مقالات

نورالدين خليفة النمر

حدود وحيطان

أرشيف الكاتب
2017/04/02 على الساعة 13:18

سيذهب الرئيس دونالد ترُمب بعيداً بقراره التنفيذي المتعلّق بالهجرة حتى المحكمة العليا للدفاع عنه، بينما ينكفيء متراجعاً ربما إلى حين في قراره ببناء الحائط العازل على الحدود مع المكسيك، ما يذكّرنا بما كتبه في نهاية ثمانينيات القرن الـ20 الأميركي بول أوستر "في دستوبيته المخيالية "بلاد الأشياء الأخيرة"، عن الحكومات التي يكون من الصعب التأقلم مع التغييرات التي تحدثها، كالحكومة التي تبني بعد تولّيها السلطة مباشرة جداراً يحميها من التهديد بغزو يتفاقم.

رغم تبدّل مفهومها شكلاً ومضموناً عبر القرون، تصمد الحدود بتغّيراتها وتبقى بتحولاتها، فهي لا تمّحي أو تزول، بل تظل مجالاً ملائماً للتفكير فيها، كتنظيم رمزي لفوضوية متقصدة، أوخلط مشوش لتوّهم عادة مايمرّان في السياسة، عبر لعبة التعارضات، التي يُفضّل أن لا تكون حجّة بيّد السياسي إلى إسقاط رسم حدود الدول الوطنية الراهنة على تعقيدات التخوم الغابرة.
من المتعارف عليه دستورياً في الولايات المتحدة الأمريكية خضوع القرارات التنفيذية التي يصدرها الرئيس لرقابة الكونغرس والقضاء. وبالرغم من أن لها قوة القانون إلا أنها في الواقع العملي ليست مساوية للقانون الذي يصدره الكونغرس، كما لايحّق للرئيس أن يصدر قراراً تنفيذياً مخالفاً لقانون صادر وساري المفعول عن المؤسسة البرلمانية، وأخيراً فإن للكونغرس الحق في إصدار قانون يلغي القرار الرئاسي أو يرفض توفير المال اللازم لتمويل تنفيذه بغرض إحباطه.

المفارقة في الرأسمالية العالمية، أو بنعت ريجيس دوبريه "العالم الشركة"، الذي يحرّكه النفَس النيو ليبرالي، أن تنزلق صورة الأجنبي أو الغريب المتوّخى استيعابه وإدماجه، إلى صورة عامل الهجرة أو "المهاجر" الذي يجب طرده خارج الحدود وهو مانراه اليوم في تداخل اسطورة "الهجرة" بـ"الحدود" وتأثيرهما في ديناميكيات السياسة الأمريكية مثار الجدل اليوم. فتجذب المثُل العليا لأسطورة الهجرة غالباً الليبراليين الديمقراطيين. وتميل رمزية أسطورة الحدود لتكون مصدر إلهام للمحافظين الجمهوريين. الرئيس ترُمب الذي كان ديمقراطياً وتحول جمهورياً ليحظى بالترشح للرئاسة يتلاعب ديماغوجياً بالأسطورتين فيُحدث تحويراً في مفهوم الهجرة كأسطورة أميركية متداولة برؤيته المضادة بأن تكون الهجرة منحة أو هبة وليست حقاً مشروعاً للمهاجر كما ورد مؤخراً في كلمة ترحيبه بالمستشارة الألمانية التي اتخدت عام 2016 قراراً باستيعاب مليون لاجيء في بلادها.

في كتابه "صنع العدو" يورد بيار كونيسا تعريف ميشال فوشيه للحدود بأنها "بنية مكانية بداهية ذات شكل خطي وظيفتها الفصل الجيوسياسي وتحديد نقاط استدلال في المجالات المحكومة: بالواقع، والرمز، والمخيلة. الثلاثي المتمّدد بدوره إلى مجال "الأساطير والميثولوجيات السياسية" فيما يرصده عنوان كتاب المؤرخ الاجتماعي راؤول جيرارديه متابعاً حقيقية الأساطير ومفعولها في السياسة، ليس فقط كونها مظهراً للطقوس والاحتفالات العامة، وإنما نمطاً من التعبير الواقعي على النهج الذي تسير فيه المجتمعات في تشكيل أسلوب تفكيرها و طرائق سلوكها السياسي المتمثلة في التنظيم والتصويت وترويج البرامج السياسية والانتخابية، بل يتعدّى تأثيرها بتوظيفها في أوقات الطفرات والفوضى لخدمة حركات اجتماعية غاضبة، على غرار "حركة الشاي T.B.M" الفعّالة في اليمين الراديكالي اليوم في الولايات المتحدة الأميركية.

يحفل الموروث الأميركي من الحكايات الشعبية، والكتابات الأدبية بسرديات الحدود كأسطورة تأسيس وطني تُبرز شخصيات الفاتحين الأوائل الذين صنعوا أمريكا، مواجهين التحديات والصراعات التي رافقت تسوية الحدود الغربية عندما كانت تتخطى قليلًا الساحل الشرقي. بعدها، جاءت أفلام الغرب الأميركي "Western" في الجغرافيا التي تشمل المكسيك، وغرب كندا وأستراليا لتُكمل الموضوع بنسجها قصصًا تتبع خيطًا رئيسيا واحدًا- الخير ضد الشرــ متضمنة أمثولات أخلاقية عن رجال شجعان يؤثرون العزلة أاضطروا لمحاربة أعداء أشرار، من ذوي البشرة الداكنة، كالمكسيكيين والسكان الأصليين الهنود، إزاء الأخيار الذين هم دائما من الأنجلو-أمريكيين البيض.

في أميركا الجنوبية توصف الفواصل بين البلدان بـ "الحدود الحيّة" الحيوية التي تمنحنا إياها، بتعبيردوبريه في "مديح الحدود"، الإطلالة على الخارج من خلال الأبواب الصفّاقة والمفتوحة على مصاريعها، كما في لوحات مارسيل دوشامب. الحدود المعترف بها الحارسة للهوّيات بالخصوصية، المداوية للآنانيات بالتواضع، المخفّفة إثارة الشهوة بالحِلْم، التي تكون أفضل لقاح ممكن ضدّ وباء الجدران ومرض الأسوار.

نورالدين خليفة النمر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
غومة | 04/04/2017 على الساعة 22:12
تصادم الحدود الجغرافية مع الحدود الغير منظورة والوهمية...!
أزمة الحدود المنظورة والغير منظورة يجب ان تنظر اليها على انها تتشابك مع أزمة الراءسمالية الحالية. حيث ان الدولة كمنظومة سياسية واقتصادية لا زالت على منسوق ويستفاليا بينما الاقتصاد في حد ذاته، عبر موءسسات الشركات العالمية وأسواق المال، اجتاز تلك المرحلة والمفهوم. فالبتالي بظهر التناقض بين اصحاب المال وبقية اطياف المجتمعات الصناعية. فمن صالح المستثمرين عدم وجود حدود لشركاتهم واسهمهم حتى تستفيد من تخلخل وفوارق أسواق العمل بينما ليس من صالح الطبقات العمالية والمتوسطة بان تفقد مصدر رزقها، اي العمالة في المصانع .فسعر العامل المكسيكي اليومي لا يساوي تكاليف ساعة واحدة للعامل الامريكي، واسعار العمالة في جنوب شرقي اسيا أرخص بكثير من ذلك. وبمان الشركات لا تعير انتباهاً للحالة الاجتماعية وكل همها مكرس على تحقيق اكبر أرباح فالبتالى تظهر أزمة السياسيين وكيف يتعاملوا مع المصالح المتناقضة. ترمب ينتمى الى الراءسماليين بينما جذب بوعوده الزاءفة العمال ومن في مستواهم! هنا تكمن المعضلة التي ليس لها حل بمفردات الوقت الراهن. ليس بالعودة الى حلول القرن التاسع عشر وليس بالقفز على الواقع. الحدود لا.زالت تفصل
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع