مقالات

د. سعدون السويح

د. سعد الشلماني في ذمة الله… رحيل الديبلوماسي النبيل

أرشيف الكاتب
2017/04/11 على الساعة 18:31


 

فجر الأربعاء من يوم 5ابريل 2017 كان للصديق العزيز د. سعد فضيل الشلماني موعد مع السماء لم يستطع ان يخلفه.. فاضت روحه الطاهرة وصعدت الى بارئها راضية مرضية بعد رحلة طويلة مع الالم، قاوم فيها الراحل داء عضالا اعيا الطبيب المداوي وشاء القدر ان تكون خاتمة الرحلة في "هارلي كلنك" الواقعة في قلب لندن، تموج الحياة من حولهابكل نبضها وحرارتها في هذه المدينة التي تأوي اليها افئدة البشر من كل مكان.. في لندن رحل عن هذه الدنيا وضجيجها وصراعاتها سعد الشلماني الذي كان يطيب لي ان اطلق عليه لقب "الديبلوماسي النبيل" لما وجدت فيه من خلق رفيع وابتسامة هادئة وديعة بقيت معه تحت كل الظروف.

وفي يوم الخميس 6 ابريل 2017، شيعت جنازة د. سعد ووري جثمانه التراب في مقبرة من مقابر المسلمين في لندن، فالأرض جميها لله، وإن ظلت الروح تهفو إلى موطنها العلوي الذي هبطت منه ذات يوم لتعود اليه، ولقد كنا بصريح النص القراني امواتا ثم بعثت فينا الحياة الى حين، ثم نعود الى ما كنا عليه حتى ننهض من مرقدنا يوم يبعث الناس لمشهد يوم عظيم.

شاء القدر أن احضر وفاة هذا الصديق، فانا ازور لندن هذه الايام، وشاء القدر ان ازوره قبل وفاته باقل من اسبوعين.. كان جالسا على كرسيه المتنقل في بهو العيادة وقد مل الفراش، وكانت كريماته يحطن به ويغمرنه بحبهن وهو الاب والزوج الودود العطوف. كان بادي الهزال والشحوب ولم املك دموعي التي غلبتني وانا اعانقه، لكنه كان رابط الجاش قوي العزيمة تشع عيناه بذلك الوميض الذي عرفته فيهما دوما، ولم نلبث ان نسينا المرض والمعاناة وطفقنا نتحدث عن شؤون شتى كانت هموم الوطن ابرزها.. لقد كان الوطن يسكن هذا الرجل حتى في ايامه الاخيرة وهو يصارع ويلات الاحتضار وسكرات الموت.

سعد الشلماني طراز فريد من الرجال الافذاد، قوي بايمانه بربه ومقبل على الحياة ياخذ نصيبه منها لكنه لا يعرف جشعا ولا طمعا، فنوافذ روحه مشرعة دوما على الاخرين يحب لهم ما يحب لنفسه.

كان لقائي الاول مع الراحل الكريم في مالطا منذ زهاء عشر سنوات، وكان حينئذ سفيرا لليبيا في تلك الجزيرة الغافية في احضان الزرقة. وكنت قد جئت الى مالطا من نيويورك مدعوا من السفارة مع الصديق العزيز د. عبد المولى البغدادي أمد الله في عمره للمشاركة في ندوة شعرية مع شاعر مالطا الكبير أوليفر فريجيري والدكتور محمود فرحات حفظه الله ولإلقاء محاضرة عن دور الامم المتحدة الانساني.

استقبلني سعد في المطار بنفسه وركبنا سيارة السفارة الى الفندق، وكان جم التواضع مؤكدا لي ان تكريم أهل العلم واجب وطني، وكانت اياما جميلة في ضيافة سفارتنا، وعقدنا ندوات شعرية حضرها وزير خارجية مالطا انذاك د. مايكل فريندو.. وقد دهش د.سعد من معرفتي بمالطا وقراها النائية ومطاعمها المنزوية، لكن د. عبد المولى بدد تلك الدهشة فقد سبق لي ولعبد العزيز ان قضينا اكثر من خمس سنوات نعمل بالتدريس في جامعتها.

وفي عام 2010 التقيت مجددا سعد في نيويورك.. كنت قد تقاعدت من عملي مع الامم المتحدة وكان د.سعد قد عين مستشارا لامين الجمعية العامة في تلك السنة د.علي التريكي رحمه الله. وكان شديد الإخلاص في عمله يجادل ما استطاع ان يقدم وجها مشرقا للديبلوماسية الليبية برغم كل المصاعب. وهناك في نيويورك، ازدادت صداقتنا قوة لتصبح صداقة اسرية متينة. وحدثني د. سعد مطولا عن حياته الدبلوماسية وعن دراسته في جامعة “درهام” البريطانية وأطروحته للدكتوراه في مجال العلاقات الدولية كما حدثني عن جده الذي نفي إلى جزيرة في صقلية ابان فترة الاستعمار الايطالي، وترك ديوانا من الشعر الزجلي الرائع يؤرخ لتلك الحقبة من تاريخ ليبيا تفضل د. بإهدائه لي. وفي الديوان لمسات إنسانية تدل على نبل مشاعر ذلك الجد المنفي. في تلك الفترة، تم تعييني سفيرا  لليبيا في مالطا ولم يألُ د.سعد جهدا في مساعدتي واجراء الاتصالات بالمسؤولين الليبيين والمالطيين لتمكيني من مباشرة مهامي.. كان سعيدا باختياري سفيرا في تلك المرحلة، ورأى في ذلك اثراء للخبرات الديبلوماسية الليبية، فجازاه الله عني خير الجزاء. رحم الله سعدا انسانا رائعا وديبلوماسيا نبيلا، وآمل ان ينهض بعض محبيه بنشر مذكراته الديبلوماسية التي داب على كتابتها لليبيا المستقبل.

رحل سعد المسكون بالوطن، بعيد الجسد عن وطنه، قريب الروح منه، وسيظل صوته الرخيم في مسمعي وهو يردد بيتا للشاعر المرحوم محمد الشلطامي:

وطني يا رنة الموال في ليل القرى
يا حبيبي الأسود العينين
آه لو كان الثرى أحرفا كنت القصيدة!

واخيرا أيها الاحبة ماذا عسانا نقول؟ ان موت الصديق يترك فجوة في الروح، وبذهاب اصدقائنا يموت بعض منا ولا شيء ابلغ نقوله في وجه مصيبة الموت الا ما امر الله به، إنا لله وانا اليه راجعون.

د. سعدون السويح
لندن - 8/4/2017

Lome Eltarhouni | 12/04/2017 على الساعة 22:15
الله يـرحمك ياخـالـي
فقـذانك فراقك واعر ربي يصبرنا ويصبر اهلك علي فراقك
ابوالقاسم كرير | 12/04/2017 على الساعة 16:49
الدبلوماسي النبيل
نعم لقد صدقت في الوصف انه كان الدبلوماسي النبيل حقا وصدقا انه كان نعم الزميل لأنني تعرفت عليه في لندن من خلال عملي بالسفارة انه كان دبلوماسي من الطراز الرفيع ومهما وصفناه وبناء لن نستطيع ان نعطيه حقه ولكن ستظل أعماله وخبرته خالدة ونسأل الله القدير ان يسكنه فسيح جناته
Osama | 12/04/2017 على الساعة 14:52
ان لله وان اليه راجعون
رحم الله الدكتور سعد الشلماني.
علي أبوجازية | 12/04/2017 على الساعة 10:53
وأداها أيها الرفيق
عرفته في العام 175 حيث كنا أعضاء اللجنة التأسيسية للاتحاد العام لطلبة الجمهورية العربية الليبية ثم تواصلت هذه العلاقة في الجامعة ومن خلال العمل العام الذي جمعنا في أكثر من مناسبة علئ إمتداد أربعين عاما كان أخا ودودا طموحا مجتهدا رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع