مقالات

سليم نصر الرقعي

انا والشحات الافريقي وبلد المجانين!؟

أرشيف الكاتب
2017/04/05 على الساعة 09:32

مساء امس كنت واقفا عند المحطة في انتظار (الترام) (قطار الاسلاك الكهربائية) ليقلني الى منطقتي التي اقطنها هنا في (شفيلد) ببريطانيا، فجأة جاء شخص أسود البشرة قصير القامة ووقف امامي على بعد قاب قوسين او أدني، وقف قدامي في خشوع تام بطريقة مسرحية مؤدبة وهو يتظاهر بالاستسلام والأدب الجم حتى تخيلت بأنه سيقوم بالانحناء امامي على طريقة الصينين في تبادل التحية (!!) ثم بدأ يتحدث معي بلغة انجليزية بلكنة افريقية وبطريقة مسرحية وبأدب مبالغ فيه وقال لي:

(اسمح لي يا سيد ان آخذ دقيقة من وقتك، أنا اعتذر لك واعرف انك مشغول، ولكن أريد ان اطلب منك خدمة، فاذا كنت لا تستطيع ان تسديها لي فلا مشكلة!، سأشكرك على كل حال وسأمضي في حال سبيلي بعد أن أتمنى لك ليلة سعيدة، هذه الخدمة التي اتمنى أن تسديها لي تتمثل في أنه اذا كان عندك بعض قطع النقود (الرقاق/الفكة) الزائدة عن حاجتك أرجو ان تتكرم بها علي مشكورا فأنا في امس الحاجة اليها!).

قال ذلك لي ثم لاذ بالصمت واقفا امامي في خشوع وانحناء طفيف بطريقة مسرحية رائعة كما لو أنه ممثل مسرحي أنهى فقرته لتوه ووقف خاشعا في انتظار تصفيق الجمهور، وقف امامي بهذه الطريقة الممسرحة في انتظار قراري ورد فعلي حتى تخيلت بأنه يهم بالانحناء امامي بالطريقة الصينية إياها، وبصراحة لم اتمالك نفسي فقهقهت ضاحكا!، فقد اعجبتني هذه الطريقة الطريفة والمبتكرة في طرق التسول وفنون الشحاتة التي تعتمد على التأثير العاطفي في عقول وقلوب الآخرين وصولا الى ما في جيوبهم!، ولكل شحات كما هو معلوم طريقته وخبرته وبصمته بالخصوص (*)!، ومع ان تلك المنطقة التي كنت انتظر فيها القطار معروفة بكثرة الشحاتين الذين يشحتون بسبب أنهم من مدمني الخمر او المخدرات ممن ينفقون المساعدات المالية التي يحصلون عليها اسبوعيا من الحكومة باعتبارهم عاطلين عن العمل في يوم واحد دفعة واحدة على الخمر او المخدر ثم يبقون بقية الاسبوع بلا مال يشحتون ويتسولون إلا أن هذا الشخص فضلا عن لكنته الافريقية التي ترجح أنه يعيش في البلد بشكل غير قانوني وبالتالي لا يحصل على أية مساعدات حكومية فإن طريقته في تسول المال وما فيها من تمثيل مسرحي طريف كانت تستحق الاعجاب والتقدير فقد تجاوزت الطرق المعهودة التي عمدتها التباكي والتمارض والتوجع والأنين ولعب دور المعاق!، فهذا المتسول الافريقي ممثل رائع جدا كما بدا لي وبالتالي ليس من اللياقة ولا من المروءة أن أخيب ظنه وأجعل كل جهده الفني التمثيلي المسرحي الذي بذله امامي، بتلك الطريقة الشكسبيرية، يذهب ادراج الريح ويضيع هدرا بلا فائدة، فأدخلت يدي في جيبي واعطيته ما في محفظتي من قطع النقود (الرقاق/الفكه) ففرح وصافحني بحرارة ثم سألني: (من أي بلد انت!؟) فقلت: (من ليبيا)، فقهقه على الفور وقال ضاحكا: (بلد القذافي المجنون!)، فضحكت ضحكة مصطنعة وانا أقول في نفسي بمرارة: (لا حول ولا قوة الا بالله، القذافي مازال ورانا ورانا حتى وهو ميت!!، فبدل ان يصفنا الناس بقولهم ليبيا بلد عمر المختار يقولون ليبيا بلد القذافي المجنون!؟) ولكنني اجبته ضاحكا بشكل مصطنع: (نعم أنا من  بلد القذافي المجنون!!)، فأسرع يقول وهو ينحني نحوي برأسه كأنه يريد أن يهمس لي بسر خاص: (ولكن بصراحه حتى الذين جاءوا بعد القذافي هم مجانين أيضا مثل القذافي!!) فهززت رأسي مؤكدا على ما قال وانا اشعر بحرج شديد ثم كي أغير مجرى الحديث سألته: (ومن أي بلد أنت!؟) فأجاب ضاحكا: (انا من زمبابوي، بلد موغابي!) ثم ضحك وأردف قائلا: (وهو مجنون مثل القذافي أيضا!!)، وفي هذه اللحظة جاء القطار فودعني هذا المتسول الفنان ضاحكا ومسرورا وانطلق في حال سبيله ثم رأيته وأنا أهم بالصعود للقطار وهو يقوم فجأة بالقفز والنط في الهواء كالقرود وهو يحرك يديه عاليا عدة مرات بدون سبب مفهوم كأنه ضفدع يتعرض لصعقات كهربائية (!!؟؟) فقلت في نفسي لنفسي: (ربما يكون هو الآخر مجنونا، من يدري!؟، فالجنون فنون!، وربما أيضا يكون لا يزال مستمرا في حالة التمثيل المسرحي ولعب الدور لغرض ما!، وهذا احتمال وارد ايضا!!؟، والله اعلم!).... وجلست على مقعدي وانطلق القطار يتلوى على الطريق كالأفعوانة!، والشحات الافريقي خلفي هناك يتمطط في الشارع و يقفز و(يتنطط) في الهواء هائما مع عالمه الخاص يبحث عن غنيمة أخرى!، ولله في خلقه شؤون!.

سليم الرقعي

(*) في باريس بفرنسا من اعوام خلت رأيت شحاتا متسولا يرتدي ملابس ذات سمة غجرية ساجدا على الأرض بطريقة مسرحية مبالغ فيها تنم على قمة الاستجداء والتوسل وقد وضع امامه اناء كي يضع فيه المارة ما تجود به انفسهم تأثرا بهذا المشهد المسرحي التراجيدي الذي ربما يؤثر في الفرنسيين اكثر من غيرهم نظرا لتأثرهم كثيرا بالمسرح والقصص الدرامية، بل بدا لي ذلك المشهد مع جمود ذلك المتسول على تلك الهيئة بلا حراك في سكون تام كما لو أنه يرسم بجسمه لوحة مؤثرة تقتبس روحها من التراث الفني والادبي الفرنسي العتيق، فالفرنسيون لديهم شغف بالفنون الجميلة الى حد العبادة فمتاحفهم وتماثيلهم هي اشبه عندهم بالمعابد المقدسة والاصنام المعبودة التي يعظمونها بشكل كبير والتي يخافون عليها من نسمة الهواء !، وهذا حال الأوربيين جميعا مع التراث الفني والتاريخي والعمراني عموما الا أن الفرنسيس يتعلقون بهذه الناحية أكثر وأشد من غيرهم من الشعوب الاوربية، وهنا في بريطانيا الوضع مختلف فيما يتعلق بطرق وفنون الشحاتة، فالأنجليز لا يستثيرهم هذا المشهد الذي يظهر الغجري ساجدا على الأرض في استجداء تام لذلك يلجأ الشحاتون هنا الى طرق أخرى أكثر تأثيرا في النفسية الانجليزية والبريطانية عموما وهي أن يكون بصحبتهم كلب صغير لطيف المنظر فالانجليز قوم شغوفون بتربية الحيوانات المنزلية وخصوصا الكلاب وينظرون اليها كما لاحظت نظرتهم للأطفال ويتعاملون معها حتى في المخاطبة او حتى المعاقبة عند سوء التصرف على هذا الأساس أي كأنهم أطفال!، لهذا وجود كلب مع المتسول الشحات يزيد من فرص نجاحه في استقطاب عيون الانجليز ونيل عطف قلوبهم وبالتالي استجلاب بعض ما في جيوبهم!!، وهناك طريقة اخرى للشحاتة الراقية وهي الاستعانة بالعزف على آلة موسيقية مع أن الكثير من الفنانين الهواة من مطربين وعازفين على المعازف او رسامين ونحاتين على الرمال لا يقدمون على عرض اعمالهم في السوق ابتداء بقصد الشحاتة وتسول المال من المارة في السوق بقدر حاجتهم الطبيعية كفنانين في عرض أعمالهم ونيل اعجاب الناس بها وبهم، ولا مانع ايضا هنا عندهم من وضع صندوق الكمان او القيثار او وضع اناء بقرب العازف او الرسام ليضع فيه بعض من يستمتعون بهذه العروض الفنية الجميلة بعض النقود من باب التشجيع لهؤلاء المواهب ولا اعتبر انا شخصيا ذلك من باب التسول والشحاتة فهم يقدمون خدمة أدبية للناس والمارة وهي امتاع اسماعهم وابصارهم وانفسهم ببعض العروض الجميلة الممتعة الا ان الدفع هنا مقابل هذه الخدمة هو دفع اختياري ادبي وليس الزاميا واجباريا !.

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع