مقالات

شكري السنكي

نوري الكيخيا... انسجام المفهـوم الـوطني مع الإيقاع النضالي

أرشيف الكاتب
2017/04/10 على الساعة 16:37

المفهـوم والإيقاع... نوري الكيخيا... انسجام المفهـوم الـوطني مع الإيقاع النضالي

المقدّمة

عرفت الأستاذ نوري الكيخيا في النصف الأول من السبعينات، عن طريق الأستاذ عبدالحميد محمد علي دغيم شقيق زوج أختي، وكان عمري وقتها حوالي أربعة عشر عاماً، ووقتما كان الراحل أحد الشركاء في الشركة الخماسية الكائن مكتبها بميدان سوق الحوت في بنغازي. غادر نوري البلاد ولم يتجاوز عمري السابع عشر عاماً، وبعد مغادرته أرض الوطن بحوالي ست سنوات، جرى اللقاء الأول بيننا في المنفى في مقر إقامته بالولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بعد حوالي سنة من انضمامي رسمياً لقوى المعارضة الوطنية وإعلاني عن ذلك في مؤتمر صحفي عقدته أنا وسبعة من رفاقي في مدينة الخرطوم بالسودان، ظهر يوم الخميس الموافق 2 يونيه 1983م. ومنذ ذلك اللقاء، ظللت ألتقيه بين الحين والآخر خصوصاً في فترة إقامتنا معاً في دولة الإمارات العربية المتحدة في النصـف الثاني من التسعينات، ووقتما كان يقيم هو في الشارقـة وأقيم أنا في دبـي. لم ينقطع تواصلي مع نوري منذ لقائنا بالولايات المتحدة العام 1984م، وكان آخر لقاء جمعنا معاً في القاهـرة في أواخر صيف العام 2016م وكانت آخر مكالمة بيننا قبل أسابيع من وفاته حيث اتصلت به في مقر إقامته بطرابلس.

كثيرة هي مواقف فقيدنا الكبير، ومن الصعوبة بمكان اختزال سيرة حياتـه ومشوار عطائه الغني بالمواقف والعبر والكتابات والأشعار الوطنية، في مقال، خصوصاً أن نوري الكيخيا خاض نضالاً طويلاً ومريراً، وعاصر حقباً ومحطات تاريخية مختلفة، وكان شاهداً على مسار الحركة الوطنية منذ مطلع ستينات القرن الماضي وحتى لحظة وفاته يوم السبت الموافق 25 مارس 2017م. وخلال أكثر من خمسين عاماً، قدَّم أسمى وأنبل معاني التضحية والإخلاص والعطاء والحنين وحرقة الفؤاد وقيم المحبـة والتسامح والوفــاء، وطيلة هذه السنوات الطويلة الممتدة، عمل دون توقف وحافظ على موقفه الوطني وموقعه المتقدم، وكان مثالاً للانتماء الوطني الأصيل، ومثالاً جديراً بالاحترام والتقدير في صدقـه ووضوحـه وجرأته وتواضعه الجم.

تزدحم في ذاكرتي، أعمال ومواقف وصور كثيرة لفقيدنا الكبير، وهذا ما يجعل الكتابة عنه أمراً صعباً، وعملية الاختيار ربما أصعب. أي مواقف أختار؟.. وأي قصص أروي؟.. وأي صورة أرسم على صدر التعريف به؟. توكلت على الله، وأعلم أن المهمـة جد صعبة، وقررت الكتابة عنه وعرض ما عرفت وما شهدت عليه.. وما هو موثق عنه وتحتفظ بـه سجلات الوطـن وذاكرة الرفاق ودفاتر عائلته.. فهذه أمانة، وواجب الرفيق تجاه رفيقه. وأخيراً.. دعائي ورجائي أن يصطف الحظ إلى جانبي، وأقدم شيئاً يليق بمقام الفقيد الراحل الذي كاد أن يختزل بسجل عطائه ومواقفه الشامخة وكتاباته الجادة وأشعاره الجميلة الّتي هزت المشاعر وبثت الدفء في حنايا الروح، وطنه ليبيا بكل ما فيه من عراقة وأصالة وتاريخ مشرف وتراث جميــل.. وأقدم شيئاً يستحق القراءة والالتفات إليه بعناية واهتمام. وبالله التّوفيق.

نوري الكيخيا... عائلته وميلاده ونشأته

ولد نوري رمضان الكيخيا في مدينة بنغازي، وقضى في المنفى عقوداً طويلة من الزمان. وقف ضد استبداد معمر القذافي وطغيانه، واهتم بكل ما له صلة بالشأن العام، فكان واحـداً من كبار الوطنيين، َومن الشخصيات الليبية البارزة في دنيا الثقافة وعوالـم النضال. وقد بدأ اهتمامه بالشأن العام منذ انخراطه في العمل النقابي الطلابي حينما كان طالباً في باريس ثم برلين الشرقية، واستمر تفاعله مع الشأن العام إلى آخر يوم في حياتـه، وقد فارق الحياة عن عمر يناهز السبعة والسبعين عاماً. كتب نوري الكيخيا المقالة، فلاقت استحساناً كبيراً من قبل النخبـة، ولاقت قصائده الشعبية صدى معقولاً في الشارع الليبي. وهو سليل عائلة عريقة، كان منها كبار الوطنيين والساسة والمناضليّن وأصحاب الوظائف المرموقة، وكانت على مقربة من السنوسيين أصحاب الطريقة والحركة التربوية التي قاومت المستعمر ونشرت الإسلام في أفريقيا في القرن التاسع عشر. كانت عائلة الكيخيا من أوائل العائلات المستقبلة للإمام المصلح المجدد محمد بن علي السنوسي (1787م - 1859م) صاحب نحو أربعين كتاباً ورسالة منها: "الدرر السنية في أخبار السلالة الإدريسية"، وإيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن"، عند قدومـه إلى مدينـة بنغازي، وقد تنافست بيوت بنغازي في استقباله واستضافته وإكرامه، وكان بيت الكيخيا في مقدمـة تلك البيوت، وأقام الإمـام في بنغازي شهر زمان كاملاً. وهي العائلة ذات التاريخ السياسي الطويل الممتد، وقد ذكر فقيد الوطـن الكبير من منصور رشيـد الكيخيـا أحد أبرز أبناء العائلة البررة، في لقاء صحفي له مع مجلة (الوطن العربي) في يناير 1988م، أن أسرته: "أسرة سياسية منذ مائة وخمسين سنة".

والده هو السيد رمضان سالم الكيخيا (1906م - 1997م) الشخصية الوطنية البارزة والنائب البرلماني في العهد الملكي، والذي هاجر إلى مصر في منتصف السبعينات رافضاً ظلم القذافي وجبروت نظامه، واستقر بالإسكندرية التي توفي بها يوم 6 مارس 1997م. ووالدته هي السيدة الفاضلة المرحومـة حليمة الكيخيا (توفيت يوم 4 يناير 2010م) بنت عمـر باشا الكيخيا الشخصية الوطنية المعروفة ورئيس مجلس الشيوخ من مارس 1952م إلى أكتوبر 1954م. وهو حفيد عمر باشا الكيخيا (1880م - 9 ديسمبر 1962م) المجاهد الذي قاد كتيبة إلى واحـة الكفرة، وقام بتثبيت السيادة اللـيبية على الواحــة في الزمن العثماني، والتي كانت فرنسا تطمع في ضمها لسيادتها، وعضو مجلس المبعوثان، والذي قضى حوالي ستة عشر عاماً من عمره معتقلاً في إيطاليا، وكان أحد مستشاري السيد إدريس السنوسي أميراً وملكاً، والمفاوض الأهم في (اتـفاقيـة الرجـمة) الموقعة يوم 20 أكتوبر 1920م إبان الاستعمار الإيطالي لليبيا والّتي نتج عنها الاعتراف بإمارة السيد إدريس في مركزها بإجدابيا والممتدة ِإلى واحات أوجلة وجالو والكفرة والجغبوب، والذي كان أحد الرجال المؤسسين لدولة ليبيا الحديثة، وأول رئيس لمجلس شيوخها في العهد الملكي، وقد تولّى رئاسة المجلس بعده في ذلك العهد الذي ُيعد أفضل العهود والأزمنة في تاريخ ليبيا: علي صالح باشا العابدية (1890م - فبراير 1966م)، الشيخ محمود الحسين بوهدمة (1896م - 3 أبريل 1993م)، الشيخ ْعبدالحميد إبراهيم العبار (1880م - 20 سبتمبر 1977م). وخاله هو الدكتور فتحي عمر الكيخيا (1901م - 1958م) المحامـي القدير والسفير والمستشار والوزير والمثقف الرفيع والسياسي الألمع، والذي تقلد عده مناصب رفيعة قبل إعلان استقلال البلاد وبعده. وقد تولى موقع رئيس أول وزارة برقاوية، وشغل منصب نائب رئيس الحكومة ووزير العدل في أول حكومة اتحادية شكلها السيد محمود أحمد ضياء الدين المنتصر، واحتفظ بنفس المنصب والحقيبة الوزارية في أول تعديل يجريه المنتصر على حكومته في 14 مايو 1952م. وفي الدورة الثالثة لـمجلس الأمـة (الشيوخ والنواب) المنعقدة في بنغازي بتاريخ 10 ديسمبر 1953م، تولى الدكتور فتحي الكيخيا إلقاء كلمة العرش نيابة عن الملك إدريس السنوسي، ونيابة عن رئيس الوزراء الّذي كان يمر بظروف صحيّة مضطربة. وفي 18 فبراير 1954م وبعد تسلم السيد محمد السنوسي الساقزلي رئاسة الحكومة، ُعين الدكتور فتحي - ولفترة قصيرة جداً- سفيراً بالعاصمة الإيطالية روما، وأشرف وقتذاك على معالجة الكثير من القضايا العالقة والشائكة بين البلدين. وعين يوم 21 مارس 1954م وزيراً مفوضاً وسفيراً بالولايات المتَّحدة الأمريكية، حيث ظل في واشنطن إلى أن وافته المنية يوم 9 أغسطس 1958م إثر مرض قصير.

ولد نوري رمضان الكيخيا في مدينة بنغازي يوم 10 أكتوبر 1940م، ودرس بالمدينة سنوات معدودة من المرحلة الابتدائية ثم غادرها ليعود إليها في المرحلة التوجيهية. أرسله والده إلى الإسكندرية ليكمل دراسته الابتدائية، إلى خاله الدكتور فتحي الكيخيا الذي كان يعمل محامياً في المحاكم المختلطـة هناك. درس في الإسكندرية بمدرسة: (سان مارك الفرنسية) وبعد إنهاء المرحلتين الابتدائية والإعدادية، عاد إلى بنغازي ودرس التوجيهية في مدرسة (بنغازي الثّانوية). بدأ دراسته الجامعية في فرنسا لأنه كان يتكلم اللغة الفرنسية بطلاقة ويرغب في دراسة القانون، والسوربون الباريسية كانت ومازالت من أقوى جامعات القانون بالعالم، ولذا سافر إلى باريس لدراسة الحقوق، ولكنه لم يبق بها طويلاً حتى غادرها إلى برلين الشرقية ليدرس الاقتصاد. عاد إلى ليبيا بعد تخرجه، وعمل في "وزارة التخطيط" و"مؤسسة النفط"، وتزوج يوم 18 فبراير 1968م من السيدة سعاد بنت السيد المرحوم منير عوض البعباع المثقف الباز والسياسي المخضرم ووزير المعارف في حكومة محمد المنتصر الثانية في أواخر العام 1964م. عمل نوري الكيخيا في "وزارة التخطيط" وقتما كان الأستاذ علي عميش وزيراً، ثم في "مؤسسة النفط" بطرابلس، وكان رئيسه المباشر صديقه ورفيقه الأستاذ وحيـد عمر بوقعيقيص، وقدم استقالته في العام 1973م وعاد إلى مدينة بنغازي مقر إقامة عائلته، وكان ذلك بعد ّ خطاب "زوارة" الشهير في 15 أبريل 1973م - الخطاب الذي سمى بـ(النقاط الخمس) والذي أعلن معمر القذافي فيه ما سماه بـ (الثورة الشعبية)، ونقاطه هي:

• تعطيل كافة القوانين المعمول بها.
• القضاء على الحزبيين وأعداء الثورة.
• إعلان الثورة الثقافية.
• إعلان الثورة الإدارية والقضاء على البيروقراطية.
vإعلان الثورة الشعبية.

وقد اعتبر نوري خطاب "زوارة"، بداية الفوضى وتغييب الدولة وجعل كل الخيوط في يد القذافي، وقدَّم استقالته من المؤسسة بعد هذا الخطاب مباشرة، لأنه رفض أن يكون رقماً من الأرقام، أو كما قال في مقالته المعنونة بـ(العقيد معمر يقوم بالنقد الذاتي!!)، "أصبح موظف الدولة منذ ذلك التاريخ عبارة عن رقم لا اسم له". وقد ذكر في مقابلته مع جريدة (ميادين)، أنه استقال بعد خطاب "زوارة"، ورجع إلى بنغازي ليؤسس شركته الخاصة، أو كما قال في تلك المقابلة: "قدَّمت استقالتي بعد خطاب زوارة، ورجعت إلى بنغازي، وأسست شركة سميتها الخماسية.. حيث كنا أربعة شركاء، والشريك الخامس كان مصلحة الضرائب...!".

أخيراً، عاش نوري الكيخيا مناضلاً ومات مناضلاً، وبدأ مسيرته حينما كان طالباً، حيث قاد المسيرات والمظاهرات الطلابية، وكان وراء الكثير من التحركات المطالبة باستقلالية الاتحاد الطلابي عن هيمنة الدولة وسلطة الحاكم المستبد. وكان في طليعة َمن تصدى لنظام سبتمبر، بالعمل المنظم والتحرك السياسي والعمل الدّيمقراطي المستنير، لأكثر من ثلاثين عاماً من سنوات حكم القذّافي السوداء. تفاعل مع ثورة السابع عشر من فبراير ولم يقعده المرض أو يمنعه من دعم اللحظة التي انتظرها وقضى سنوات وأياماً وليالي طويلة مناضلاً لأجل حدوثها وتحقيقها. لم يتنازل عن هدفه وحلمه يوماً أو يتخاذل عن ثوابته والمبادئ الّتي آمن بها لأجل بناء وطن "يطعم ويعالج ويثقف".

وإلى آخر أيام حياته، وهو طريح الفراش، كان الوطن يشغله ويضاعف آلامه، فحينما زاره الأستاذ أحمد محمد علي لنقي أحد أقاربه في المستشفى بطرابلس قبل مغادرته إلى تونس التي دخل العناية القصوى في إحدى مصحاتها، ثم انتقل إلى رحمة الله، مسك نوري بيد الحاج أحمد وقال له:

"عز الوطن في وحدة ترابه
كان الوطن ما تبو خرابه (1)".

لقد كانت نكبات الوطن تفزعه وتقلقه، أو كما قال الأستاذ مفتاح السيد الشريف المناضل والمؤرخ وأحد أقرب رفاقه: "في الأسابيع القليلة قبل الوداع الأخير، كانت النكبات الجديدة المتلاحقة في الوطن تقض مضاجعه وتوخز جراح المرض الملازم لجسده".

وقال رفيق آخر لنوري، ناضل معه سنوات طويلة ضدَّ نظام القذافي الاستبدادي، الأستاذ عاشور بن خيال الذي تسلم حقيبة الخارجية في حكومة عبدالرحيم الكيب الانتقالية بعد سقوط القذافي: ".. يغادرنا نوري ليلتحق بقافلة رفقاء النضال.. بمنصور الكيخيا، والسنوسي كويدير، والصابر مجيد، و ُمصطفي البركي، وجاب الله مطر، والقائمة تطول. ونوري الذي غادرنا، هو الرفيق والصديق ورمز العطاء للنضال دون مقابل، ورمز الوفاء للوطن دون تفريط أو مساومة..".

إذا المرء في دين وعرض ومبدأ *** تسامح أو حابى فليس بإنسان (2)

وقال الكاتب المخضرم إبراهيم الهنقاري: ".. كانت ليبيا حلم نوري الكيخيا ومشروعه الأكبر، وكانت هي روحه وقلبه، وكانت هي الأمل الذى عاش من أجله". أما الأستاذ المهدي كاجيجي الذي كان يخاطب فقيدنا الراحل بلقب (باشا) على اعتبار أنه ينحدر من عائلة عريقة ذات تاريخ كبير، وكان جده عمر الكيخيا أحد الباشاوات في المنطقة الشرقية، وكان نوري يمازحه بلقب (الفزاني) على اعتبار جذوره ترجع إلى منطقة الجنوب الليبي، فقال: "كان نوري الكيخيا يمتلك روحاً صوفية، وطني عاشق ومتعصب لكل ما هو ليبي، عاش معظم سنوات عمره مهاجراً ومناضلاً ومعارضاً لحكم العسكر..".

رحم الله نورى الكيخيا آخر باشاوات جيله، وعوض الوطن فيه خيراً.

نوري الكيخيا... منطلقاته ومواقفه ونضاله من أجل استرداد الشرعية وإنهاء حكم الاستبداد

درس نوري الكيخيا في ليبيا ومصر وفرنسا وألمانيا الشرقية، وكان يجيد الحديث والكتابـة باللغات الإيطالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية بالإضافة إلى العربية لغتـه الأم. اقترب من اليسار في فترة وجوده في فرنسا وألمانيا، وكان أحد نشطاء الحركة الطلابية في الخارج إبان الحكم الملكي في ليبيا. رفض في شبابه النظام الملكي واختلف مع حكومات الملك إدريس السنوسي المتعاقبة، رغم احترامه الشديد للملك إدريس وبالـغ تقديـره لـه. ويذكر انه كان قد كون مع بعض زملائه (مجموعة ماركسية) أثناء دراسته في ألمانيا الشرقية، وقال إنها - وحسبما ورد في مقابلته مع صحيفة ميادين - كانت أي مجموعته على صلة في مطلع الستينات، بالرعيل الأول مثل: المحامي مصطفى الشيباني (القفة) والأستاذ علي عميش والأستاذ مفتاح السيد الشريف والأستاذ علي بوزقية والأستاذ فاضل المسعودي. وكان نوري خلال النصف الأول من الستينات قد مثل ليبيا لوحده، وبعلم الاستقلال، في مهرجان الشباب العالمي في هلسنكي العام 1962م.. وفي موسكو العام 1964م.

وفي السياق نفسه، كان وقت وجوده في فرنسا، نشطاً مع الطلبة الفرنسيين والاتحاد العام لطلبة فرنسا، ويأتي بأعداد من الصحيفة الفرنسية اليسارية (لومونيتية) ويضعها أمام مدخل السفارة الليبية في باريس كلما صدر عدد جديد من الصحيفة، ليجدها الموظفون في المدخل عند دخولهم السفارة لمباشرة عملهم. وكان واحداً من بين أهم الأشخاص الذين حركوا الطلبة الألمان ليتضامنوا مع الطلبة الليبيين، وذلك حينما تحرك "اتحاد الطلبة الألمان الاشتراكيين" في مساء أحد أيام النصف الثاني من شهر يناير 1967م (3)، ما بين ستمائة إلى سبعمائة طالب ألماني جاءوا أمام السفارة الليبية في "بون" يحملون المشاعل وأوقدوا الشموع ثم هتفوا ضد المملكة والنظام الملكي، متضامنين مع الحركة الطلابية والطلبة الليبيين المعتصمين داخل مبنى السفارة. ويذكر أن "اتحاد الطلبة الألمان الاشتراكيين"، كان قد أقام وقتها حفلاً غنائياً كبيراً، خصص ريعه لصالح اتحاد عام طلبة ليبيا - فرع ألمانيا. وربّما استطرد هنا لأرصد ما قاله نوري الكيخيا بخصوص النقطتين الأولى والثانية، في حواره مع صحيفة: (ميادين)، وحديثه المسجل مع موقع: (ليبيا المستقبل) حول أحداث يناير 1964م، والذي بثه الموقع بتاريخ 27 مارس 2017م. قال نوري لصحيفة ميادين بخصوص النقطة الأولى: ".. ذهبت لفرنسا لأني كنت سأدرس الحقوق. كنت أجلب صحيفة (لومونيتية) وأضعها بالسفارة.. الموظفون يجدونها في مدخل السفارة وانا اذهب للطابق العلوي لمكتب من منصور رشيد الكيخيا (4) ابن عمي الذي كان يعمل دبلوماسياً بالسفارة، وكان منصور يكبرني بثماني سنوات، وبمثابة الأخ والصديق والعم والخال بالنسبة لي.. والذي كان حينما يسأله الموظفون عن تواجد الصحيفة بالسفارة، يقول فوراً لهم: هذه لا يحضرها إلاّ نـوري". وبخصوص النقطة الثانية، قال لموقع ليبيا المستقبل: ".. بمناسبة الذكرى الأولى لأحداث الطلبةّ في 13 و14 يناير 1964م، خرج طلبة المعاهد والمدارس الثانوية والجامعة الليبية في مظاهرة إحيا ًء للذكرى، وحدث احتكاك بين الطلبة والشرطة، وقد نجم عنه احتجاز بعض الطلبة وعدد من المدرسين، وإيقاف الدراسة بمدرستي (الأبيار) و(صبراتة). على أثر هذه الأحداث، تحرك الطلاب الدارسون في الدول الأوربية واعتصموا في بعض السفارات واحتلوا السفارة الليبية في لندن وباريس و(بون) العاصمة الألمانية وقتئذ. كان السفير الليبي في ألمانيا في يناير 1965م السيد ونيس محمد القذافي، وإلى جانبه الأستاذ مفتاح السيد الشريف المحلق التجاري والذي كان قائماً بأعمال المحلق الثقافي نظراً لغيابه، ووفر السفير الغذاء والشراب وكل ما يلزم لمبيت الطلبة المعتصمين داخل السفارة، وكان تعامل السفير والأستاذ مفتاح الشريف رائعاً وفي منتهى الرقي مع الطلاّب، وكانت استجابتهما أكثر من رائعة مع مطالب الطلبة، والمحددة في الآتي:

(1) إطلاق سراح الطلبة والمدرسين المحتجزين.
(2) إعادة فتح مدرستي (الأبيار) و (صبراتة).
(3) إعطاء الطلبة حقهم كاملاً في تأسيس الاتحاد ثم الاعتراف به ككيان يمثلهم.

وقد استجابت الدولة لكافـة المطالب وتحقق للطلاب ما أرادوا، وعقد الطلبة مؤتمر الاتحاد التأسيسي في العام 1966م في مدرج رفيق بمدينـة بنغازي..".

وما يُضاف إلى ما ذُكر، أن نوري كان قد شارك في المؤتمر التأسيسي لاتحاد العام لطلبة ليبيا - فرع أوروبا، والذي انعقد في مانشستر. شاركت في هذا اللقاء ثلاثة فروع اتحاد كانت تمثل الثقل الطلابي في أوروبا وقتئذ، ألمانيا والمملكة المتحدة وبريطانيا العظمى ومملكة بلجيكا التي كانت تمثل بلجيكا وفرنسا، وقد مثَّل ألمانيا: نوري الكيخيّا وأحمد خليفة الماقني، ومثَّل المملكة المتحدة: أحمد بوهادي وعـوض المختار، ومثَّل بلجيكا: مصطفي البيرة ومحمود المنقوش. انعقد المؤتمر في مانشستر في العام 1967م، ونجح المجتمعون في مهمتهم في تأسيس اتحاد واحد يمثل جميع الطلبة الدّارسين في أوروبا وإلغاء اتحادات الفروع كاتحاد الطلبة فرع ألمانيا مثلاً وغيره.

عاد نوري الكيخيا إلى ليبيا بعد تخرجه، وعمل في "وزارة التخطيط" أولاً ثم في "مؤسسة النفط"، والتي استقال منها عقب خطاب "زوارة" في 15 أبريل 1973م. أسس هو وثلاثةُ من زملائه الشركة الخماسية في بنغازي، وكان قبل ذلك قد شارك في "ندوة الفكر الثوري" الّتي بدأت جلساتها يوم 6 مايو 1970م، واعتبرها العقيد معمر القذافي رئيس ما كان يسمي بـ(مجلس قيادة الثّورة)، الفرصة لأي مفكر يرغب في عرض فكره ورأيه!، والتي تبين - وفيما بعد – أنها كانت بمثابة الفخ الذي نصب للمثقفين. وقد ذكر نوري الكيخيا حول مشاركته في هذه الندوة لصحيفة (ميادين) ما يلي: ".. شاركت في ما يسمى بــ (ندوة الفكر الثوري) وأنا أسميه الفقر الثوري، وكانت الندوة مصيدة بكل صراحـة، وبالرغم من تنبيه الحكماء لنا في ذلك الوقت.. مثل المرحوم علي بوزقية، والأستاذ عامر قريض.. أخبرونا أنها مصيدة من صنع المخابرات المصريّة بإشراف فتحي الديب الذي كان يعمل إلى جانب الانقلابيين وصاحب كتاب: (عبدالناصر وثورة ليبيا). لكن، تصميمنا كان أقوى، وقلنا، هذا منبر ولابد من إظهار وجهة نظرنا.. كان ذلك في العام 1970م و1971م.

وكان خطاب زوارة في أبريل 1973م، النقطة الفاصلة ولحظة الطلاق بيننا وبين النظام حيث ظهرت نوايا وفاشية معمر القذافي..".

وبعد ذلك التاريخ، بدأ نوري وعدد من رفاقـه في العمل السياسي السري ضد نظام القذافي عقب خطاب زوارة في العام 1973م، واستمر في نشاطه من داخل ليبيا إلى أن خرج منها في العام 1978م للعمل كمعارض من خارج الحدود. وكان من أهم نشاطاته الوطنية قبل خروجه من ليبيا، حضوره اللقاءات والحوارات التي كانت تعقد في منزل الشهيد محمد فرج حمي بشارع درنة، وبحضور عبدالوهاب الساقزلي ومصطفى الشيباني وآخرين. ودعمه للحركة الطلابية الرافضة الاستبداد وهيمنة الدولة، والمطالبة باستقلالية الاتحاد، حيث كان واحداً من بين أهم الشخصيات الوطنية التي كانت خلف مظاهرات الطلبة في بنغازي بين عامي 1975م و1976م. وخروجه من ليبيا عقب محاولة عمر المحيشي في العام 1975م، في مهمة وطنية كلفه بها رفاقـه، وقد انجزها على أكمل وجه ثم عاد إلى ليبيا وبقى فيها حتى العام 1978م. خرج من ليبيا بغرض الاتصال بالرائد عمر المحيشي (5) الّذي قاد محاولة انقلابية ضد القذافي في أغسطس 1975م ولكن المحاولة فشلت، وتمكن من الفرار إلى الخارج، إلى تونس أولاً، ومنها إلى مصر الّتي وصلها في فبراير 1976م، ليؤسس ويقود "التجمع الوطني الليبي" كتنظيم يسعى للإطاحة بنظام القذافي، وليذيع من القاهرة برنامجاً إذاعياً يكشف فيه حقيقة القذافي وطبيعة نظامه.

عقد نوري الكيخيا اجتماعاً في ألمانيا مع مجموعة من الوطنيين، أسفر على تكليفه بالسفر إلى المحيشي والاجتماع به وتبليغه بمقترح المجموعة القاضي بضرورة ألا يتكلم في وسائل الإعلام بصفته الشخصية، وعليـه أن يتكلم باسم (التجمع الوطني الليبي) ليكون تأثير كلامه أبلغ، وقد اجتمع بالمحيشي وقَبل الأخير بالمقترح المقدم إليه، وأعلن الأخير َعن تأسيس تنظيم سياسي معارض لنظام القذافي تحت اسم (التجمع الوطني الليبي)، وكان ذلك في سبتمبر 1976م.

عاد إلى ليبيا بعد اجتماعه بالمحيشي، ثم خرج منها في العام 1978م إلى الولايات المتحـدة الأمريكية واستقر في المنفى سنوات طوال، وظل طيلة سنوات منفاه عنصرا فاعلاً في المعارضة، حيث شارك في كافة النشاطات والتحركات التي حاصرت القذافي وضغطت عليه وشكلت تهديداً لنظامـه.

وقبل خروجه من ليبيا، وقعت إعدامات أبريل 1977م، والتي أثرت فيه كثيراً، ودفعته للتفكير في كيفية مواجهتها والبحث َعن وسائل لإيقافها، خصوصاً بعدما قال له أستاذه محمد حمي: "قد بدأ مسلسل الدم ولن يتوقف بل سيستمر لأن أصحابه كلاب دم".

والذي حدث، اعتقلت أجهزة أمن القذافي القمعية عمـر علي دبـوب ومحمد الطيب بن سعود، على خلفية الأحداث الطلابية ومظاهرات الطلبة عامي 1975م و1967م، وأقدم معمر القذافي في 7 أبريل 1977م على خطوة إعدام عمـر دبـوب ومحمد بن سعود، شنقاً في (ميدان الكاتدرائية) وسط مدينة بنغازي، وطلب من منفذي جريمته ترك الشهيدين معلقين لمدة ست ساعات على حبل المشنقة، ثم أمر وسائل إعلامه نقل مشاهد الإعدام في وسائل الإعلام المرئية، وعلى صفحات الجرائد. كان دبوب وابن سعود صديقين مقربين لنوري الكيخيا، وكان ساعة تنفيذ الإعدام موجوداً في مدينة بنغازي وقريباً من مكان الحدث، وقد أدمعت عملية إعدام صديقيه عينيه وأثرت على نفسيته وجعلته يفكر في اتخاذ خطـوة أخرى تكون أكثر فاعلية في مواجهة استبداد النظام وقمعه وتغوله على الشعب. وقال نوري الَّكيخيا لصحيفة (ميادين) ما يلي: ".. حضـرت شنـق عمـر دبـوب ومحمد بن سعود، كانت الساعة الثالثة والنصـف بعد الظهر، كنت قد تناولت الغداء في بيت خالتي عند إدريس لنقــي.. وبعد الغداء قلت له خذني إلى مكتبي بالشركة (الخماسيّة) بميدان سوق الحـوت. وقبل الغداء، كنت قد ذهبت مع جلال الدغيلي عند الكنيسة أو (ميدان الكاتدرائية)، فلاحظنا التجهيز لأعمدة المشانق.. وأتذكر أن جلال الدغيلي قال لي: (يا ساتر إن شاء الله غير مش إعدامات عسكريّة في هالميدان). عندما أوصلني إدريس لنقــي إلى مكتبي بسوق الحوت وجدت تجمعاً وناساً يتحدثون عن إعدامات.. ذهبت عند الكنيسة فإذا بي أرى المشانق، ووجدت صديقي سراج بوقعيقيص واقفاً فحدثني بالفرنسية فقال: (ربما هي دُمى) فقلت له: ( لا هم ناس حقيقيون). أقدامي توقفت، وكأنها ربطت فلم أستطع التقدم. كان منزل أستاذنا محمد فرج حمى بشارع درنة، أقرب مكان التجئ له. عندما فتح لي الباب.. انهرت وقلت له: (مشانق يا أستاذي في بنغازي).. قال لي: (لا تبكي لسنا نحن من يبكي).. فقلت: (أنا أول مرة أرى مشانق ومشنوقين.. وإنهم أصحابي وأعرفهم). فقال لي الأستاذ مجدداً: (اسمع يا نوري.. ما دام بدأ في هذا البرنامج فلن يوقفـه شيء، هؤلاء كلاب دم وسيستمرون في هذا الطريق)..".

وفي العام 1978م قرر الخروج من ليبيا، وبعد خروجه مباشرة، اجتمع بالرائد عمـر المحيشي مجدداً في مقر إقامته في مصر، وقام الأخير بإرساله إلى الدكتور محمود سليمان المغربي (1935م - 17 يوليو 2009م) في مقر إقامته بلندن، أو كما قال هو بنفسه حينما حاورته صحيفة ميادين: "..أرسلني المحيشي إلى لندن العام 1978م إلى الدكتور محمود المغربي، وقد حاولنا معه بشأن إصدار مجلة للمعارضة، أنا وعبدالرحمـن السويحلي وفاضل المسعودي وصلاح السويحلي وجمعة أحمد عتيقـة الذي كان وقتها بروما وكان على اتصال بالسويحلي من أجل إصدار جريدة أو مجلّة معارضـة.. فوجدنا الدكتور محمود المغربي يتلكأ.. الظاهر أنه كان غير جاهز نفسياً.. اجتمعنا المجموعـة لإخراج مجلّة (صوت ليبيا)، عملنا عليها بمناسبة 7 أبريل 1979م، وكان العدد الأول يحوي صـور المشانق، كانوا يظنون أن الفنان عمـر جهان هو من قام برسمها، لكنها صـور مأخوذة من كتاب: (فيكتـور فيجـو)، وقد قصصناها ووضعناها بالعدد الأول.. وعندما صدر العدد الأول كان هناك لقاء لرجال الأعمال الايطاليين والليبيين في ميلانو، وتحـت رعاية الغرفة الليبية - الإيطالية، وقد أرسلت أعداداً من المجلة إلى الأستاُذ عبدالسلام المنتصر عضو الغرفة الليبية - الإيطاليّة، والّذي أرسلها بدوره إلى سكرتير الاجتماع الإيطالي، فتح الطرد البريدي طبعاً من قبل الإيطاليين ظناً منهم أنها المطبوعات الليبية، وتم توزيعها على الحاضرين على طاولة الاجتماع، وشاهدها ابن عمي عبداللطيف رشيد الكيخيا رئيس الغرفة بطرابلس.. فصعـق!!. (صوت ليبيا) كانت الأداة التي مزقت ستار الصمت.. وكانت أول مجلة معارضة رفعت شعار إسقاط سلطة سبتمبــر..".

والذي حدث، ساهم نوري الكيخيا ِفي تأسيس (الحركة الديمقراطية الليبية) التي أعلن عنها ِفي 7 أبريل 1977م، وعقد مؤتمرها الأول ِفي سبتمبر 1980م، الحركة التي قامت بإصدار مجلة: (صوت ليبيا) أول مجلة وطنية معارضة لسلطة سبتمبر، والّتي تحولت إلى تنظيم أكبر باندماجها مع تنظيم: (التجمع الوطني الليبي)، الاندماج الذي أعلن عنه في السادس عشر من سبتمبر 1981م، تحت اسم (التجمع الوطني الديمقراطي الليبي)، وهو التنظيم أو الحزب الذي مازال يؤدي دوره الوطني حتى الآن، وإن تغير وتبدل الدور والوظيفة الوطنية.

وربما من المفيد أن استطرد هنا لأقول إن الدكتور محمود سليمان المغربي (1935م - 17 يوليو 2009م) كان أول رئيس أو منسق عام لـ (التجمع الوطني الديمقراطي الليبي) وظل في موقعـه حتى صيف 1987م، ويذكر أن الأستاذ فاضل المسعودي كان قد شغل هذا الموقع ِفي إحدى الفترات ما قبل العام 1987م، وأن الأستاذ محمد فاضل زيان تولّى موقع المنسق العام بعد عودة الدكتور محمود المغربي في أواخر العام 1987م. ويذكر أيضاً أن الأستاذ نوري الكيخيا ظل طوال سنوات التجمع النضالية قبل سقوط نظام القذافي، عضواً بالمكتب السياسي للتجمع، ورئيساً لدائرة "التنظيم والإدارة". عاد الدكتور محمود المغربي إلى ليبيا بعد لقاء جمعه هو والرائد عبدالمنعم الهوني بالعقيد معمر القذافي في العاصمة الجزائرية في شهر يوليو 1987م، واصدر "التجمع" بياناً أوضح فيه موقفه الرافض والمضاد لما اقدم عليه محمود المغربي، وأكد على أن موقف المغربي يخالف مبادئ التجمع وأهدافه ولا يمكن ربطه بتاتاً بالتجمع بأي شكل من الأشكال لأنه قام به من تلقاء نفسه ودون علم التجمع، واستنكر البيان إقدام المغربي على خطوة الحوار مع معمر القذافي ثم العودة إلى جماهيريته دون تنسيق أو علم مسبق معه.

أعود بعد هذا الاْطراد مجدداً إلى نوري الكيخيا، فقد رفض التصالح مع نظام كان يحكم دون دستور ولا يؤمن بالتعددية، ويعتبر الحزبية إجهاضاً للديمقراطية ويقتل في معارضيه ويصفهم بـ(الكلاب الضالة)، وأن يستسلم لتهديدات نظام القذافي وضغوطاته، رافضاَ إغراءاته ومغرياته، معتبراً عودة أي قيادي ومعارض معروف للوطن ِفي ظل وجود القذافي مكسباً للاستبداد وخسارةً للمعارضة الوطنية بل جريمة في حـق الوطـن لا تغتفـر. حافظ نوري على موقفه ِمن الاستبداد، ولم يرجع إلى الوطن منذ خروجه معارضاً في العام 1978م، حيث عاد إلى أرض الوطن بعد اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير داعماً للثورة ومناصراً لقضايا شعبه المغبون، دون تنازل أو تخاذل عن ثوابت المبادئ النبيلة نحو مجتمع ينعم بالحياة الدستورية والحريات الديمقراطية والرخاء للجميع. وظل طوال سنوات منفاه الطويلة عنصراً فاعلاً في المعارضة، ومشاركاً في كافـة تحركات المعارضة ومؤتمراتها ونشاطاتها واعتصاماتها الّتي ضغطت على القذافي وشكلت تهديداً لنظامه. شارك نوري الكيخيا في العام 2004م في الملتقى التشاوري الذي كانت تنعقد جلساته ِفي غرفـة خاصة في البالتوك، وتوجت تلك الجلسات بعد ثمانية أشهر من الانعقاد على عقد مؤتمر لندن، شاركت فيه مائة وستون شخصية من شخصيات المعارضة الليبية في الخارج، شخصيات مستقلة وممثلون عن تنظيمات وفصائل المعارضة الليبية على اختلاف أطيافها وتنوعاتها.

وربما ِمن المهم الإشارة في هذا الصدد إلى صاحب مبادرة اللقاء التشاوري وأهمية دور الفرد في عمل المجموع أو العمل الجماعي. فقد بادر الأستاذ إبراهيم عبدالله قدورة بالدعوة إلى اللقاء التشاوري، وصبر على الاستجابة المحدودة ِفي البداية حتَّى اتسعت دائرة الاستجابة وازدادت المشاركات، ثّم أصر بعد أن تحققت هذه الاستجابة على الاستمرار والمواصلة رغم المعوقات وكثرة المنغصات والمناكفات حتى تُوج جهد ثمانية أشهر من اللقاء والتحاور بالاتفاق على اختيار "لجنة الإعداد للمؤتمر الوطني للمعارضة الليبية". انعقد المؤتمر الوطني الأول للمعارضة الليبية ِفي العاصمة البريطانية لندن خلال يومي 25 و26 من شهر يونيه ِمن العام 2005م، والمؤتمر الثاني ِفي 29 و 30 مارس يونيه ِمن العام 2008م، وأكد المؤتمر في دورتي انعقاده على ضرورة تنحي معمر القذافي عن كافة سلطاته وصلاحياته الثورية والسياسية والعسكرية والأمنية، والعودة إلى الشرعية الدستورية المتمثلة ِفي دستور 1951م بتعديلاتـه اللاحقة. وقد كان نوري الكيخيا عنصراً فاعلاً في التحضير والإعداد للمؤتمرين، ثم فيما تم التوصل إليه في دورتي المؤتمر المنعقد بلندن، وعضواً بـ(الهيئة المتابعة للمؤتمر الوطني للمعارضة الوطنية)، حيث كان ممثلاً عن (التجمع الوطني الديمقراطي الليبي) بالهيئة هو والأستاذ عبدالقادر فرج دغيم.

وكما أسلفت، لم يعد نوري الكيخيا إلى ليبيا إلاّ بعد اندلاع ثورة السابع عشر من فبراير، وبعد عودته شارك في أعمال المؤتمر الذي انعقد ِفي طرابلس ِفي مايو 2012م، ونتج عنه تحويل تنظيم "التجمع" من حركة نضالية إلى حزب سياسي، وأصبح اسمه: (حزب التجمع الوطني الديمقراطي الليبي)، وقد اختار المجتمعون في هذا الاجتماع، السيد نوري الكيخيا منسقاً عاماً للحزب.

ومن جديد، كان نوري الكيخيا يسارياً ذات يوم، وهو من جيل كان أغلبه في الستينات ومطلع السبعينات يساريين، وتغيرت توجهاته تدريجياً حتى صار ليبرالياً وطنياً ينطلق من فكرة "ليبيا أولاً" أو الثقافة التي كان يسميها "من طبرق إلى رأس جدير". وبعد أن كان ثورياً متحمساً للجمهرة أي النظام الجمهوري، يؤمن بالتغييرات الجذرية وتُلهب مشاعره الشعارات إلى حد كبير، صار يؤمن بالتغيير التدريجي، ويرى النظام الملكي الدستوري الأنسب لليبيا. وهذا يذكرنا بقصته مع الدكتور محمود التائب - رحمه الله - والتي كان نوري يحرص على روايتها كلما واتته الفرصة. قال له الراحل الدكتور محمود التائب - طيب الله ثراه - الملحق الثقافي بالسفا ِرة الليبية في بـون وقتما كان نوري وبعض الطلبة زملائه معتصمين في السفارة، ينددون ببعض قرارات المملكة ويرفعون الشعارات القومية التي اجتاحت المنطقة: "..أنتم في خير ونعمة ِمن الله وسوف تندمون ذات يوم على الفوضى الفكرية التي اجتاحت العقول، وأوكد لك أن (المد القومي) الذي اجتاح دول العرب ما هو إلاّ شعارات وخطاب عاطفي سوف يكون على حساب المنطق والعقل، ويستخدم لصالح الحاكم الفرد بتجريم الرأي الآخر، ولن يأتي إلاّ بالدمار للمنطقـة..".

والشاهد، كان نوري دائم التذكر لما قاله له الدكتور محمود التائب كلما حدثت كارثة أو مصيبة ِمن مصائب القذّافي الّتي كانت تتوالى على الليبيين منذ رحيل الملك إدريس السنوسي واستيلاء القذافي على السلطة في سبتمبر 1969م، وبات مقتنعاً منذ ندوة الفكر الثوري ثم خطاب زوارة في أبريل 1973م، أن القذافي كان كارثة حلت بالبلاد، وأن إرساء أسس الشرعية الدستورية هي بداية الحل في ليبيا. وغدا مقتنعاً أن الملك إدريس سبق النخبة التي كانت تعارضه بمراحل، وإنه حقق إنجازات هائلة في زمن قياسي لكنه هو وأبناء جيله عمتهم عنها شعارات كاذبـة اجتاحت المنطقة وقتئذ، وإن الملك - رحمه الله - كان حكيماً وورعاً وزهداً في الدنيا، حتى صار بعد تبصره بهذه الحقائق، ِمن دعاة الملكية الدستورية مطالباً بعودة الشرعية ومبايعة الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي وريث العرش، ملكاً على البلاد، والذي زاره في لندن بعد أن فتح وصية والده ولّي العهد الأمير الحسن الرضا السنوسي (1928 - 28 أبريل 1992م) في مؤتمر صحفي عقده ِفي لندن بتاريخ 18 يونيه 1992م حضرته الصحافة العالمية وبعض الشخصيات، ونقلت ووقائع المؤتمر محطة (سكاي) القضائية، وقام السيد المهدي نجل الأمير الأكبر بقراءة الوصية ا ّلتي نقل بموجبها الأمانة المقدسـة إلى ابنـه الأمير محمد الحسن، والّتي قال عنها: ".. إنها أمانة لا يجوز التفريط بها أو التنازل عنها إلاّ بإرادة حرة لمجلس أمة منتخب بشكل شرعي وقانوني عادل..".

وقبل ذلك، كان نوري الكيخيا قد زار الملك إدريس السنوسي (1890م - 25 مايو 1983م) ِفي مطلع الثمانينات ِفي مقر إقامته في المهجر بمصر في قصره الذي خصصه له الرئيس جمال عبد الناصر، الكائن بشارعِ بولُس حنّا بجوار مستشفى الشبراويشي بالدقي في القاهرة، واعتذر له وطلب السماح منه راجياً أن يدعو له. وقد قال الأستاذ أحمد خليفة الماقني عن زيارة نوري الكيخيا رفيق دربـه، للملك إدريس، في مقالته التأبينية: "وبشجاعة المناضلين أدركت خطأنا في عدم فهمنا لحقبة الإدريس الرائدة، وكان إصرارك على طلب العفو منه شخصياً وتم لك ذلك وظل صدى كلماته معك عبر مشوارك النضالي في وجه طغاة سبتمبر..".

وختاماً، هكذا كانت حياة نوري عامرة بالمواقف والأحداث والعطاء، وكذا كانت مسيرته النّضالية الّتي اصطف فيها مع الوطن ضدَّ نفسه، وقد أفنى عمره كلـه في خدمـة ليبيا ومن أجلها، وانتقل إلى رحمة الله يوم السبت الموافق 25 مارس 2017م، بينما كان يتلقى العلاج في أحد المستشفيات التونسية. ويوم وفاته قال الأستاذ عاشور ِبن خيال أحد رفاقـه، عنه: "وداعاً يا من كنت تطالب بالعودة إلى الشرعية الدستورية تلك التي أرسى قواعدها الآباء والأجداد.. وداعاً يا من كنت تتألم لما يمر به الوطن من معاناه وآلام وجراح.. وداعاً أيها الوطني الوفي، والصامد الصبور، ويا من كنت تحلم بوطن يطعم ويعلم ويعالج..".

نوري الكيخيا... إشارة إلى أشعاره وكتاباتــه

كتب نوري الكيخيا مجموعة مقالات شخصت واقع حال حركة المعارضة وحلّلت الواقع السياسي الليبي بكل وضوح وشفافية، وحاولت أن تستشرف المستقبل، وقد نشرها ِفي مجلة "صـوت ليبيا"، وصفحته الشخصية ِفي "الفيسبوك"، والمواقع الليبية: "ليبيا وطننا"، "ليبيا المستقبل"، "المؤتمر الوطن ّي للمعارضة الليبية"، باسمه الحقيقي واسمه الحركي "الباهي بن يدر". وأضاف أبياتاً إلى بعض القصائد الشعبية المعروفة كقصيدة (يا عون من قابله عون) و(تشي فاتشي يا دراقة)، وكتب القصيدة الشعبية الرافضة للظلم والاستبداد، والمعبرة عن حبـه الجارف إلى ليبيا وعظيم اشتياقه إلى بنغازي مسقط رأسه. وكان صاحب تجربة نضالية طويلة وغنية، يكتب بحرقة المناضل، وبقلم تميز بجمال صياغة الكلمات ووضوح الفكرة والعبارة. كان محجة النضال والقطب المجمع للأوفياء، أو كما قال الأستاذ إبراهيم قرادة: ".. تأتي إلى نوري الكيخيا محبطاً تخرج وأنت دامع وكلك أمل وإصرار.. كان محجة النضال عندما كان النضال جمراً حارقاً، وانسحب صامتاً حاملاً كل الجمر عندما تهافت المستناضلون على كنز الوطن الغنيمة.. دبل شفرة (6) وشفرته الأصيلة هي الوطن لا غير، وغيره وحيد الشفرة القابلة للصرف والمتاحة لـ(الهاكرز).. مخلص ووفي جداً، ولهذا اجتمع حوله الأوفياء وتجنبه المتقلبون. وهذا لغز خالي نوري الخاص..".

والحا ِصل، كان نوري يرى أن الخطوة الأولى في طريق تصحيح الأوضاع وتحقيق الاستقرار ِفي ليبيا، تبدأ بتفعيل دستور دولة الاستقلال واستئناف الحياة الدستورية التي صنعها الآباء المؤسسون، واغتصبها الانقلابيون في الأول من سبتمبر، أي العودة بالبلاد إلى الشرعية الدستورية وفق آخر ما انتهت إليه في 31 أغسطس 1969م. يستلم الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي وريث العرش مقاليد الأمور ويصبح ملكاً للبلاد، وبعد فترة انتقالية يتفق عليها، يجرى استفتاء عام على شكل ونظام الحكم، فإذا أسفرت النتيجة باختيار الملكية الدستورية، يستمر الملك محمد الحسن الرضا في منصبه وتجرى التعديلات الدستورية اللازمة، وإذا ما أسفرت النتيجة عن اختيار شكل الحكم الجمهوري بدلاً ِمن الملكي، يقوم البرلمان بتعديل الدستور بما يتوافق مع نظام الحكم الجمهوري، مع بقائه دستوراً للدولة ضامناً لتواصل الأجيال. وكان يرى الفيدرالية على أنها النظام الأنسب لليبيا، وأنه من حق الذين يؤمنون بهذه الفكرة أن يطرحوها في استفتاء عام، لأن تجربة الحكم الفيدرالي كانت أنجح سنوات العهد الملكي وأحسن أعوامه حسب رأيه. وقد عبر عن ذلك، ِفي مقالة نشرها في موقع: (ليبيا المستقبل) بتاريخ 20 مارس 2014م، فقال: ".. إن تعود ليبيا إلى نظامها الاتحادي، النظام الأسلم والأفضل للبلاد، بإعادة العمل بدستور 1951م - المؤسس لدولة الاستقلال - كضـرورة تتطلبها أوضاع ليبيا الحالية ومن أجل مستقبل أجيالها القادمة، النظام الذي أنجز خلاله بناء الدولة الوطنية وحققت ليبيا خلاله أهم مكتسباتها ِفي النهضة التعليمية، فلا فرق بين الأقاليم الثلاثة طرابلس وبرقة وفزان، حيث كانت مجانية التعليم للجميع والبعثات الدراسية في الخارجِ للمتفوقين، فلا فرق بين الليبي والليبي إلاّ بالتف ِوق الدراسي فليس من الإنصاف ما يروج له البعض من أعداء النظام الفيدرالي، بأن الفيدرالية تعمل على تقسيم البلاد فهذه - بالطبع - فرية يهدف أصحابها الإبقاء على النظام المركزي وترسيخ أركانه لكي يحافظوا على امتيازاتهم وسيطرتهم على مقدرات وأرزاق الآخرين. من حقنا أن نجري استفتاء. إن ليبيا التي تقع على الشاطئ الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط والذي يمتد طوله حوالى 2000 كلم وبمساحة تزيد على (1،700000كلم مربع)، وكثافة سكانية قليلة، هي بلد مترامي الأطراف يحتاج بكل تأكيد إلى نظام إداري فعال يقدم للمواطنين أسرع الخدمات وأفضلها، نظام يراعي خصوصية المناطق المختلفة ويحافظ على إرثها الثقافي والاجتماعي، نظام متعدد الأوجه والخواص في إطار اتحادي متجانس، وفيه المنافسة الإيجابية والتكامل الاقتصادي الفعال والمتطور، لا هيمنة فيه ولا تهميش، نظام تتساوى فيه الفرص والمصالح، نظام تتحقق فيه ثقافة المواطنة ِفي وطن كل الليبيين، الوطن الذي يطعم ويعالج ويثقف. إن النظام الفيدرالي الذي عاشته وجربته ليبيا في بداية عهد الاستقلال (من 1951م حتى 1963م) كان تجربة ناجحة بكل المعايير، تحقق خلالها تأسيس الجامعة الليبية (1956م) واكتشاف النفط بكميات تجارية في ولاية برقة (1958م) وبداية تصديره (1962م) ووضعت عوائده تحت تصرف الحكومة الاتحادية، واستطاعت ليبيا بذلك تحقيق استقلالها المالي والتخلص من ثقل المساعدات الأجنبية، فهذا الواقع الجديد كان المقدمة المنطقية للوحدة الدستورية المنشودة وقيام الدولة المركزية في العام 1963م التي أدت إلى ظهور معطيات جديدة ِفي الواقع الليبي، ومهدت بالتالي الطريق أمام العسكر وسهلت عليهم مهمة قيامهم بالانقلاب على الشرعية في سبتمبر 1969م، هذا الانقلاب الذي أدى فيما بعد إلى تركيز السلطة في يد واحدة داست على البلاد والعباد لأكثر ِمن أربعة عقود عاشتها ليبيا في بؤس وشقاء واخرت تطورها لأكثر من نصف قرن. وهكذا تحولت ليبيا اليوم إلى ساحة تعمها الفوضى وتعبث فيها أياد خفية تحرك ميليشيات مدججة بشتى أنواع السلاح، ترهب المواطنين بالخطف والسطو على الأرزاق وزهق الأرواح وانتهاك الأعراض والاغتيالات المدبرة..".

وفي جانب ثان، كان يرى أن ليبيا لن تنهض إلاّ بنهوض بنغازي، لأن بنغازي هي قلب الوطن النابض وكانت دائماً سباقة سياسيّاً واقتصادياً ومنها قامت الثورة. وكان حزيناً مهموماً ويتألم لألمها، ويشعر انها تُعاقب بحرب يراد لها الاستمرار، وعبث بنسيجها الاجتماعي، ومحاولات تهميش دورها.. ويرى أنها تدفـع في فاتورة باهظة الثمن!!.

كتب َعن بنغازي في صفحته في الفيسبوك تحت عنوان: (لولاها)، فقال: "لولاها.. لما التم شمل.. ولما تو ّحدت كلمة.. ولما صيغ دستور.. ولما جاء استقلال.. ولما قامت مملكة.. ألهذا تُعّاقب!؟. ولولاها.. لما تعايش شرق مع غرب.. ولما التأم جنوب.. ولما قام اتحاد.. ولما تنافست ولايّات.. ولما انتعشت مناطق.. ولما نجحت تجربة.. ألهذا تُعاقب!؟. ولولاها.. لُما رفض انقلاب.. ولما كانت شرّعية.. ولما انطلقت ثَورة.. ولما قَامت ثورة السابع عشر من فبراير.. ألهذا تعّاقب!؟. ألم تكن الحاضنة للوافدين.. والمعطاءة للسائلين.. والكريمة مع اللاجئين.. ألهذا تُعاقب!؟. ألم تُلقب بـ(ربّاية الذَايح).. ألهذا تُعّاقَب!؟. َمن أحبها.. أحب الكل.. ومن هجرها.. هجر الكل... فَهي القلب النابـض على الدوام.. بدونّها لا عاشت ليبيا ولا قامت.. ولَهذا تُعاقَب !!!..".

وكما أسلفت، أحب نوري الكيخيا الشعر الشعبي إلى درجة العشق، وقد نسج بعض القصائد والأبيات الشعرية ِفي مناسبات مختلفة، ولكن للأسف الشديد لم يتم تدوين أو حفظ إلاّ القليل منها. وكان يستدل دائماً بالشعر، وكثيراً ما كان يفتتح به كلامه أو يختمه به مما يدل على حبه الشديد للشعر الشعبي وولعه به. وأتذكر أنني سمعت منه الأبيات الّتي قالها المناضل الراحل عبدالعاطي خنفر لأحد أصدقائه طالباً منه تأجيل الحديث عما حدث بينهما من سوء فهم، والتي أصبحت أربطها به حتى أكاد أنسبها له، والقائلة:

إن كان العرب تمت عرب... وعاد عزها كيف ضاري
ورد كيف ما كان الطـرب... وها الهم تما سهاري
اساع نجيك يا لا با الغرب (7)... ومعاي عاقلة من كباري
لا سبد ما تحـط العتب...
سوي طوع والا إجباري.

ومن ضمن القصائد المحفوظة له، الّتي قالها بعد وصوله لمنفاه في الولايات المتحدة الأمريكية العام 1978م، وفي ليلة كانت مظلمة وأمطارها جد عزيزة، قفز إلى رأسه مطلع القصيدة الشعبية: (يا عون من قابله عون واشرف على راس عالي (8))، فأضاف إليه الأبيات التالية:

يا عون من قابله عون واشرف على راس عالي
ويا عون بشبوب العون يجلـن سود الليالي
ويا عون نبيك تعين وطنا علينا غالي
ما يسامح الا الكريم من غيره ما فيه والي
الا بلادنا شافت الضيم من فرخ ما هو حلالي
قذاف شين السموم قتال شعبنا بالمهالي
سفيه وزاد امحموم الا هباله ما له كيالي
خارج من سنين فشلوم انريدكم تفهموا يا غوالي
وبرنيق قلبها امهموم من ابريل شهر الثكالي
اللي نعق البوم ومنه لبسنا الجلالي
وفيه مشانق الشوم مازال شبحهن في خيالي
ساقولهن كل مظلوم عليه يشهد العالي
عمر ومحمد والمخزوم ضحية عيد النيالي
عيد من عياد الروم في تاريخنا ما له مثالي
العدل صار امهزوم من جيب رزيل الفعالي
وفي ليبيا صار مفهوم حكم زمان الجهالي
مشانق وحبس وهموم فراسينها راحو ذبالي
عشرين حط في يوم وزاد ثلاثة بالكمالي
جدعان من خيرة القوم نور صيتهم فات الهلالي
ليام ما عليهن لوم يعلّن دبيب ويواطن شبالي
وما عمره ظلماً يدوم والظالم صيوره جالي
حتى لو راقا لنجوم مكانه تحت النعالي
والله يجلي الهموم على وطننا بلاد الهلالي

وفي السياق نفسه، كان نوري الكيخيا معجباً بقصيدة (تشي فاتشي يا دراقة)، وهي القصيدة الشعبية التي بدأها أو وضع مطلعها شاعر كان في زيارة إلى رومانيا، فقال: (تشي فاتشي يا دراقة.. حلو البحـر لسود علي مذاقـه). هذا المطلع وبعض الأبيات الأخرى - وكما أكد الأستاذ س ْليمان علي ا ّلساحلي - للأستاذ سالم بودومات وهو أول من بدأها، وقد قاله حينما كان الأستاذ سالم في العام 1970م في زيارة إلى رومانيا ومعه اثنان من رفاقـه هما: محمد العبار موجه اللغة الإنجليزية والضليع في الأدب الشعبي، ويوسف صديقي لاعب المنتخب الشهير ونادي النَّصر لكرة القدم. ووقتما كانوا يعومون في البحر، قال محمد العبار لسالم بودومات: (المياه هنا حلوة)، وطبعاً (تشي فاتشي) تعني بالرومانية تحية أو كيف الحال، و(دراقـة) تعني الفتاة الجميلة. جاء سالم إلى المكان الّذي وصفه له العبار وذاق الماء، فقال فعلاً حلـوة، ثم قال:

تشي فاتشي يا دراقة..
حلو البحـر لسود علي مذاقـه
تشي فاتشي يا الروبي
العين ثلاثين ليله غير دوبك دوبي
مشتاق ملتذع ايدور علي مشتاقه

وحقيقة، هذه القصيدة حينما بدأت في 1970م و1971م كانت غزلية صرفة وليس بها أي بعد أو مدلول سياسي، ولم تأخذ منحى سياسياً إلاّ عندما بدأت الإعدامات والشنق في منتصف السبعينات، فأضيف إليها: (من ضيم وطنا)، ليصبح مطلعها:

(تشي فاتشي يا دراقة..
حلو البحر الأسود علي مذاقـه..
من ضيم وطنا).

وقد أضاف عدد من شعرائنا الفحول عليها بعض الأبيات، منهم: الشاعر عبدالرحمن بونخيلة ومعتوق أدم الرقعي وجربوع الكزة ومحمد الصيفاط والسنوسي البيجـو وأخرون. ويذكر أن نظام القذافي بعد أن أخذت القصيدة منحى سياسياً، ج ّند لها فريقاً من الشعراء على يـد أحمد النويري وأقاموا عليها الأمسيات في التلفزيون الَّرسمي. وحينما أخذت القصيدة البعد السياسي، أضاف نوري الكيخيا لها، الأبيات التالية:

تشي فاتشي يا للا
يا ام عين سوده والحواجب هلّة
اليوم وطنا علّموه الذلة
وخلو عويله يفرحوا لفراقـه
وحتى رجاله ركبوهم عله
من قول ازحفو جاي يا صفاقا.

وفاته

رحل بصم نوري الكيخيا المناضل الكبير والأخ والصديق والرفيق، ابن العائلة المعروفة الأصيلة المتجذر تاريخها في أعماق الحركة الوطنية ونضالات الشعب الليبي عبر التاريخ.. ابن مدينة بنغازي، عاصمة الثورة وموطن الأدباء والمثقفين والمبدعين، والتي قدّمت لليبيا ومازالت الشيء الكثير. نوري الكيخيا الذي كان يتمتع بإصرار عجيب وفكر نير وسرعة بديهة وحديث لا يمل، والذي سخر عمره كله، قلمه ووقته وعلمه وماله وخبراته، التي تراكمت بمرور السنين، مدافعاً عن بلاده وأبناء شعبه وحقهم في العيش تحت نظام ديمقراطي عادل حر يعم خيره الجميع ولا يستثني أحداً. فقد كان - طيب الله ثراه - صوتاً مدوياً ضد إرهاب نظام القذافي واستبداده في أيام النضال العصيبة، وكانت تتراءى في بريق عينيه كل هموم وطنه وأحلامه بوطن آمن ناهض مستقر، يطعم ويعالج ويثقف. وقد أكرمه الله سبحانه وتعالى بالمشاركة في التغيير وتحقيق الانتصار على نظام التخلف والقمع والاستبداد الذى جثم على صدر الوطن اثنين وأربعين عاماً، ورحل والوطن مازال يعاني من ارث ثقيل ومخلفات حكم الفرد وتغييب المؤسسات.

توفي نوري الكيخيا يوم السبت الموافق 25 مارس 2017م عن عمر ناهز السبعة والسبعين عاماً، بينما كان يتلقى العلاج في أحد المستشفيات التونسية، ودُفن يوم الأحد الموافق 26 مارس بمقبرة (الزلاج) بالعاصمة التونسية، حيث دفن بحضور عدد ِمن أقاربه وأصدقائه. ونشرت المواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي بعض مقالاته وأشعاره، سيرته الذاتية وصوره وما رواه عن ذكرياته في لقاءاته المسجلة، والقصيدة التي صاغ أبياتها وسماها (يا عون) وألقاها في المؤتمر الوطني للمعارضة الليبية الذي انعقدت جلساته ِفي لندن في يونيو 2005م. وبعد وفَاته، رثاه بعض الأسماء ذات الصيت الكبير وراحت أقلامهم تسطر عن سيرته ومواقفه وأفكاره وتاريخه ومأثره، مقالات ستكون علامات وبمثابة شهادة على العصر، ورثاه عمر رجب بن كاطـو ببعض الأبيات الشعبية، جاءت كما يلي:

انع ّزي فيك بلادي *** وقصة كفاحك نسرده لأولادي يا نِوري انع ّزي فيك بلادي
انع ّزي فيك عربنا *** في شرقنا وجنوبنا ومغربنا ِ
لا خنت لا ساومت علي مربعنا *** دوم ليبيا في حس صوتك صادي
تشهد معاك أفعال منها اشبعنا *** لأجل الوطن فزاع قبل ينادي
الله يرحمك وعند الرحيم مجمعنا *** وأنت في جنان الخير عند الهادي

وأخيراً، رحل نوري الكيخيا وهو يقول لنا تذكروا دائماً رفاقكم الذين قَضوا نحبهم، وأمضوا في طريقهم رغم كل المصائب والشدائد وخيبات الأمل، وسيروا على دربهم مهما كانت التحديات، حتى تتحقق تلك الأهداف السامية التي تنادوا لها هم ومن سبقوهم من الشهداء والمناضلين، ولا تخذلوهم أو تتخلوا عن قضية وطن أحبوه ونذروا له أرواحهم.

الخاتمة

توفي نوري الكيخيا في 25 مارس 2017م وشيّع عصر يوم الأحد الموافق 26 مارس 2017م إلى مثواه الأخير بمقبرة (الزلاج) بالعاصمة التونسية، عملاً بوصية طلب فيها أن دفن في مكان وفاته. فقدت ليبيا مناضلاً ومثقفاً وشخصية وطنية بارزة من أساطير الحركة الوطنية، ومرجعية لكل وطني مازال على قيد الحياة وللأجيال القادمة. إن الكتابة عن مثل هذه الهامات الوطنيّة تحتاج إلى وقت أطول وجهد أكبر، وإضاءات أخرى عن مناطق كثيرة في حياته، والأمل يحدوني أن غيري سيكتب عنه من الكثيرين الذين عرفوه، وشخصية وطنية ًكبيرة مثله تستحق التوقف عندها وإفراد صفحات من كتب التاريخ لها.

وأخيرا، أدعو إلى تدوين تاريخ نوري الكيخيا وتاريخ كافة المناضلين كما تفعل الأمم التي تعرف أهمية الذاكرة وتقدر تضحيات ابنائها المخلصين، راجياً ألا يترك سجل تاريخه وتاريخ أمثاله من المناضلين أن يطويه النسيان، وأتمنى أن يطلق اسمه على شارع أو ساحة أو قاعة، وهذا أضعف الإيمان. وأوجه هذا النداء تحديداً إلى أبناء مدينة بنغازي، التي أحبها فقيدنا الكبير إلى درجة العشق وقدم لها الشيء الكثير...

نعم نوري الكيخيا يستحق أن يخلد اسمه في التاريخ، فهو ذلك الوطني الشريف الذي يندر معدنه في عالمنا اليوم فلترقد روحك بسلام، وإن شاء الله إلى جنات الخلد، فالعين تدمع والقلب يحزن لفراقك يا حفيد الباشاوات. فراق أحبّتي كم هز وجدي وحتَّى لقائهم سأظل أبكي (9)

شكري السنكي

 












 

مرفـق الصور:

الصورة الأّولى: صورة شخصية للراحل نوري الكيخيا بريشة الفنان التشكيلي محمد زيـو. الصورة الثانيّة: الصورة في باريس في نهاية الخمسينات، نورى رمضان الكيخيا. الصورة الثالثة: الراحل رمضان َسالم الكيخيا والد الفقيد نوري الكيخيّا. الصورة الَّرابعـة: الراحل عمر باشا الكيخيا وجد الفقيد نوري الكيخيا. الصورة الخامسة: الدّكتور فتحي عُمـر الكيخيا نائب رئيس الوزراء وريتشارد نيكسون نائب الرئيس الأمريكي أثناء زيارة الأخيـر إلى ليبيا، في مارس 1957م، ويظهر في الصورة السيد محمود بوقويطين والسيد محمدّ بن صويد مدير المراسم إلى اليسار. الصورة السادسة: الصورة في باريس، والأول من اليمين من ُصور محمد الكيخيا الجالس ثم نورى رمضان الكيخيا بالنظارات ثم من ُصور رشيد الكيخيا ثم الطفل محمود رشيد الكيخيا. الصورة السابعة: الصورة أمام بيت نوري الكيخيا بمدينة هيوستن في ولايّة تكساس سنة 1983م، من ُصور الكيخيا يتوسط محمود عـوض ش ّمـام ونـوري رمضـان الكيخيـا. الصورة الثامنَة: الصورة في جامعة جورج واشنطن سن 1994م بمناسبة الذكرى الأولى لاختطاف منصور الكيخيا، وتضم من اليسار إلى اليمين: نوري رمضـان الكيخيا، عبدالحسين شعبان، نبيل الهوني، محمد مخلوف، صلاح البكوش، جمال المنصوري، جمال عيسى، ميـلاد الحضيـري، محمود عـوض شمـام، إبراهيم عبدالعزيز صهـد، عُمـر الحداد، زهير حامـد الشويهدي، مصدق الطائع البيجـو، صالح بشير جعودة، مفتاح رمضان الطيار. الصورة التّاسعة: الأمير محمد الحسن الرضا السنوسي يتوسط الفقيد السيد نوري رمضان الكيخيا والسفير الراحل السنوسي كويدير في ألمانيا العام 2014م. الصورة العاشرة: الراحل الكبير نوري الكيخيا مع الأستاذ حسن الأمين في ألمانيا العام 2015م. الصورة الحاديَّة عشرة: ُصورة تضم من اليمين إلى اليسار: السفير إبراهيم قرادة والأستاذ فاضل المسعودي والأستاذ نوري الكيخيا، في ألمانيا العام 2015م. الصَوَرة الثَّانَية عشرة: ُصَوَرة أثناء تشييع جثمان الفقيد عصر يوم الأحد الموافق 26 مارس 2017م إلى مثواه الأخير بمقبرة (الزلاج) بالعاصمة التونسية. الصورة الثَّالثَة َعشرة: نوري الكيخيا واقفاً أثناء إلقاء قصيدة: (يا عون) في المؤتمر الأول للمعارضة الليبية في العاصمة البريطانية لندن خلال يومي 25 و 26 من شهر يونيه من العام 2005م، ويظهر جلوساً إلى جانبه الدكتور علي الترهوني والأستاذ عاشور بن خيال.

ملاحظات واشارات:

1) عز الوطن: مطلع لقصيدة شعبيّة للشاعر الشعبي جمعة بو خبينة، ِمن مدينة إجدابيا، وقد روى لي القصة المؤثرة أعلى الصفحـة الأستاذ أحمد لنقي نفسه ِفي اتصال أجرته معه يوم 30 مارس 2017م.

2) بيت الشعر: من كتاب: (وميض البارق الغربي) إعداد وتحقيق الأستاذ َسالم حسين الكبتي، الصادر عن مجلس الثقافة العام (بنغازي - ليبيا)، الطبعة الثانية 2009م.

3) مظاهرات يناير 1967م ِفي "بون": كانت هُناك مظاهرات طلابية للطلبة الليبيين الدارسين ِفي دول أوروبا عقب أحداث الطلبة ِفي بنغازي بين يومي 13 و14 يناير 1964م، وقد خرجت مظاهرات أخرى وحدث بعض الاعتصامات ِفي يناير 1965م كما هُو مبين أعلى الصفحة. أما تحرك الطلبة الألمان "اتحاد الطلبة الألمان الاشتراكيين"، وتظاهرهم أمام السفارةا لليبية ِفي "بون" فكان في يناّير 1967م كَما هو مبين أعلاها. ولمزيد ِمن التفاصيل، يرجى الرجوع ِإلى الحديث المسجل لنوري الكيخيا والذي بثه موقع: (ليبيا المستقبل) ِفي 27  مارس 2017م.

4) من صور رشيد الكيخيا: المولود ِفي العام 1931م والّ ِذي ُاختطفته أجهزة نظامّ القذّافي المخابراتية من القاهرة ِفي 10 ديسمبر 1993م، المحامي والمثقف والناشط الحقوقي والدبلوماسي الذي شغل منصب وزير الخا ِر ِجية (1972م / 1973م)، والمندوب الليبي الدائم لدى الأمم المتحدة، وفي وقت لاحق كان أحد رموز المعارضة لنظام معمر القذّافي، حيث ترأس التحالف الوطن ّي المعارض لنظام سبتمبر والعضو المؤسس لـ (الرابطة اللّيبيّة لحقُوق الإنسان). وقد تم العثور على جثته ِفي طرابلس بعد ثورة السابع عشر ِمن فبراير وتحديداً ِفي شهر أبريل 2012م، إلاّ أنّه لم يتم التعرف على هويته إلاّ يوم 15 نوفمبر 2012م، وقيل إنه توفي ِفي السجن ِفي ظروف غامضة، تؤكد مصادر أخرى أنها كانت عملية قتل مدبرة. ونظمت وزارة الخاِرِجية لمنصور الكيخيا بعد ظهر يوم الأحد الموافق 2 ديسمبر 2012م، حفل تأبين ِفي قاعة فندق ريكسوس Rixos بمدينة طرابلس، ثم نقل جثمانه إلى مدينة بنغازي حيث جرت مراسم الجنازة الرسمية يوم الإثنين الموافق 3 ديسمبر ِفي ساحة محكمة شمال بنغازي ثم نُقل إلى مثواه الأخير ليدفن في الجزء المخصص للشهداء بمقبرة الهواري ِفي مدينة بنغازي مسقط رأسه.

5) عمـرعبدالله المحيشي:ِ من مواليد مدينة مصراتة سنة 1942م وهُو ضابط تخرج في الكلية العسكرية الملكية الليبية، وانضم إلى تنظيم عسكري سري قام بانقلاب سبتمبر 1969م. كان أحد أعضاء ما كان يُسمى بتنظيم (الضباط الوحدويين الأحرار) الّذين قاموا بانقلاب الأ َّول ِمن سبتمبر 1969م واستولوا على السلطة، وعضـو َما كان ُيس ّمى بـ (مجلس قيادة الثورة). اعتبر المحيشي، معمر القذافي رئيس مجلس الانقلاب، انحرف َعن المسار الصحيح لما كان يسميه بأهداف الثورة الليبية، وبدأ ينفرد بالسلطة ويتخذ ِفي صلاحيات أكبر مما تم الاتفاق على إعطائه له، فاختلف معه وعارضه لدرجة أنه أشهر عليه رشاشه وكان ذلك ِفي العام 1972م، وأقدم المحيشي على محاولة انقلابيّة ضدَّ نظام معمر القذّافي ِفي أغسطس 1975م. فشلت المحاولة وقد تمكن من الفرار من ليَبيا إلى خّارج الحدود، تونس أولاً، ومنها إلى مصر التي وصلها ِفي فبراير 1976م، ليؤسس ويقود "التجمع الوطني اِلليبي" كتنظيم معارض ِمن المهجر يسعى للإطاحة بنظام القذافي، وليذيع ِمن القاهرة برنامجاَ إذاعيّا معارضاً كشف فيه تسلط القذّافي وتخلف واستبداد نظامه. قامت المملكة المغربية ِفي عهد الراحل الملك الحسن الثّاني، في نوفمبر 1983م، بتسليم ُعمر المحيشي الذي كان لاجئاً سياسيّاً بالمغرب، إلى نظام معمر القذّافي، ضمن صفقة، منها توقف القذافي َعن دعم "البوليساريو" الساعية لاستقلال الصحراء الغربيّة َعن المملكة المغربية، وتقديم منح وعقود ِإلى المملكة بقيمة حوالي نصف مليار دولار. وبعد وصوله إلى ليَبيا بفترة تَّم قتله، ويروى أو يقال إن معّمر القذافي كان في انتظار المحيشي في المطاِر هُو ورفيقه الرائد عبدالسلام جلود واللذان باشرا تعذيبه وإهانته على مدرج الطائرة، ويقال أ ْيضاً إن ُعمر المحيشي قد أصيب قبل وفاته أو قتله، بشلل نصفي بسبب صدمة الخديعة وهول التعذيب. راجع َما جاء عنه في الموسوعة الحرة (ويكيبيديا) ِفي شبكة النت الدّوليّة.

6) دبل شفرة: وصف أطلق على المعارضين الذين كانوا ِفي الخارج وعادوا ِإلى الوطن بعد ثورة السابع عشر ِمن فبراير، حيث أطلق عليهم وصف (دبل شفرة) أي مزدوجي الولاء لحمل بعضهم جنسيتين تشبيهاً لهم بالهاتف النقال ذي الشفرتين الّذي يرسل ويستقبل على خطين أو رقمين!.

7) با الغرب: هُو اسم بئر في منطقة إجدابيا، وكان هُناك بئر أخرى اسمه (با الطفل)، وكانا (با الغرب، وبا الطفل) أشهربئرين ِفيالمنطقة.

8) يا عون: مطلع قصيدة: (يا عون من قابله عون واشرف على راس عالي)، لشاعر آخر وقد اَضاف عليه نوري الكيخيّا الأبيات الواردة أعلى الصفحة، بعد وصوله لمنفاه ِفي الولايات المتَّحدة الأمريكيّة العام 1978م ِفي ليلة كانت مظلمة وأمطارها جد عزيزة. وأضاف آخرون أبيات أخرى على نفس المطلع. وهذا يذكرنا بقصائد عديدة أخرى، حدث معها نفس الشيء، كقصيدة (سبحان اللّي هنتك وهَّونتيني)، وقصيدة (تشفاتشي يا دراقة) الّتي بدأها أو قال مطلعها الأستاذ َسالم بودومات، والواردة قصتها كاملة أعلى الصفحـة. 9) بيت الشعر: ِمن موقع: (موضوع - أكبر موقع عربي بالعالم) ِفي شبكة النت الدّوليّة، بواسطة: الحياة بتاريخ 13 أبريل 2016م.

مصادر ومراجع:

1- المؤلــف - مقالة: (عبق الأرض وهُموم الوطن - سيرة عبدالجليل سيف النَّصر من الميلاد إلَى الرحيل) - موقع: (ليبيا المستقبل)، ومدونة: (شؤون ليبيّة)، بتاريخ 19 أبريل 2012م.

2 - بوابة الوسط - تغطية صحفية تحت عنوان: (تشييع جثمان نوري الكيخيا ِفي تونس) - يوم الأحد الموافق 26 مارس 2017م.

3- المؤلف - سلسلة: (رجال حول الملك) - موقع (ليبيا المستقبل) بتاريخ شهر مايو 2009م.

4- الأستاذ نوري رمضان الكيخيا - مقالة تحت عنوان: (ليبيا إلى أين..!؟)، نشرت ِفي موقـع: (ليبيا المستقبل) بتاريخ 20 مارس 2014م.

5 - الأستاذ َسالم العوكلي - حوار أجراه العوكلي مع نوري الكيخيا ونُشر ِفي ملف خاص تحت عنوان: (نوري الكيخيا.. صوت ليبيا ِفي شوارع العالم)، جريدة (ميادين)، العدد (9) الصادر بتاريخ 12 يوليو 2012م.

6- الأستاذ نوري رمضان الكيخيا - مقالة تحت عنوان: (لولاها)، نشرت ِفي موقـع: (ليبَيا المستقبل) بتاريخ 30 نوفمبر 2014م، وفي صفحته الخا ّصة ِفي الفيسبوك بتاريخ 25 ديسمبر 2015م.

7- المؤلف-الحلقة الأخيرة(16) ِمنسلسلة: (في السـياسِة والتّاريـخ/ الَمِلك.. العـقيد.. الُمعـارضة الليبية في الخاِرجِ) - نشرت ِفي موقـع: (ليبيا المستقبل) بتاريخ 21 يونيـه 2006م.

8- الأستاذة زكية التائب - مقالة تحت عنوان: (الرجال مواقف) نشرتها فِي صفحتها ِفي الفيسبوك بتاريخ 15 فبراير.

9- الأستاذ نوري الكيخيّا - حديث مسجل َعن المظاهرات الطلاّبيّة للطلبة الليبيين الدارسين ِفي دول أوروبا عقب أحداث الطلبة ِفي بنغازي بين يومي 13 و14 يناير 1964م - موقع: (ليبيا المستقبل) ِفي 27 مارس 2017م.

م.ب | 12/04/2017 على الساعة 11:32
" وتلك الايام نداولها بين الناس "
اشكر الكاتب علي سرده الممتع لسيرة رجل مناضل من رجال ليبيا المناضل نوري الكيخيا تغمده الله بواسع رحمته ، و لقد شد انتباهي ايضاً تلك النصيحة القيّمة للدكتور محمود التايب و كذلك ذكر اجتماع الاستاذ نوري الكيخيا بالملك الصالح احسست عندها انه قد عبر علي لساني بطلب المعذرة من رجل وأي رجل عظيم كانه ؛ قاد مرحلة حرجة من تاريخ ليبيا ولم ينصفه شعبه بل تنكروا لجهاده وإخلاصه ،ومحاولة المخادعين الأفّاكين لتشويه سيرته العطرة وتزييف الحقيقة التي ستظل ساطعة مشرقة في تاريخ ليبيا الحديث لكن نثق في الله العلي القدير ان يجزيه ويجزي المخلصين من أبناء هذا الوطن عنا خير الجزاء وتحية لهم منا وسلاماً لأرواحهم في عليّين !!!
ابراهيم عبجالله قدورة | 12/04/2017 على الساعة 02:37
مجهود متميز
مجهود كبير بذله الاستاذ الكاتب شكرى السنكي في البحث والتدقيق لإنصاف شخصية وطنية جديرة بالإنصاف ، رحلة رائعة في مُخَادَنَة الكاتب الذي اصطحبنا معه عبر محطات ومواقف وطنية نضالية في حياة الأستاذ نوري الكيخيا رحمه الله ، لا أخفي على القارئ انني اعتز بهذا القلم الصادق وأجد راحة في قراءة ما يسرده ، وقد انتهج الكاتب في هذه الحالة وغيرها من الحالات ذكر محاسن الفقيد كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رحم الله الفقيد وتحية لمآثره وعطائه فقد كان مشبع بحب وطنه ليبيا .
عبدالكريم بزامة | 11/04/2017 على الساعة 17:38
جولة مفيدة
شكرا للكاتب النشط السيد شكري السنكي. لدي الكثير مما يقال اثراء للتوثيق التاريخي.لكنني اخشي الاسترسال وكذلك اخشي الاختصار!! من السياق تطرق الكاتب لنصيحة الدكتور محمود التائب للطلبة الموفدين في مرحلة نشؤ الدولة الليبية. ربطتني بالدكتور الراحل محمود التائب علاقة وطيدة وسرد لي فيض من ذكرياته في مسقط راسه سلوق وحضوره شابا يافعا لحظات اعدام المناضل عمر المختار عام 1931 م .وحتي لقاءاته في جلسات الحوار الاسلامي المسيحي في الفاتيكان برعاية البابا ولقطات مصورة تجمعه به.الدكتور محمود كتب وترجم عن الحركة الماسونية ..ونخب شباب ليبيا الخمسينات من القرن الماضي ومنهم الراحل نوري الكيخيا انضم للحركة الماركسية كما ذكر الكاتب ومنهم من التحق باحزاب وجذبته تيارات . شكرا للسيد السنكي لانه اثار نصيحة شخصية تربوية لذاك الجيل ولدي تفاصيل اكثر تنصف رجالات دولة الاستقلال . لكن من المؤكد ان هناك خلل وخطأ ما قد وقع . مزيد من الذكريات والتوثيق توصلنا لمكمن الخلل ونامل الا يكون الوقت قد فات .
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع