كاركتورية، كان يعرف باسم (الزعيم) هب واقفا يصفق ويرقص برشاقة ويغني: "يا حرثه.. يا ورثة.. يا خدمه في التموين" من بعد حديث رفاقه عن أحد جيرانهم الذي اغتنى بين ليلة وضحاها.

كانت تلك المهن والحالات، مثلما اخبرني "سي عقيله" رحمه الله هي فقط وسيلة المرء في الاغتناء وتبدل حال الفقير. السلع، أو قوت الناس، هي على نحو ما عصاة ميزان اقتصاد الدولة، فما زال الليبيون يعرفون أن كل من تمكن من توريد طلبية واحدة لمؤسسة التموين في عهد القذافي انتقل سريعا من شقة إلى (فيلا) في مزرعة.

وأذكر شخصية كانت لا تملك إلاّ الستر، اشتكي لصديقه في دبلن من لعنة الفقر، فكلفة بتوريد طلبية عجول، وكان صديقنا لا يعرف "البقرى" إلاّ بالكرشة، سلم الطلبية لشركة استرالية، فتغير حاله وشخصيته المتسولة البائسة، لدرجة أنه أصبح يضع رجلا فوق أخرى عندما يقعد في الحمام. اقتصاد الدولة هو مؤشر استقرارها من عدمه.

وعن الاقتصاد نشر السيد محمود شمام في صفحته على (الفيسبوك) يوم 2/4/2017 قال فيه: "أن الاقتصاد الرسمي -الليبي- على وشك الانهيار لكن اقتصاد الحرب الموازي بخير وينتعش كل يوم لذا ليس من مصلحة تجار الحروب ايقافها.." موضحا فيه أن المستغلين من أصحاب العقارات يمتصون مدخرات النازحين ويبنون العمارات الجديدة كل يوم. والمهربون الذين يهربون السلع والاموال والماشية والبنزين، "لا يريدون عودة سلطة الدولة ومن مصلحتهم استمرار الفوضى".

التجار المرابين يتفننون في تدوير الدولار، وقادة الميلشيات والقادة يبتزون الدولة والمستشارون السياسيون والمحللون والقنوات التي تتعيش على الدمار والخوف والموت، ومنظمات المجتمع المدني تتعيش على المؤتمرات والسفريات لعواصم العالم. جميعهم ليس من مصلحتهم إيقاف الحرب. النواب بعض النواب، والوزراء يسترزقون من العمولات.

ويواصل هذا الاقتصاد الاستغلالي في إقناع المواطن المنهك ان يستمر في "التحدي" وفاء لدماء الشهداء. مؤكدا انها حرب استنزاف لكل مورد خير في حياة الناس. هذا، وحق الله، ما يحدث في بلادنا بالفعل، وهو امر مرعب. ولقد تصادف أنني كنت أراجع الحلقة الأخيرة للدراسة التي أعدتها مؤسسة (clingendael) الهولندية، عن الثورة الليبية والاستياء منها، والتي ترجمتها، ونشرتها الوسط على امتداد اثني عشر أسبوعا.

المصادفة أن التقرير يحدد في خلاصة دراسته بعض من الاستنتاجات ابرزها، كما يقول التقرير: "مما سبق طرحه، فإن الواقع محبط إلى حد ما، (ذلك) لأن مؤشرات الأدلة من تطور الاقتصاد السياسي للبلاد منذ الإطاحة بنظام القذافي يشير بالفعل إلى أن عددا محدودا من المسارات أمام البلاد للخروج من أزمتها..".

والأزمة متمثلة في السلاح والكتائب منها المؤدلج ومنها الذي يسترزق، يعني قد يقدم خدماته لم يدفع ومع هؤلاء رجال المال والتجار الجدد المقتنعين تماما ان التجارة شطارة ولا شأن لهم بالكلام الكبير عن الوطن والسمعة والأصل والفصل وبقية تلك الكلمات التي سفهها الذين يخدمون على رؤوسهم! فكيف نتوقع منهم أن يسمحوا بحلا سوف يقضي على تجارتهم المزدهرة ينطلق من أمامهم من دون أن (يعكفوه).

أنا لا أعتقد انهم سيقبلون ذلك خصوصا بعدما صار لهم شركاء في منصة صناع القرار. ولا اعتقد أنهم أغبياء لدرجة لا يفكرون كيف يوفرن احتياجات المواطن الأساسية، بل سوف يقنون ويطورن نظام (الجمعيات الاستهلاكية) كأن توزع عليهم في بيوتهم مثلا، بدلا من وقوفهم في طوابير.. يعني نظام (جرامات) ولكن بتقنية متطورة.

محمد عقيلة العمامي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
صادق | 17/04/2017 على الساعة 17:49
معذرة من السيد الكاتب
ارجو من صديقنا الكاتب الموقر ان يتسع صدره للنقد، لقد وجدت صعوبة في قراءة افكارك المكتوبة بعضها ربما يرجع الي اخطاء إملائية وهنا العتب علي النظر ولا ألومك في هذا ، لكن القصص المقحمة في هذا المقال لم تصلني كقارئ رغم الجهد الذي بذلته !!؟ وهذا المقال يختلف عن مقالاتك السابقة ، ولا ادري ما السبب ؟! مازلتَ رائعاً ومزلتُ اتابع ما تكتب ، ارجو ان تكون موفور الصحة والعافية ،لك مني التحية والاحترام والتقدير !!!
محمد بوسنينه | 17/04/2017 على الساعة 17:44
تعليق
السيد محمد ، من المعلوم أن نظام بطاقات الإستهلاك ( الغرامات) قد قدمته الإدارة العسكرية البريطانية الحاكمة لإقليمي برقة وطرابلس الغرب في اعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية ويحتفظ الأرشيف الوطني البريطاني بأسماء بعض من تلاعب من تجار في الحصول وتخزين السلع الضرورية التي كانت توزع بالبطاقة ، لم يغتني فقط الليبيين من مشروع القذافي بل استغني مورد لمعجون الطماطم الذي كان يحجز محصول الطماطم في مزارع اليونان وايطاليا ليشتريها ويقوم بعصرها وتصنيعها وتوريدها الي ليبيا . وكما قلت فسبل الثراء في ليبيا ثلاثة إما حرث شريطة أن يكون موسم الأمطار جيد ، أو ميراث من قريب متوف وبالطبع العمل في مصلحة التموين
إستفتاء
ماذا تتوقع من لقاء فايز السراج وخليفة حفتر في أبوظبي؟
لا شئ
إنفراج للأزمة
خطوة علي الطريق الصحيح
لا ادري
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع