مقالات

يوسف العزابى

صديقان غابا عن هذا العيد

أرشيف الكاتب
2016/07/10 على الساعة 14:10

هما لم يكونا من صنف الوزراء ولامن صنف السفراء ولارجال اعمال ولااصحاب الملايين، هما صديقان عاديان جاءا الى المانيا فى بداية ستينات القرن الماضى للعمل كعمال، كما هو حال العمال الاجانب فى بلادنا... أءبنهما لانهما غابا عنى بدون سابق انذار وفى فترة متقاربه ومنذ شهور تلاث... ولن يعودا...

م. سعيد.. محل اسلامى....

هكذا وضع احدهما وهو صاحب هذه البقالة اليافطة التى علقها على دكانه منذ مايزيد على العشرين عاما. واضاف هنا يباع لحم حلال. يبيع فيها اللحم وبعض من المواد الغذائية والمعلبات والمياه لزبائنه العرب وبعض الالمان ايضا حتى لايغضب احد.

عرفت هذا الشخص منذ تقريبا كل هذه السنوات،   ففى يوم من الايام لاحظت وجود دكان صغير فى زاوية تقريبا مخفية وبعيدة عن مركز المدينه، وكان وراء الفترينه وبها قليل من الحلويات الشرقيه واشياء اخرى لااذكرها من تلك التى يحتاجها الزوار العرب، يجلس شخص مترسط العمر، ولان المكان كان قريبا من مكان اقامتى توقفت لاتعرف على الرجل، قال انه من الجزائر مقيم فى المانيا جاءها ايام كان شابا يبحث عن العمل وفى فترة كانت المانيا تستقبل العمالة الاجنبية وتشجع على استضافتها ففرص العمل متوفره والبلاد فى حالة اعادة لبناء ما خربته الحرب. لم يكن وحيدا فى هذا المجال فقد جاء ابراهيم ومصطفى وسالم ومحسن وسعيد وعشرات الالاف من تونس والمغرب والجزائر وقليل من ليبيا.

تنقل فى مختلف مدن المانيا بحثا عن العمل، فالعمل كان متوفرا لكنه كان شاقا على امثاله من الذين لا معرفة ولاخبرة لهم، من ضمن الاعمال التى احترفها بعد ذلك مهنة الطلاء كما قالت لى ابنته وكانت سببا فى تدهور صحته التى ادت به الى النهايه.

استمر وتحصل على اقامة ثم الجنسية وتزوج وزوجته الحالية سيدة تونسيه خلف منها ولدا وبنتان تزوجوا جميعا ومستقرون ولهم اعمالهم. بعد قليل من الوقت قضاه فى ذلك المحل المنزوى، لاحت له فرصة للانتقال الى محله الحالى ليتربع على مدخل اهم شوارع حى باد جودسبرج ليراه الغادى والقادم بسهولة ويسر. بقالة صغيره امتهن فيها بيع اللحم الحلال ثم اكمل تخصصه بوضع بعض المواد الغذائية كالخبز الشامى وعبوات المياه وعلب الهريسه واشياء اخرى ليست كثيره ولكنها من تلك التى يقبل عليها الزائر الشرقى وخصوصا حديث الوصول والساكن فى شقق مفروشة تقع فى حيز ليس بعيدا عن البقاله.

كان يعمل وحيدا متلحفا ببالطوه الابيض وكأنه طبيب، ومن عادته ان يستقبل زبائنه بترحاب ولكن ليس بتذلل كماهو عادة بعض الناس من بعض الشعوب، اذ تبقى لديه كرامته التى لاتصعب ملاحظتها عند اى جزائرى. بهذا المظهر يتعامل مع زبائنه وبلهجة جزائرية تأثرت بطول غياب فى المهجر لذلك كنت اجد غاية الصعوبة فى فهم كل ما يقوله وخصوصا عندما نتحدث قليلا فى احوال بلادنا وهو دائما يحب ذلك مع من يثق فيه بالطبع. مع الوقت كثر زبائنه وخصوصا من السفارات وخصوصا الليبيه وايضا من الزوار الذين تكاثروا قاصدين المانيا للعلاج ويتخذون من المنطقة القريبة من سفارات بلدانهم اماكن لاقاماتهم.

قبل ان انتقل لمنطقة ابعد كنت امر عليه انا وزوجتى لشراء اللحم او فقط للتحية والهدرزة او فى طريقى الى المسجد يوم الجمعه، لكن قلت الزيارات بعد ان انتقلت لكنها لم تنقطع، وكنت الاحظ حتى وانا مارا فى السيارة ان كانت البقالة مفتوحة او انها مغلقه وعادة ما يسافر فى اجازة الى تونس او بلاده الجزائر ربما مرة فى العام وليس اكثر من ذلك.

فى الشهور الاخيرة من السنة الماضية، لاحظنا ان بقالة سعيد مقفله، قد يكون ذهب فى اجازه، لكن الوقت بالنسبه له موسم عمل، هل مرض مرة اخرى فقد سبق ان دخل المستشفى لبعض الوقت لاجراء عملية على الغدة الدرقيه لكن حالته تحسنت بعدها، اذا اين ذهب سعيد. ومرت الايام و تعدت نهاية السنه ودخلنا فى العام الجديد ولااثر لسعيد والدكان مغلق، لابد ان شيئا حدث له، ايضا كنا نلتقى ببناته فى الشارع وبزوجته احيانا لكن لم نرى احدا. قلت فى نفسى دعنى اسأل عنه جيرانه وبعض الليبيين لكن لااحد يعرف.

الصدفة هى وحدها التى اتت بالاجابه، كنت فى المشتفى يوما اعود ابنى، فجأت دخلت علينا ابنته الكبرى، ماذا تفعلين هنا ولكن من الواضح ومن ملابسها, انها كانت تعمل هناك وافادت ردا على سؤالى بان والدها مريض وهو نزيل بالمستشفى وان حالته ليست على مايرام والسبب التهاب رئوى حاد ومزمن سببه اثار استنشاق ابخرة الطلاء التى كان يستخدمها فى مقتبل سنين عمله.   خرج من المستشفى لبعض الوقت فقد حن الى البقاله، لكن الصحة كانت قد اعتلت فعاد اليه مرة اخرى. ومر وقت ليس بالطويل حين التقيت بابنته مرة اخرى وسألت عن الوالد فقالت انت لم تسمع، لقد انتقل الى رحمة الله منذ اسبوع ونقلناه الى الجزائر ليدفن هناك. لاحول ولاقوة الا بالله وانا لله وانا اليه راجعون، لقدرحل سعيد الى جوار ربه.

منذ ذلك الوقت وحتى هذه اللحظه لازالت البقالة كماهى مقفلة تحمل نفس العنوان وتبدو من خلف الستار انواع البضائع التى كان يبيعها ولم يقترب منها احد من الابناء. هى هناك تبقى تذكارا لسعيد الشاب العصامى الذى رحل من الجزائر الى المانيا ربما فى ليلة بدون قمر فناضل وكبر وكون عائلة وعاد الى الجزائر محمولا فى صندوق وظلت بقالته شاهدا عليه الى حين ان يتفق الورثة كما يبدو. رحمه الله رحمة واسعة فانا قد فقدت مكانا اتوقف عند صاحبه لتبادل الحديث والهدرزة لم يعد موجدا ولن يعود ليكون موجودا.... رحمة الله رحمة واسعه.

مصطفى محمد الشريف...

هو الاخر جاء فى الستينات من القرن الماضى بحثا عن عمل  ووجده كما وجده سعيد، عمل شاق ربما كان عامل بناء او طريق او فى مصنع لافرق فانعدام الخبرة لاتترك لصاحبها الباحث عن عمل الا تلك الشاقة منها. كان على معرفة بسعيد منذ تلك الايام وكثيرا ما اثارا امامى ذكرياتها. اظنه تزوج من سيدة المانيه زواجا لم يعمر، ثم تزوج من سيدة من البوسنه رزق معها بثلاث بنات متزوجات الان ولهن ابناء ولازلت رفيقة دربه تبكيه بحرقه تثير الكثير من الشفقه.

عرفته مباشرة عندما جئت للعمل فى المكتب الشعبى فى بون وكان ذلك فى فبراير 1986. كان موظفا محليا ملحقا بالقسم المالى وكان رئيسه صهرى السيد عيسى العزابى متعه الله بالصحه، وهكذا بدأت المعرفه. هى علاقة عادية بين زملاء فى مكان عمل لافرق بين دبلوماسى او موظف محلى وخصوصا ان كان ليبيا. امتدت الى زيارات عائلية احيانا وهكذا كان الحال.

لم تكن امور المكتب كما ينبغى وسرعان ما تطورت بتطور العلاقات الليبية مع اوربا الى الاسوأ واستتبع ترحيل عدد لابأس به من الموظفين الليبين واصبحت بقدرة قادر رئيسا للبعثة فى منتصف عام 88. واصبحت رئيسا للمكتب وما يستتبعه ذلك من تطور فى العلاقات الخاصة بين الموظفين. بمعنى انها تحسنت مع الشريف واصبحنا اكثر قربا وهكذا سار الحال حتى ان جاء امين جديد ثم غادرت انا المكتب الى عمل آخر وكان لابد ان تسلك العلاقات مسلكا مختلفا كماهى طبيعة الامور. ومع مرور الوقت انشغل هو بالامين جديد عائليا وتقريبا توقفت علاقاتنا العائلية الا مانذر. وغادر الامين بعد فتره وجاء آخرون، وعدت انا للعمل بالمكتب كموظف محلى لكن ظلت العلاقات هكذا فى حدها الادنى.

تطورت ظروف عمله بعد انتقال المكتب الى برلين فقد طلب منه بعد فترة, الانتقال لكنه لم يفعل, ولم تتحمل القنصلية العامة مسؤولية استمراره فى العمل، واظنه انقطع عنه مستفيدا من اجازاته المتراكمه وتعقدت اكثر عندما طلب منه ان يعود الى ليبيا لبعض التحقيقات فرفض وهكذا انقطعت صلاته العملية مع القنصليه العامه. لذلك قرر السفر الى البوسنة والاقامة هناك فهى موطن زوجته على كل حال، فأشترى له منزلا وغادر مع استمرار بقاء اثنتين من بناته فى المانيا، وهكذا فقد دأب على المجيء بين فينة واخرى للزيارة والعلاج و فى هذه الفتره عادت علاقتنا الى نوع من التحسن او الاتصال بالهاتف او بالالتقاء فى المسجد يوم الجمعه بل كان يزورنى فى البيت حتى بدون سابق انذار...

فى صباح يوم من تلاث شهور خلت اتصلت ابنه الكبرى وهى على علاقة مع زوجتى, فى صوت متهدج واخبرتنى ان والدها اصيب بجلطة فى البوسنه ونقل الى المانيا على وجه السرعة للعلاج لكن اجله كان قد سبقه فلم يعطه الوقت الكافى، حاول الاطباء اجراء عملية له لكنه لم يحتمل التخدير وغادر هو الاخر الى جوار ربه.

بطبيعة الحال هو لم يكن خلال العام بصحة جيده، اثقله كما يبدو مرض السكرى وسبب له مشاكل اخرى كما هى عادة هذا المرض، وايضا بدأت تظهر عليه علامات مرض الزهايمر وهكذا لم يمهله القدر طويل ليعانى من هذين المرضين المخيفين . بعد اسبوع انتظارا لبعض اخوته واقربائه لحضور الجنازه وبعض معارفه واصدقائه، تمت الصلاة عليه فى مسجد المهاجرون وهو مسجد حديث البناء جميل المنظر يقوم على رعايته على ما اظن مواطن ليبى مقيم بامامة شيخ من تونس. ورحل من هناك الى مثواه الاخير فى الجزء الاسلامى فى مقبرة مسيحيه فى مدينة بون... فقد حالت ظروف بلاده وظروفه على ان يدفن, كما حدث مع سعيد, فى طرابلس.

رحم الله مصطفى وسعيد وقبلهما على وعبد المجيد، وانا لله وانا اليه راجعون.

يوسف العزابى
10-7-016

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع