مقالات

محمد بن زكري

ليبيا تغرق في البحر الميت

أرشيف الكاتب
2017/04/05 على الساعة 09:31

نظرا لارتفاع نسبة تركز الأملاح في مياه البحر الميت، فهو مسطح مائي آمن للسباحة، لا يغرق فيه حتى من سئم تكاليف الحياة بين العرب ورغب بالانتحار غرقا للتخلص من العار. لكن ليبيا وحدها - كعادتها منذ أيام هيرودوت - هي من كسرت القاعدة وشذت عن قوانين الطبيعية، فغرقت في البحر الميت. خاصةوأنه ما كان لقادة النظام الرسمي العربي الغارق في التخلف، إلا أن ينتهوا في دور الانعقاد الثامن والعشرين للقمامة العربية - في المنتجعات السياحية على ضاف البحر الميت - إلى ما انتهوا إليه من قرارات باهتة، مستنسخة من إرشيف قراراتهم السابقة (الميتة)، بدءً مما يسمونه - تكاذبا -  قضية العرب المركزية، وليس انتهاءً إلى قضية دولة الميليشيات - الإسلامية والقبلية والمرتزقة - القائمة على أنقاض دولة (ليبيا السابقة) في طرابلس المحتلة. وما كان لـ (أصحاب الجلالة والفخامة والسمو والمعالي) إلا أن يتوافقوا - كما كان متوقعا - على تأييد إغراق ليبيا في المستنفع الفبرائري الآسن، تقمصا لدورهم في المشهد الدموي للعبة الأمم الجيو ستراتيجية، على مسرح الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لإعادة ترتيب العلاقة بين دول المركز ودول الأطراف، في نظام العولمة الراسمالية. ومن ثم كانت الصيغة المفخخة للفقرة (5) المخصصة للأزمة الليبية - المفتعلة - من البيان الختامي لقمة البحر الميت، بما تضمنته من إحالة حل الأزمة إلى الآليات التي أنتجتها، تكريسا لمعطيات الأمر الواقع، في سياق التطبيق التعسفي غير المسؤول، لاتفاق الصخيرات التعسفي غير المتوازن.

وإن الغافلين والمغفَّلين وحدهم، من يعلقون أي أمل على منظمة جامعة الدول العربية وينتظرون منها أية مبادرة جادة لخدمة مصالح الشعوب الناطقة بالعربية، ذلك أن جامعة الدول العربية، بما هي انعكاس للنظام الرسمي العربي، وبما هي ناتج من النواتج الثانوية للحرب العالمية الثانية.. التي تجاوزها الزمن، ليست غير جهاز إداري غارق في البيروقراطية، لنظام إقليمي مرتهن بالكامل - في أمانته العامة وآليات اتخاذ قراراته - لإرادة وإملاءات النظم الرجعية في ممالك ومشيخات الخليج الفارسي، المستقوية بالبتر دولار والحماية الأميركية. فالمال الخليجي وحده هو من يصنع قرارات جامعة الدول العربية، سواء في مجلسها الوزاري (على مستوى وزراء الخارجية) أم في مؤتمرات القمة العربية الدوريةوالطارئة، كما ظهر ذلك بكل الوضوح في قرار الجامعة العربية - الصادر بتاريخ 12 نوفمبر 2011 - بتعليق عضوية سوريا، بل إن قمة الدوحة (سنة 2013) منحت مقعد الدولة السورية لما يسمى الائتلاف الوطني السوري، وتكرر ذلك في مؤتمر القمة بالكويت (سنة 2014)، غير أن قمة شرم الشيخ (سنة 2015) عادت مضطرة إلى تعليق عضوية الدولة السورية وترك مقعد سوريا شاغرا، نظرا لتهديد بعض الدول العربية بالانسحاب من الجامعة، فيما لو مُنح المقعد للائتلاف المنشق عن الدولة السورية، على أن قمة شرم الشيخ خضعت للابتزاز الخليجي، المعزز بقوة البترو دولار، فأيدت حرب التحالف العربي على اليمن، التي انطلقت تحت اسم (عاصفة الحزم) بقيادة السعودية، بالتزامن مع انعقاد مجلس وزراء الخارجية العرب بتاريخ 25 مارس 2015، تحضيرا للقمة العربية 26، التي كان أصحاب الجلالةوالفخامةوالسمووالمعالي (يومي 28 - 29 مارس) ينعمون فيها بكرم الضيافة المصرية في منتجعات شرم الشيخ السياحية، بينما كانت طائرات (F16) السعودية، تصب جحيما من القنابل العنقودية والفراغية فوق رؤوس أبناء الشعب اليمني الفقير (انتصارا للديمقراطية)، ويخرج أمين عام جامعة الدول العربية (نبيل العربي) وقد قبض الثمن، ليقول: "إن عاصفة الحزم ستستمر إلى أن تحقق أهدافها".

وبهذا المنظور لواقع النظام الإقليمي العربي، الذي تمثله منظمة جامعة الدول العربية، ليس من وجه اعتراض، يمكن الاعتداد به لدى الأردن، فيما يتعلق  بتوجيه الدعوة إلى رئيس المجلس الرئاسي، لتمثيل الدولة الليبية في قمة البحر الميت، فليس للحكومة الأردنية إلا أن تلتزم بما تقرر في جامعة الدول العربية من الاعتراف بالمجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، ممثلا حصريا وحيدا للسلطة التنفيذية في ليبيا. كما أنه ليس من وجه اعتراض، يصلح للاعتداد به في جامعة الدول العربية، بالمخالفة لما تقرر في مجلس الأمن الدولي - بالإجماع - من تبني مخرجات اتفاق الصخيرات، وحصر حق تمثيل الدولة الليبية في حكومة الوفاق. والقانون لا يحمي المغفلين، فعلى نفسهاوعلى ذويها جنت براقش.

ورغم أن البيان الختامي للقمة العربية 28، التي تم (إحياء) فعالياتها في منطقة البحر الميت بالمملكة الأردنية الهاشمية، لم يتبنَّ (شطحات) مشروع القرار المعروض على مجلس وزراء الخارجية، فيما يخص المسألة الليبية، إلا أنه قد أقر - ضمنا - شرعية المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، باعتباره  الممثل الوحيد - المعترف به دوليا - لسيادة الدولة الليبية، بما يعنيه ذلك من إضفاء طابع المشروعية على السياسات التي ينتهجها المجلس الرئاسي وحكومته، في إدارة شؤون الاقتصاد الليبي وملفاته الحساسة، بما في ذلك حق الرئاسي في المطالبة بإلغاء التجميد المفروض دوليا على الأموال الليبية في البنوك الأجنبية والأوعية الاستثمارية الليبية في الخارج (و ذلك هو بيت القصيد)، أخذا ببيان روما، الصادر (تتويجا) لاجتماع عُقد بتاريخ 17 نوفمبر 2016، ضم ممثلين لكل من: المجلس الرئاسي ومصرف ليبيا المركزي وديوان المحاسبة والمؤسسة الوطنية للنفط، بمشاركة ممثلين عن الأمم المتحدة و(البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) والمجتمع الدولي! استكمالا للحوار الشهير - بين نفس الأطراف - الذي انطلق في لندن يومي 31 أكتوبر 1 نوفمبر 2016. للبث في السياسات الاقتصادية (المالية والنقدية) للدولة الليبية!.

و كما للرباعي الغربي (إيطاليا وفرنسا وانجلترا وأميركا)، فإنه ليس من شك في أن لقطر يدا طولى - تحت الطاولة وفوقها - في دعم المجلس الرئاسي بمؤتمر قمة البحر الميت، غداة زيارة كل من رئيس المجلس الأعلى للدولةورئيس المجلس الرئاسي إلى الدوحة، خاصة وأنّ قطر تضع عينها على (صفقة القرن) في الغاز الليبي، الأمر الذي لم تعد تفاصيله سرا. وليس أفضل من حكومة ليبية يديرها التجارورجال الأعمال، لعقد مثل تلك الصفقة. فالتاجر لا يفكر مطلقا إلا بتعظيم أرباحه، ورجل الأعمال لا يمكن له - تحت كل الظروف - أن يصلح ليكون رجل دولة. ويكفي دليلا على ذلك نص كلمة رئيس المجلس الرئاسي، في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر قمة البحر الميت، بما تضمنته من مغالطات ساذجة، تستدعي السخرية أكثر مما تستدعيه من الغضب (على سبيل المثال، حديثه عن(1): توفير احتياجات المواطنين المتعددة، والعمل على مواجهة التحديات الاقتصادية والأمنية التي تعيشها البلاد ! فطبعا لم ينعم الليبيون برغد العيشوالأمان، كما نعموا بهما في ظل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق. (2): التصعيد العسكري في منطقة الهلال النفطي! فطبعا ميليشيا الجضران - المتحالف مع الرئاسي - هي القوة العسكرية الأولى بحماية الموانئ النفطية. (3): النتائج الباهرة التي حققتها "قواتنا المسلحة" في مدينة سرت ضد تنظيم الدولة !وطبعا دون تدخل عسكري - مباشر ونوعي وكثيف - برا وبحرا وجوا، للمارينز وقوات أفريكوم الأميركية وقوات النخبة البريطانية وكتيبة المهام الخاصة الإيطالية). ولأن التجارورجال الأعمال، فضلا عن كونهم غير مؤهلين (موضوعيا) لإدارة شؤون الدولة والمجتمع، بحكم تعارض مصالحهم الخاصة مع المصلحة العامة للدولة والمجتمع، وبحكم التناقض الحاد بين مصالح الوكلاء التجاريين والمصالح الحياتية للناس.. فهم لا يجيدون السباحة في بحر السياسة متلاطم الأمواج، ومن ثم فإن تمثيل الدولة الليبية في القمة 28 لجامعة الدول العربية، برئيس مجلس رئاسةٍ لحكومة وفاقٍ وطني ليبي، أوتي به إلى السلطة، في صورة (رجل دولة)، من عالم التجار ورجال الأعمال، ينطوي بوقائعه وملابساته ومآلاته، على رمزية موت (الدولة) الليبية غرقا في البحر الميت.

ولأني ممن آلوا على أنفسهم ألا يخونوا ضمائرهم ليسبحوا مع التيار، فلا عزاء للجماهير (الرثة) أيتام سبعطاش فبراير، التي لن تستوعب دروس السنوات الست الفائتة، رغم فائض قسوتهاومراراتها. ولن تعي أن التجار ورجال الأعمال ومن يسمونهم بالوجهاء والأعيان والحكماء وشيوخ القبائل، لا يصلحون - بالمطلق - لإدارة الشأن العام في عصر العولمة، ولن تفيق من غيبوبة أوهام الإخاء بين أصحاب الملايين والمُفقَرين. ومن ثم ستعود في أية انتخابات قادمة، إلى وضع ثقتها بنفس القوى الاجتماعية، ووضع رقابها تحت نفس المقصلة، فالجماهير (الرثة) كما الذباب.. قصيرة الذاكرة.

محمد بن زكري

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
مواطن ليبي | 07/04/2017 على الساعة 12:50
الي من جلبوا العار علي أنفسم و وطنهم
شكراً للكاتب علي مقالته الذي يعكس بصدق معاناة شعبنا ، والي فضح اجندات من يتلاعبون بمصير شعبهم ، ولمصلحة من !؟ في سياسة قذرة شيطانية امعاناً منهم في قهر مواطنيهم وإذلالهم ، الْخِزْي والعار والشنار عليهم أولئك المتنكرون لوطنهم ولمواطنيهم ،كانوا بالأمس يتباكون من رؤية سيف جلادهم ،وعندما حانت الفرصة إنقضوا وسرقوا السلطة وتنكروا لمواطنيهم الذين أوصلوهم الي سدة الحكم فأصبحوا جلادين جبابرة مستكبرين علواً في الارض وفساداً ، وباسم الدين فادخلوا البلاد في أتون حرب قذرة اسالوا فيها الدماء وقطعوا ارحامهم ،لا يرقبون فينا إلاً ولا ذمة ويحسبون انهم علي شئ وما هم علي شئ قاتلهم الله أنَّا يؤفكون.
م.ب | 07/04/2017 على الساعة 12:27
شعوب في حالة موات
تحية طيبة ايها الكاتب المتألق ،أصبحنا ملطشة ومسخرة ( سياسة فروخ كرمك الله ) الدول لدرجة ان الرعاع من بدو الخليج يتدخلون وبكل صفاقة في امننا وفي اقتصادنا قوت ابنائنا عبر تجار الدين اللصوص ودهاقنة السياسة الذين سرقوا ثورة شعبنا وهم من اجرموا في حق شعبنا وناسنا، وشعب غلب علي أمره في عيشة نكدة وسنين عجاف الي اجل غير معلوم حتي كدنا نترحم علي الطاغية وأيامه !؟
محمد حسن البشاري | 07/04/2017 على الساعة 07:58
شكرا
أستاذ محمد ربي يعطيك الصحة والعافية على هذا التحليل المتوازن الدقيق أعترف لك بأنني وعلى عكس شغفي بمتابعة الأخبار منذ عبد الفتاح الوسيع وطاهر أرحومة وغيرهم إلا أنني لم أتابع أي اجتماع من إجتماعات هذه الجامعة لقناعة راسخة لدي بأنها مسرح سئ لممثلين سيئين لمخرج سيئ
غومة | 06/04/2017 على الساعة 01:14
بينما الجماهير تغط، الانتهازيون يحاولون تسوية الأمور لما يرضي مصالحهم واسيادهم أيضاً...؟
الجامعة العربية ولدت خطاء واستمرت في هذا الخطاء نفسه طول حياتها. المشكلة العويصة تكمن ليس فقط كيف ولدت هذه الجامعة بل في أستمرارها بدون أدني قوة في الثاءثير على/في الأحداث. اي انها ولدت بدون أسنان وأنياب ولا زالت كذلك بعد كل هذه المدة. فسوى اجتمعت على البحر الميت او على القمر كل ما تستطيع فعله هو اخراج مسرحي كتبت أجنداته مسبقاً من قبل القوى التي تهيمن على المنطقة بأجمعها. كل طراطير العرب يهزون ذيولهم طبقاً لمتطلبات اسيادهم! اما بخصوص التحالف العضوي بين ما يسمى برجال الاعمال والتجار وبقايا العصور الغابرة إنما بمثل المهزلة الكبري والضحك على الجماهير الناءمة بان هذه الشلة إلمعتوهة سوف تكون قادرة على فعل اي شيء بما في دلك حل الأزمة العويصة. انه لمن عجاءب وغراءب هذا الزمن ان تنتهي قيادة ما اطلق عليه ثورة في ايدى تلك الفءات التي لا تعترف بجدوى الثورات او تعرف ان للثورة أهداف اكثر من تحقيق الارباح للكمبرادربون ومن امثالهم الذين يَرَوْن العالم والحياة من منظور واحد الا وهو مصلحتهم البحته! السراج وشلته يمثلان مدى تغلغل وتنسيق الايدي الغير خفية في تنظيم وتصفيف العالم المتاءخر لمبادي السوق الك
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع