مقالات

عبدالحفيظ غويل

المستوطنون الإيطاليون المتيّمةِ قلوبهم بليبيا

أرشيف الكاتب
2017/03/20 على الساعة 11:29

كتبته: سلفيا مارشيت - نُشر في "الديلي دوس" - ترجمة: عبدالحفيظ أغويل

في أيام الأحد الساخنة من عام 1955، يتوجّه جيوفاني تشيشيريكو، البالغ من  العمر وقتها 9 سنوات، إلى الشاطئ في طرابلس، رفقة اسرته، يتمتع بالبحر الأزرق البديع وبحبيبات رماله الصغيرة الناعمة، هذا ما كان يفعله في عطلة الأسبوع. هناك كان يلعب مع أصدقائه الليبيين، ويُمرّن لسانه على اللهجة العربية المحلية فيما ينثر المياه الصافية من حوله ويركض بشكل جامح فوق كثبان الرمال. قال"أنّ والداه كانا يرافقانه في البداية " لكن بمجرّد أن كبر، تمّ السماح له بالذهاب وحده. "كان بحق وقتاً مبهجاً." في الغداء، يتناول مزيج من مطبخ ليبي وإيطالي، وأحياناً هامبورغر أمريكية، أحدث ابداع في جنون الأطعمة، انتشرت محلياً عن طريق القوات الامريكية بعد الحرب العالمية الثانية. في المساء غالباً ما يذهب إلى المسرح حيث مشاهدة الممثلين والمغنين الايطاليين وهم يؤدون عروضاً على خشبات المسارح الرومانية القديمة.

تشيتشيريكو يبلغ الآن من العمر 71 عاماً، وفي كتابه "ليبيا المفقودة، قطعة من فؤادي" ينظر للوراء بحزن إلى تلك الأيام الرائعة، التي اُجبر بعدها على ترك البلاد التي شهدت طفولته، فقد طُردت عائلته من ليبيا عام 1970، أبان اعتلاء  معمر القذافي لكرسي السلطة. كان في عشريناته في ذلك الوقت، شاب إيطالي يعمل كفني بالمصرف الزراعي الليبي.

يقول" ليبيا بالنسبة لنا كانت "ألدو رادو"(*). يذكر كيف كانت لهم فيها كل ما يحتاجونه للعيش بشكل جيّد، ابتداءً "من وفرة، الموارد الغذائية والفواكه الطازجة، إلى المكان الحيّ الذي يعيش فيه الإيطالي والليبيّ واليهوديّ، متعاونين وبشكل تكامليّ تماما." لون البحر الأزرق العميق في ليبيا لا يزال جزءً من روحه. في طرابلس تشرّف بتذوق الهامبرغر قبل أن تُعرف في إيطاليا بمدة طويلة. والده كان ممن ساهموا في بناء أول المسارح ودور السينما في البلاد، حيث شيّدت على النمط الغربي، كان ذلك في بدايات اعتلاء مشاهير الممثلين الايطاليين لخشبة المسرح، مثل فيتوريو غاسمان وملكات الجمال مثل جينا لولو بريجيدا.

ولد تشيشيريكو في طرابلس، وكذلك والديه. أجداده كانوا من بين مئات الآلاف من المستوطنين الإيطاليين الذين بدءوا الهجرة إلى ليبيا بعد عام 1911، حين هَزمت إيطاليا تركيا وقامت بتأسيس مستعمرة طرابلس - الإسم الايطالي السابق لليبيا. كان الحرفيون، خبازين وحطّابينَ وبنّائينَ وفنيينَ ومزارعينَ يتوقون لبدايات جديدة في أرض جديدة، وإن كانت تغطيها الصحراء (فهُمْ قد جدّدوا فيها شبابَهم إلى حد كبير باستخدامهم الزراعة وتربية الحيوانات).

عندما أجبرهم القذافي على العودة، التي وضعت نهاية لحياتهم الإغترابية الممتعة، صودرت كل ممتلكاتهم، وأعمالهم التجارية ومزارعهم وحساباتهم المصرفية. ومُنعوا من حقّ العودة إلى ليبيا، ولم تكن لهم منازل هناك في أيطاليا، لذا أجبروا على العيش في مخيّمات لاجئين عند عودتهم، ذلك اشعرهم وكأنهم أجانب في بلادهم.

مرت عقود من الزمن، لكنّ الجرح بقيَ ينزف. فمنذ أن تمّ نفيَهم القسري، أصبحوا في صراع مع الحكومة الإيطالية لمنحهم بقيّة التعويض النقدي عما فقدوه - إيطاليا - في المقام الأول - تبقى هي المسؤولة فهي من أرسل عائلاتهم إلى ليبيا. لقد تأسس لوبي للدفاع عن مصالحهم، يجمع 20.000 من أحفاد المستوطنين السابقين.

في عام 2009، عُقدت صفقة بين رئيس الوزراء سيلفيو برلسكوني والقذافي تتيح للبعض، الذين لهم حنين للماضي، فرصة العودة إلى ديارهم السابقة، على الأقل لقضاء العطلة. لكن تشيشيريكو يقول "في كل مرة أقوم فيها بالزيارة، تبدو لي [طرابلس] وكأنها مدينة أشباح مُلئت بذكريات طفولتي"، قال ذلك في سياق وصفه لحجم التغيير الذي وَجَدَ عليه منزله القديم. "لم أتجرأ لطرق الباب لأرى من الذي يعيش الآن هناك".

المعركة من أجل التعويض الكامل لا تزال جامدة. "وقد طلبنا 350 مليون يورو وهو 10 في المئة فقط من إجمالي قيمة ما حُرمنا منه من مالٍ وممتلكات"، هكذا يشرح دانييل لومباردي، مدير جمعية الاتصالات للعائدين الايطاليين من ليبيا، "إلى الآن وصلنا من الدولة الايطالية 200 مليون يورو فقط. وإلى الآن، لا نعلم عن الوقت الذي سيتم فيه دفع الجزء المتبقّي.".

تظل الأمور الأكثر إحباطاً للعائدين، عدم وجود من يدعمهم. الحكومة يشغلها عقد الصفقات التجارية الهامة مع السلطات الليبيّة - خاصة في مجال النفط والبنية التحتية - ذلك أكثر أهمية بالنسبة لها من استعادة الحاجيات المفقودة، هكذا قال آرتشورو فارفيليّ، الباحث في معهد ميلانو للدراسات السياسية الدولية (ISPI) وهو بيت خبرة يبحث في الشؤون العالمية. فارفيلي هو أول باحث إيطالي يُسمح له بدراسة محفوظات وزارة الخارجية الايطالية. وقد نشر كتابا عن هذه الأوراق المثيرة للجدل، يقول فارفيليّ: "طوال عقودٍ من العلاقات الثنائية المتوترة، تبـنّت الحكومة، استراتيجية، التعويض الإقتصادي الموازي، مفضّلة تحقيق المصالح التجارية الخاصة بها بدلا من تلك التي تخص الإيطاليين الذين تم ترحيلهم".

النهج "الليّن" لـ برلسكوني تجاه القذافي وصل ذروته بـ "قصة غرام" غريبة بين الاثنين، تعقّبها في عام 2010 أسراف على حفلات مؤسساتية صاخبة تكريماً للقذافي في روما. خيول ليبية وراقصات وعروض لمحاربين، ثمّ اُعطيَ القذافي حق المبيت في خيمة بدوية فاخرة وسط حديقة عامة، وقد شوهد برلسكوني وهو يقبّل يدَ القذافي بعد إبرامه لصفقات النفط - صداقة وصلت إلى نهاية مفاجئة بسقوط القذافي وموته بعدها بعام.

يقول تشيشيريكو، "ومنذ ذلك الحين، وفي ظل الاضطرابات السياسية التي تواجه ليبيا، لم أعد إلى ليبيا". لكن خلال زياراته في عامي 2009 و 2010، يقول أنه شعر وكأنه عائد الى بلده، فبمجرّد أن أمضى القليل من الأيام، عادت إليه من جديد لغته حين كان طفلاً، وقد اجتمع مع الأصدقاء القدامى وتحدث مع السكان المحليين الذين أسعدهم سماع إيطالي يتحدّث بلغتهم. الآن ليس له إلاّ أن يحلم بالسلام للشعب الليبي فقط... وأن يطير عائداً إلى طرابلس في أسرع وقت ممكن.

ترجمه: عبدالحفيظ أغويل

- كتبته: سلفيا مارشيت ونُشر في "الديلي دوس".

(*) الدورادو، اسم لمدينة وهميّة أو بلد يملؤه الذهب، يُعتقد سابقا أنّه وجد في مكان ما في المنطقة الواقعة ما بين نهري أورينوكو ومنطقة الأمازون.

د. أمين بشير المرغني | 21/03/2017 على الساعة 09:35
الانتقام
اليوم ايطاليا لا تريد حق العودة للطليان الذين ولدوا في ليبيا وأقاموا فيها كفئة مفيدة انصهر كثيرون منهم في المجتمع الليبي إلى أن طردهم القذافي باعتبارهم ناتج وبقايا فترة الاستعمار، إنما ستسهل ايطاليا أن يتخذ ملايين الافارقة من ليبيا وطنا باستخدام مسألة المهجرين المرفوضين من أوروبا بل تجعل من إخوة أولئك جيشا أوروبيا تغزوا به ليبيا مرة أخرى. أو هكذا تدل الشواهد..
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع