مقالات

علي العامري

مدريــــد

أرشيف الكاتب
2016/07/12 على الساعة 13:50

خلال شهر أغسطس، تبــدو مدريد لمن تبقى فيهــا مدينة هادئة وكأن سكّانها قد هجروهــا، فزحــام السيارات يبدو لا وجود له، وخلال شوارعها يمكنك ولأول مرة أن تستمع بقيادة سيارتك دون أن يتملكك التوتر أو ما يسمى في عالمنا الحاضر بالـ"stress"، أمّــا الضجيج فيكــاد  يكون معــدوماً، بحيث يمكنك أن تسمع تغريد العصافير على الأشجــــار التي تغمر معظم شوارع المدينة، بل وحتى على بعد  تصل إلى أسماعك إشارة المرور الضوئية والصوتية في ذات الوقت التي تساعد المارة من  فاقدي حاسة النظر على اختراق الطريق، وكأن الفني المختص قـد زاد من حدتهــــا، وبكل هــذا تبـدو مدريد وكأنها اكتسبت حلة جديدة غريبة لم تكتسبهــا خلال كل الشهور الماضية.

لكن حياتي اليوميــة بهذه المدينة، تجــري كالمعتاد، وليس هناك حيــاد عن برنامجي الاعتيادي الذي يكمن في العمل صباحا، والبحث عن الأحباب والأصدقاء مســاءً، والقراءة في   أيفرصة تسمح لي بذلك.

وحيث إن شهر أغسطس يتمتع بمثل هذه الحسنات، فإن الفرصة تبـدو سانحة خلال هذا الشهر للقيـام بالعديد من الرغبـــات التي لا يمكن القيــام بها بسهولة طيلة بقيـة العام،  فالذهاب إلى المسرح سيكون أمراً سهلاً وبدون طوابير، وحتى دور السينما تبدو لمن يعشقهــا جنة الله في أرضه، ناهيك عن المطاعم الشعبية الفاخرة الرخيصة التي لم تتمكن أبداً من زيارتهــا وتذوق أكلاتهـا بكل هـدوء "بدون دفّــان" وبدون حجز مقدم، وبالتحديد تلك الموائدة المطلة على شـارع المدينة التي طالما حاولت الجلوس والأكل عليها لكن دون جدوى، فهي تكاد تكون محجوزة طيلة العام صباحــاً ومســاءً  إلا في شهر أغسطس.

وربما الشيء الوحيــد الذي يعكر صفو هذه  الحيــاة المستقرة الهادئة هي صفوف المهاجرين أمام مراكز الشرطة،  في محاولة للحصول على بطاقة الإقامة والعمل، ويطلق عليهم عادة  اسم "بدون أوراق"، لكن حتى هذه الفئـــة من  الذين يعيشون "بدون أوراق"، يتركون المدينة بحثاً عن عمل بمدن الساحل الإسبــاني الكثيرة، التي تعجّ بالسيـاح خلال هذا الشهر، فتقل أيضا طوابيرهم، وتكتسب أوراقهم المفقودة  لون ورقة  العملة الأوروبية  (اليورو)، فيتمتعون كغيرهم بعطلات أغسطس على طريقتهم الخاصة.

إحــدى معالم هذه المدينة مقهى /خيخون/ الذي يكتسب للعارفين قيمة إضافية،  فهو المقهى الذي يرتاده أغلب مثقفي مدريد من كبيرهم إلى صغيرهم، لكنه كثيرا ما يعج بالفضلاء، ويمنعك ذلك بالخلو بمن ترغب في الحديث معهم من كتّاب وصحفيين وعلمــاء، إلا أن هذه المعجزة تتحقق لك خلال شهر أغسطس من كل عام.

دخلت مقهى خيخون وجلست إلى جوار شخص تبين لي بعد ترثرة عابرة أنه مدرس بكلية اللغات في مادة اللغة اللاتينية بجامعة مدريد الرسمية (كومبلوتنسى).

أحضر إلينا عامل المقهى ما قمنا بطلبه، وســألني مرافقــي: لماذا ترسمون الهلال في أعلامكم؟.. قلت له أنه علامة البلـد الذي يعتنق الإســلام، فعلامة الصليب الأحمر بسيارات الإسعاف في أوروبــــا، تـمّ استبدالها في العالم العربي بالهلال الأحمر. فأجاب، ولماذا إذاً ترسمونه أفـــلاً. فقلت له، وكيف ذلك؟

فأوضح لي بمهل، أن اللغة اللاتينية تحتوي على كلمتين: الأولي (Crescendo) وتعني يكبر أو يزداد حجمــا، والثانية (Decrescendo) وتعني يصغر أو يقل حجمــا، ومن أجل المعرفة، إذا ما كان القمر سيكبر أو سيصغر، فإنه يجب علينا أن نفكر بادئ دى بدءٍ بأن القمر دائمــاً ما يكذب، فإذا لاح في السماء على هيئة  حرف (C)  من الكلمة الأولى التي تعني أنه  سيكبر، فالقمر يكذب  وسيصغر، أمّـا إذا لاح على هيئـة  حرف (D)  والتي تعني أنه سيصغر، فالقمر يكذب لأنه سيكبر، وهذا ما نعلمه لتلاميذ المرحلة الابتدائية من أجل تسهيل الأمر عليهم في تحديد مسيرة القمر.

وقد صدق صاحبي في الدردشة، فــأغلب الشعارات أو الأعلام التي يدخل في تركيبها رسم الهــلال، تكون مرسومة على هيئة حرف (C) وهذا يعني الصغر أو الأفول والزوال، فهل رسمه بهـذه الطريقة جاء بمحض الصدفة، أم أن من جعل منه علامة مميزة كان على علم بذلك فرسم الهلال في أعلامنـــا آفلاً؟

من جهــة أخـرى، لابد من اغتنام فرصة هذا الشهر لزيارة مركز الفنون الجميلة الواقع في أحد شوارع المدينة الأكثر ازدحامــاً، وهو المركز الثقافي الذي لا زال يحتفظ بطابعه الكلاسيكي، بكراسيه العتيقة ومراياه القديمة التي أصابها التأكسد في بعض زوايــاها فزادها جمالاً وروعة، إلى جانب صالاته الكبيرة الشاسعة المعدة لأي حدث فني يولد بمدريد العاصمة أو بأي مدينة من المدن الإسبــانية.

دخلت المركز وطلبت قليلا من القهوة "كافي كون ليتشى" وبقيت غارقاً في تأملاتي إلى أن انتزعتني منه لمسة رقيقة على كتفي الأيسر  فالتفت فإذا بصديقة لي تبتسم قائلة "عــد إلينـــــا"، فتحدثنا كثيراً، ثمّ سألتها عن صديقها الكاتب العريق/ فرانسيكو اومبرال/ وهو من أحد روّاد مركز الفنون الجميلة، وقد بقى فترة طويلة من الزمن منقطعا عن الكتابة بسبب مرض ألم به توفي إثــره بعد فترة طويلة من المعاناة.

لكنه وقبل وفاته، ترك لنـــا كتاباً بديعاً ومغرياً وغريباً عنوانه "المعـــادن الليلية"، ورغم أن الكتاب كان حديث العهد بالأسواق الأسبانية، فإن رفيقتي كانت قد كتبت بإسهاب عنه في إحدى الصحف الإسبانية، لكن نقدهـا الإيجابي الواسع له، بالإضافة إلى كون صديقتي من المقربين إلى الكاتب، قــد جعلاني أعتقد أنهـــا قد  اطلعت على الكتاب قبل نشره.

جلست إلى جانبها، واحتسيت معها مشروبا مثلجــا، وبادرت إليها بالحديث عن كتاب "المعادن الليلية"، فقلت لها بأنها في  تقديمها للرواية، تقدم إلينا  الكاتب فرانسيسكو امبرابال في أقصى أبعاده.... فهو يدور حول نفسه.... متحولا إلى كأسٍ مشروبه خليط من الحموضة والعاطفـة، مطلًا علينا بروايته الجديدة /المعادن الليلية/  وهو يقتبس  دور/ خوماس/ شخصيـة وبطل روايته الجديدة.

فقالت لي صديقتي بأن /اومبرال/ يبعث إلينا في هذا الكتاب بإيماءة عابرة وجريئة، تخفي خلفها  ما أسمــاه الكاتب بفنّ  "اللعب بالأدب"، ويبدو ذلك واضحــا عندما يقول في إحدى فقــرات روايته "إن أكثر ما يشدني في الكتابة هو عملية  اللعـــب بالأدب"، وكأنـــه يدعونا إلى التعمق في شخصيته  إنسانا وأديبا.

وقارنت الصحفية هذه الرواية برواية الكاتب العظيم /باين انكلان/ (أضواء بوهمية)، عندما تصف رواية المعادن الليلية،  بطل  القصة  /خوناس/ وهو في المقبرة يراقص عميــاء، في ملحمة مليئة بالظلال والشفافيــة يصفها الكاتب بالقول: "بتلك المقبرة توجد حديقة مليئة بالسكارى، من مودعين أو منتشرين أو محبيـن، وسط أجواء غبطة ونجوم ساقطة وزجاجات فارغة تحمل أنفاس/ هاملت/".

وبيّنت لي صديقتي الصحفية،  بأن /اومبرال/ في روايته "المعادن الليلة" يخلط بين  زمنين مختلفين، فهو يرغب في أن يقدم إلينا رواية حديثة، لكنه يلجأ إلى الماضي، ويبدو ذلك واضحـــا عندما يقول: "تخونني الإيماءات... لا أعيش ليالي اليوم، ولذا فإنني أتحدث عن تلك الأيام الخوالي، أيام التحول"، (وهو يقصد بذلك التحول السياسي في إسبانيا أبان الثمانينات من عهد ديكتاتوية الجنرال فرانكو إلى عهد الديمقراطية).

وتساءلت ما إذا كان الكاتب يبحث عن توازن في شخصيته، إذ إن الرواية  تحتوي على وصف للواقع الملموس، فعندما يخوض في مادة الهجرة وتوافد الأجانب على إسبانيــا، وعمليات التنكيل المتواصلة بالمهاجرين، يصور لنــا أن مهربي هؤلاء البشر وملاحقيهم يمثلون الصورة الحقيقة للفاشية القديمة التي، بعد سقوط نظامها، يخوض من تبقــى من عناصرها في وقتنا الحاضر معركة شخصية ضد هؤلاء المهاجرين.

وفي هذا الصدد يصف لنا الكاتب ذلك قائلا: "وكما  في مدريد وبرلين، وكما هــو في بقية أرجاء المعمورة، يوجد ذلك النازي المتخلف الذي يتقمّـص دوره بحرية، ويطلّ علينا بأناشيــد تدعو إلى  تنظيف المدينة من الغرباء الرعاع، حيث يشكل معظم أدبـــاء العصر الحديث القسم الأكبر في عملية التنظيف، فدعوتهم تكمن في تنظيف كل الأدب الذي لا  يواكب معتقداتهم السياسية والاجتماعية.

رواية رائعــة لعل القــدر يمكنني مستقبلا من إعطاء القاري نبذة عنها أكثر اتساعاً.

علي العامري

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع