مقالات

نوري المزوغي

نبّــو جيش... ونبّــو شرطة

أرشيف الكاتب
2017/03/19 على الساعة 10:37

"نبّو جيش، ونبّو شرطة... ليبيا راهي في ورطة"

يبلغ عمر هذا الشعار اكثر من اربع سنوات، وقد نادت به جموع المتظاهرين  بمدينة طرابلس وغيرها من المدن الليبية  في العديد من المناسبات مطالبة حينها المؤتمر الوطني العام واصحاب القرار السياسي بالاسراع في تلافي الامور ووضع حد للتناسل المتسارع والتغول المرعب للميليشيات، وذلك بتفعيل ما يمكن تفعيله وإعادة بناء ما تقوض من مؤسستي الجيش والشرطة. غير ان هذا المطلب لم يلق أذانا صاغية ، بل ان عدد من رموز ما يعرف بتيار الاسلام السياسي لم يخف معارضته للامر بداعي ان عودة "هذين الجهازين" هو إجهاض للثورة وإعادة إنتاج للدكتاتورية، وينقل عن احدهم  معقبا على المنادين بشعار نبو جيش، ونبو شرطة  بالقول:  "تبو امّكم". والحقيقة  ان معطلي  مشروع قيام  هاتين المؤسستين ليسوا وحدهم اصحاب الفكر السياسي  والاجندات السياسية  بل يشاركهم في ذلك عدة فئات اخرى من الجهويين والانفصاليين والمجرمين واللصوص ولوبي الفساد المالي و كل المستفيدين من حالة الفوضى القائمة  الراغبين في استمرارها.

وعلى الرغم من الخطاب الاعلامي المدلس والتصريحات  المتعددة للمسئولين حول عدم ممانعتهم في تحقيق هذا المطلب "الكبير" واتحاذهم لبعض المظاهر الشكلية الموجية بذلك  كإنشاء وزارات للدفاع ورئاسات للاركان وعقد الملتقبات الجامعة للضباط والعسكريين وتشكيل بعض الوحدات بمسميات عسكرية.. وغيرها، إلا ان مداولات  تأسيسية الدستور ومخرجاتها الاولية اظهرت مدى عمق المسألة "الاشكالية" وكشفت عن وجود اكثر من رؤية سياسية للمؤسسة العسكرية المزمع دسترتها، فمن المعروف ان الهيئة قسمت نفسها مع بداية انطلاق اعمالها في اواخر ربيع عام 2014 الى ثمان لجان نوعية اختصت كل منها باعداد مقترح لفصل او اكثر من فصول الدستور وكان من بينها لجنة الجيش، ومع حلول يوم 24 ديسمبر من نفس العام  قدمت كل اللجان  مخرجات اعمالها المبدئية ما عدا لجنة واحدة هي لجنة الجيش التي لم يستطع اعضائها التوافق على رؤية موحدة يمكن ترجمتها في مقترح موحد قابل للتقديم.

وعلى الرغم  ايضا من  مرور اكثر من خمس سنوات على  الاجراءات والمظاهر المشار اليها التي كلفت خزانة الدولة مبالغ تعد بالمليارات  إلا ان الواقع لم يشهد ظهور أية نتائج حقيقية ملموسة على الارض تفيد بوجود وحدات رسمية ذات طابع عسكري منظم ، فكل العمليات القتالية التي تمت منذ فترة حكومة الكيب حتى حكومة السراج دارت بذات الاسلوب من التحشيد التلقائي "نظام الفزعة" لتشكيلات جهوية والقيادات الميدانية المدنية او شبه المدنية واعمال الاشتباك مع العدو التي تتم على النمط  الميليشياوي الذي  لا يقيم أي اعتبار لارواح المقاتلين او للعتاد والذخائر.

وهكذا جرى طيلة هذه السنوات تعطيل إقامة ركن اساسي من اركان قيام الدولة برفع فزاعة الدكتاتورية والتلويح  يها دائما في وجه رافعي هذا الشعار، وحينما قام السيد حفتر - وفي إطار سعيه للوصول الى السلطة - بتبني هذا المطلب الشعبي الملحّ  وشرع في تشكيل ما عرف بنواة القوات المسلحة العربية الليبية  سارع هؤلاء المعطلون  الى التأكيد مجددا على مضمون ارادتهم السياسية، فبدلا عن التوقف عند هذا الحد ومراجعة السياسات وتصحيحها  امعنوا في الهروب الى الامام  معلنين ان المطالبة بالجيش والشرطة تساوي تماما "الحفترية" على الرغم من ان ظهور هذا المطلب سابق زمنيا للاعلان عن عملية الكرامة، بل هو سابق لظهور  حفترعلى مسرح الصراع على السلطة.

لقد افضت التطورات المتعاقبة - والمتباينة احيانا - للمشهد الليبي عموما الى وقوع المعطلين في ورطة حقيقية ، ففي حين حقق مشروع عدوهم اللدود "حفتر" نجاحا  ظاهرا في المنطقة الشرقية  وبات جاهزا للتمدد جنوبا وغربا  فشلوا هم في طرح مشروع بديل يتناغم  ومطالب الشارع  ويحظى بثقته ودعمه. وقد  انعكس هذا الفشل بدوره على الحالة السياسية والامنية بالمنطقة الغربية تحديدا  فتضاعفت مظاهر الفوضى والانفلات الامني وتضافرت مع تفاصيل الازمة المعيشية الخانقة  لتنتج حالة من الاحتقان العام والجاهزية  للتمرد وقد تجلى هذا بوضوح في الاحداث الاخيرة التي شهدتها طرابلس والمظاهرة الحاشدة - نسبيا -التي صدح بها قلبها مساء الجمعة الماضية والخطبرة من حيث توقيتها ومنسوب زخمها وسقف الشعارات التي رفعت خلالها. ومما يؤكد فرضية الورطة ان عامل الزمن لم يعد يسمح لهؤلاء بالتحرك المجدي لتدارك الفجوة المتسعة باضطراد على كلا المستويين: الشارع  الذي اصبحت مسألة كسب ثقته من الصعوبة بمكان، والخصم الذي تعذرت عملية  تقييده والحد من مطامحه بإستيعابه  بحكومة التوافق  كما تعذرت من قبل محاولات إنهاكه وهزيمته ميدانيا. وهو ما يعني بالضرورة ضيق مجال المناورة والاضطرار الى المضي  بالمسارات  الاكثر خطورة  المؤدي الى الصدام المباشر المفتوح مع الشارع او إعلان التقسيم.

نوري محمد المزوغي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
ماذا تتوقع من لقاء فايز السراج وخليفة حفتر في أبوظبي؟
لا شئ
إنفراج للأزمة
خطوة علي الطريق الصحيح
لا ادري
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع