مقالات

المحامي/ د. عبدالبارئ عبدالله تربل

الثقافة الدستورية بين المفهوم والتطبيق

أرشيف الكاتب
2017/03/18 على الساعة 07:30

الثقافة الدستورية هي ثقافة مهمة للحياة والاستقرار وهي غير موجودة في عالمنا العربي على وجه العموم وهي ثقافة لها علاقة بالاستقرار والأمن في البلدان وبالتطور والتقدم وبالحداثة والرقي أيضا. لكن قبل الحديث عن تلك الثقافة نعطي لمحة عن الثقافة بمفهومها العام كي يتضح ما نود طرحه على حضراتكم. ونسأل أولا: ما هي الثقافة العامة؟ فمثلا عندما نقول فلان مثقف ما ذا نعني بذاك القول؟ وهل المثقف غير المتعلم أم هناك فرق؟.

الثقافة العامة عند الفلاسفة:

يعرف الفلاسفة الثقافة العامة بأنها "تهذيب النفس وصقلها، وهي عبارة عن مجموعة من السلوكيات والضوابط المتبعة، لتقويم السلوك للفرد أو المجتمع، عن طريق الخوض في المعارف والعقائد والفنون والثقافات المختلفة، والتي تهدف بمجملها إلى تقويم السلوك. و يظهر المعنى الحقيقي للثقافة في السلوكيات، عن طريق الاعتقادات المتّبعة، والأفكار المدروسة البناءة، والتذوق العالي لمختلف الفنون والثقافات، وسرعة البديهة في اتخاذ القرارات الصائبة، وحسن التعبير، وحب المشاركة واحترام الرأي والرأي الآخر". هذا تقريبا أفضل تعريف وجدته للثقافة بمفهومها العام وإن كانت بالطبع تعني أكثر من ذلك فالمثقف له إلمام بعدد من العلوم والثقافات والسلوكيات ونحو ذلك ويمكن القول أيضا بأن هناك ثقافة متخصصة في علم أو علوم ما.

لكن كل هذا لا يعنينا إلا من حيث أنه تقديم أو مدخل للثقافة التي ننشدها ونود الحديث عنها أي "الثقافة الدستورية" فما ذا نعني بالثقافة الدستورية؟ ولما ذا اخترنا هذه الثقافة تحديدا للحديث عنها؟ وهل هناك فرق بين الدستور والثقافة الدستورية أم لا؟ وهل يغني أحدهما عن الآخر أم لا؟ هذا ما سنجيب عنه بإذن الله وعونه.

ماذا نعني بمصطلح "الثقافة الدستورية”؟

لمعرفة ماذا نعني بهذه الكلمة نسأل لماذا تحصل الانقلابات في دول ولا تحدث في أخرى رغم عدم وجود دساتير في تلك الدول؟ فهل الدستور المكتوب هو ضمانة حقيقية فعلا لحياة مستقرة آمنة ومن ثم للرقي والتقدم؟ أو هل تغني كتابته حقا عن وجوب أن يكون لدينا "ثقافة دستورية”؟. وإذا كان ذلك كذلك فما هو السر إذن في حصول الانقلابات في الدول التي بها دساتير خاصة في الدول التي تشكوا تصحرا في العلم والتطور والثقافة؟… في هذه الكلمات سأحاول أن أجيب على هذه الأسئلة:

كل الليبيين اليوم تقريبا يتحدثون عن الدستور ويطالبون بوجوده مكتوبا لكن كل يرى الدستور وما سيكتب فيه من زاوية مختلفة. البعض يهتم به كنصوص أي كسمة من سمات المدنية والحداثة. والبعض يرى فيه الوسيلة لترسيخ ما ينادي به من أفكار قد لا تكون حتى في مصلحة البلد وهكذا. أما الأغلبية فتقع تحت وهم أن فيه البلسم الشافي لحل كل مشاكلنا والحفاظ على وحدة بلادنا. فهل "الدستور المكتوب" هو الضمانة فعلا لوحدة البلاد ولحياة ديمقراطية آمنة مستقرة فيها؟ ولتداول سلمي على السلطة؟ أم ترانا في حاجة لشيء آخر؟ وإن كان ذلك كذلك فما هو هذا الشيء؟.

المشكلة أيها السادة ليست في الدستور لا نصوصا ولا تطبيقا. المشكلة فينا نحن كشعوب وكأفراد وكمثقفين على وجه الخصوص. المشكلة في ثقافتنا في عاداتنا وسلوكياتنا نحن وفي فهمنا لنصوص الدستور وروحه والغاية منه وفي فهمنا لمعنى المواطنة. المشكلة في انعدام معرفتنا بالدستور وبالثقافة الدستورية  في مفاهيمنا وسلوكياتنا حيث لم نعتد على هذه الثقافة وعشنا على مدى تاريخنا الطويل تقريبا نرزح تحت الاستعمار الأجنبي منه أو المحلي بحيث ألفنا العبودية وعشقنا الإذلال واستمرأناهما وصار الكثير منا مستعد للموت في سبيل شخص أو أسرة ولو ضحى في سبيل ذلك  بالأهل والدين والوطن.

وما نقول به ليس اكتشافا جديدا أو بدعا من القول بدليل  أن هناك دول ليس لديها دستور لكنها دول فيها ديمقراطية ويتداول فيها على السلطة سلميا وحقوق المواطنة فيها محفوظة مصانة سمتها الاستقرار وطابعها التطور والتقدم والازدهار. "بريطانيا" مثلا ليس لديها دستور مكتوب بل تعتمد نظام السوابق القضائية وهي تعيش الأمن والاستقرار في جو من الديمقراطية وتتداول السلطة فيها سلميا. كذلك إسرائيل ليس لديها دستور مكتوب لكنها تحيى حياة ديمقراطية. في المقابل هناك دول فيها دساتير مكتوبة ومع ذلك حدثت فيها انقلابات ومتكررة.

إذن المشكلة ليست في وجود دستور مكتوب أو غير مكتوب فليبيا مثلا حتى 31/8/1969 كان لديها دستور مكتوب لكن في اليوم الموالي تم الدوس على هذا الدستور بالأقدام وكان ما تعرفون. مصر أيضا كان بها دستور بل دساتير لكنها أيضا داست على دساتيرها بالأقدام معنى ذلك أن الدستور كنصوص مكتوبة ليست فيه الضمانة الكافية للأمن والأمان والتداول السلمي على السلطة لذلك فالسؤال المهم هو ما دام الأمر كذلك فما هو الحل؟. هنا تبرز الحاجة إلى وجود "الثقافة الدستورية" التي نتحدث عنها ونطالب بها كضامن حقيقي للأمن والاستقرار ومن ثم التقدم والتطور فما معنى هذا المصطلح وما مغزاه؟.

هذا المصطلح ببساطة تامة واختصار شديد يعني اتفاقنا أو توافقنا على حقوق معينة وقدرتنا على التمتع بها واستعدادنا للدفاع عنها أو هي اقتناع أو إيمان بفكرة وحقوق وثوابت متفق أو متوافق عليها وقدرة على التمتع بها واستعدادا للدفاع عنها هذه هي الثقافة الدستورية عندنا في أبسط تعريفاتها مقوماتها شروط أو أركان ثلاثة: (1/ حقوق متفق أو متوافق عليها، 2/ قدرة على التمتع بها، 3/ استعداد للدفاع عنها) بمعنى أوضح أن يكون هناك عقدا اجتماعيا بين المواطنين على حقوق معينة لهم القدرة على التمتع بها ولديهم الاستعداد  لعدم السماح بالمساس بها أو الالتفاف عليها. أي أن يعاش الدستور، ليس نصوصا بل روحا، ومعنى وأوضح مثال جسَّد هذه "الثقافة الدستورية" على أرض الواقع وفي أبهى وأجمل صورها: هو الحالة التركية المتمثلة في مقاومة الشعب التركي لمحاولة الانقلاب على الديمقراطية  سنة 2016 حيث جسد هذا الشعب برفضه الانقلاب على الديمقراطية وعلى التداول السلمي على السلطة هذا المفهوم  تلك هي "الثقافة الدستورية" في أبهى صورها فوقوفه أمام الدبابات بأجساد عارية لم يكن حبا في "أردوغان" كما يحلوا لبعض المضللين من السياسيين والاعلاميين وحتى بعض المثقفين العرب قول ذلك بل حبا في الديمقراطية التي عرفوها عن طريق هذا الرجل وحزبه وما حسسهم به من آدمية وما شهدوه على أرض الواقع من تطور وتقدم لبلادهم ومحاولة للنهوض ويكفي أن تركيا صارت دائنة لصندوق النقد الدولي بعد أن كانت قبل هذا الرجل مدينة لهذا الصندوق وانتقلت من دولة على هامش الحياة إلى دولة يَحسِب لها الدول المأثرة في المشهد الدولي ألف حساب. إذن عاش الاتراك الحياة  الديمقراطية فأحبوها ولمسوا فوائدها فدافعوا عنها وأثبتوا أن الثقافة الدستورية أكثر أهمية من الدستور المكتوب.

هذه هي كل الحكاية ببساطة تامة لا يتعلق الأمر لا  بأردوغان ولا بحزبه إذن كما يسوق الإعلام العربي وأغلب ساسته الذين صوروا لنا دفاع الأتراك عن الديمقراطية كما لو كان دفاعا عن  شخص "أردوغان" وحزبه ففرحوا وهللوا وأعلنوا الشماتة باكرا قبل حتى أن يعلنها أعداؤه في الدين والعقيدة.

"الثقافة الدستورية" أيها السادة جعلت المعارضة والحكومة في تركيا يخرجان جنبا إلى جنب يدا بيد للدفاع عن الديمقراطية والحكم المدني في هذه النقطة تحديدا يختلف المشهد التركي عن غيره من المشاهد المشابهة في التاريخ  فكل الحلات المشابهة للمشهد التركي خرجت فيها المعارضة تدافع عن مصالحها بالدرجة الأولى لكن المشهد التركي اختلف هذا هو المتفرد في المثل التركي.

فلأول مرة في التاريخ وأظنها الأخيرة أيضا ومن خلال محادثة هاتفية لمدة ثوان معدودة ومحدودة  تخرج أمة بأسرها "حكومة ومعارضة" ملبية  نداء زعيمها للدفاع عن الديمقراطية وأن تمسكوا بالحكم المدني. اللافت والجميل في هذه المحادثة ولا أقول "المكالمة" هو أنها كانت من خلال قناة معارضة لحكومة الرجل وحزبه وهو ما يؤكد تفرد هذا المشهد وصدق وعقلانية ما ننادي به من ضرورة وجود هذه الثقافة والاهتمام بها في بلادنا.

في المقلب الآخر رأينا الشعب المصري تتزعمه معارضته ونخبة من مثقفيه وسياسييه وللأسف بعض قضائه أيضا يخرج عن سبق إصرار وترصد ليس للدفاع عن الديمقراطية كما يفترض به أن يفعل احتراما لتاريخه وحضارته بل خرج "لوأد أول تجربة حقيقية له في الديمقراطية" بل ورأينا قضاء كنا نراه قامة وقيمة يصدر أحكام إعدام بالجملة على خصوم السياسة حيث وصلت في حكم واحد إلى 533 حالة إعدام على خصوم حاولوا الدفاع عن تجربة الحكم المدني والتداول السلمي للسلطة فبرهن هذا الشعب بدفاعه عن العسكر وعن الدكتاتوريات بأنه يعشقه الذل والتدجين.

ثم لماذا نذهب إلى تركيا؟ أمريكا نفسها مثل ومثال لما نقول به فهل يستطيع هذا القادم المهدد المتشدد أو غيره تغيير نوع الحكم أو المساس بالحقوق المتعارف عليها في ثقافة الشعب الأمريكي حتى تلك التي لم تقرر في الدستور فمواد دستور هذه البلاد محدودة وأغلب الأمريكيين لا يعلم عددها  لكن سرى عرف بين المواطنين الأمريكان على اختلاف أجناسهم وأعراقهم وثقافاتهم ودياناتهم أيضا على الاعتراف بحقوق معينة وعلى عدم جواز المساس بها حتى لو لم ينص عليها في الدستور وترسَّخ هذا الفكر عند المواطنين حتى صار ثقافة ملزمة لكل حاكم تتوارثها الأجيال.

ومعلوم أن كل شيء يصبح ثقافة يصعب تغييره في جانب الخير كان أم في جانب الشر لا قدر الله. فما يمنع الرئيس الأمريكي من المساس بتغيير نظام الحكم أو المساس بمسلمات الثقافة الأمريكية من حيث التداول السلمي للسلطة والحكم المدني ونحو ذلك من الحقوق الراسخة والمتعارف عليها ليس هو وجود تلك الحقوق في الدستور بل هو ثقته في أن الشعب الأمريكي حكومة ومعارضة سيقف ضد هذا التغيير وضد المساس بهذه الثقافة هذا ما أعنيه باختصار شديد بمفهوم "الثقافة الدستورية".

وبالتالي فإن ما قام به الرئيس "أردوغان" أو غيره من الرؤساء في العالم المتقدم ديمقراطيا ليس إلا  تحصينا لثقافة الديمقراطية من أن يمس بها العسكر أو غيره من الطامعين في الحكم هذه باختصار شديد هي "الثقافة الدستورية" التي نقصدها ونتمنى أن تعيش بلادنا هواها وتتنفسه وهو ما يدعونا للطلب إلى المؤرخين ودارسي المجتمعات والظواهر الاجتماعية أن يدرسوا التجربة التركية ويسبروا أغوارها.

نأتي إلى الحالة الليبية…

ليبيا على مدار تاريخها لم تعرف هذه الثقافة إلا على شكل ومضات خاطفة فالملك "إدريس رحمه الله" قضى باكرا على الأحزاب وهو ما يعني بالضرورة توجيه ضربة قاصمة للثقافة الدستورية. الحالة الوحيدة التي يمكن الاستدلال بها على وجود بذرة هذه الثقافة أو بوادرها في ثقافة المجتمع الليبي زمن المملكة هي حالة الطعن الذي تقدم به الاستاذ "علي الديب" رحمه الله طعنا على المرسوم الملكي بحل المجلس التشريعي لولاية طرابلس والذي وقعه له المحامي "فرارا" الايطالي الجنسية الذي طردته بعدها السلطات الليبية من ليبيا معاقبة له على توقيعه للطعن ورغم وجود دستور مكتوب في ليبيا حتى سنة (69) إلا أن هذه الثقافة كانت غائبة عن المشهد الليبي لما قلناه سلفا.

أما ما بعد المملكة أي مرحلة (69) وما بعدها فقد كرٍّست هذه الفترة وعلى مدى أكثر من أربعة عقود لضرب هذه الثقافة والعمل على إخفائها ومحوها من الذاكرة الليبية الذي وصل إلى حد سحب الدائرة الدستورية من المحكمة العليا بالقانون رقم (6 لسنة 1982 بشان إعادة تنظيم المحكمة العليا) كل ذلك  لمصلحة دعم القبلية المقيتة وتشجيعها علنا وبصورة لم يسبق لها مثيل ورغم كل ذلك لم تختفِ هذه الثقافة من الذاكرة الليبية بحمد الله فقد استمر المحامون بالطعن بعدم دستورية بعض المسائل إلا أن موقف المحكمة العليا هذه المرة كان مغايرا لموقفها من طعن الاستاذ "علي الديب" فقد هربت إلى الأمام كما يقولون محيلة الفصل في المسائل الدستورية إلى محكمة الموضوع (ط م رقم 3/ 36 ق، س 25،ع 1، 2، ص 139) وفي مشهد أكثر غرابة لما طعن بعض المحامين أمامها بعدم الدستورية استنادا على ما سمي بقانون تعزيز الحرية والوثيقة الخضراء لحقوق الانسان حينها ذهبت المحكمة العليا بعيدا فقالت بأن الخطاب في تلك التشريعات موجه إلى المشرع الليبي (ط م رقم 39/ 50 ق، س 41 ع 1، ص 148) أي الجهة التي أصدرت تلك التشريعات. أما القضاء العادي الذي هو بالأصل ليس مختصا بهذه المسألة إلا أنه لما ألقت المحكمة العليا بـ "الكرة" في مرماه كما يقولون لم يمتلك الجرأة للتعامل مع المسألة الدستورية لا رقابة تطبيق ولا رقابة امتناع إذن المحكمة العليا رغم القوة والشدة التي بدأت بها عهدها الميمون فيما عرف بطعن "تسقط العدالة" الذي سبق وأشرنا إليه أُخذ عليها تباطئها في الطعون الانتخابية قديما وحاضرا.

أما الحكومات الليبية المختلفة فلم يختلف حالها عن بعض ففي حين قامت حكومة "بن حليم" بتفريغ حكم المحكمة العليا من مضمونه امتنع البرلمان الحالي عن تطبيق حكم الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بتعبير مختصر في حين هتف بعض من رعاع الشعب الليبي وجهلته ضد المحكمة العليا في منتصف القرن العشرين الهتاف الخطيئة "تسقط العدالة" مارس نخبة من مثقفيه وهم أعضاء البرلمان الليبي في بداية القرن الحادي والعشرين نفس الخطيئة بأن طبقوا المعنى العملي والحرفي  لذلك الهتاف. بحيث كانت النتيجة الفعلية لغياب مفهوم "الثقافة الدستورية" في بلادنا هو ما رأيناه بعد السابع عشر من فبراير 2011 حيث كشرت القبلية عن أنيابها البشعة وبعد أن كانت الدعوة للعرق مثلا تمارس سرا صارت شأنها شأن الدعوة للقبيلة تمارس علنا وعلى رؤوس الاشهاد والأسوأ من ذلك كله أن بدأت موضة أو ظاهرة الانتساب والتفاخر بالمدينة وهو ما أوقع البلاد في حروب ومشاحنات غير مبررة ولا طائل من ورائها إلا ضياع البلاد الأمر الذي قد يضر بمسألة المواطنة التي كان يمكن من خلال تلك الثقافة تقويتها والرفع من شأنها والحد بالتالي من الدعوة إلى العرقية أو القبلية أو الأسرة كل ذلك كان نتيجة لغياب هذه الثقافة.

ومع ذلك وبقراءة متأنية للمشهد الليبي نستطيع القول أن بذرة هذه الثقافة كانت ولا زالت موجودة في ليبيا من خلال المشهدين الذين عرضناهما وهما مشهد طعن الأستاذ "علي الديب" الذي يمثل ما نقصده بالثقافة الدستورية حيث علم الرجل أن له حقوقا دستورية وأراد التمتع بها ثم دافع عنها برفعه الطعن وهته هي أركان الثقافة الدستورية كما حددناها.

أما المشهد الثاني فهو الطعون الدستورية التي رفعها بعض الزملاء المحامين وبينا عددا منها وقد أخرت الحديث عن الحالة الليبية قصدا لأقول أمرين:

الأمر الأول: هو لأقول بأن مفهوم هذه الثقافة كان بحمد الله ولا زال موجودا في بلادنا ولو اقتصر الأمر على بعض الأساتذة المحامين كمعنى وإن لم يكن معروفا كمصلح فالأستاذ "علي الديب" رحمه الله آمن بأن لديه حقوقا دستورية فتمتع بها رافضا المرسوم الملكي ودافع عنها لما مُسَّت فالتجأ لمحام رفع له الطعن، وهنا نشير إلى أن الدفاع عن هذه الثقافة ليس بالضرورة أن يكون بالسلاح لكنه قد يكون بالقانون كما رأينا.

الأمر الآخر: هو لأقول أن المثل الليبي بعدم نشر هذه الثقافة ومحاربتها كما هو الحال في ليبيا ما بعد (69) أدى إلى ما نحن فيه اليوم من ضياع وفوضى قد تضر حتى بالوطن فأربعة عقود من الزمن محاربة لهذه الثقافة كانت كفيلة بمحوها من عقلية المجتمع وهو ما وضحت آثاره جليا في لجنة صياغة مشروع الدستور وفي تواضع مستوى تعامل المحكمة العليا مع هذه الطعون وقرار جمعيتها العمومة مؤخرا تأجيل النظر في الطعون الدستورية وهو إحراء لا نراها موفقة في اتخاذه.

إذن النتيجة أو الخلاصة لما نقول: يمكن القول أن الثقافة الدستورية هي الضمانة الوحيدة أو القوية لتحقيق الحياة الديمقراطية المدنية وللتداول السلمي على السلطة ولنشر مفهوم المواطنة ومن ثم الحفاظ على الوطن وتقويته. وبالتالي فما لم تتكون لدينا هذه الثقافة من خلال مناهج التعليم ومن خلال وسائل  الإعلام والتواصل الاجتماعي ومن خلال تكثيف الندوات والمحاضرات في الأندية والمساجد والجامعات ومن خلال التعامل اليومي والمشهد الثقافي عموما بالتركيز على هذا المفهوم وغرسه في الأجيال المتعاقبة فلن نصل يوما إلى ما وصل إليه الأتراك ولا غيرهم حتى لوكان لدينا دستورا مكتوبا وسنبقى نخشى الحاكم ونرضخ لسلطانه وسيبقى الذل والخنوع وعقلية التدجين والمدجنين معشعشة في عقولنا وأدمغتنا والتخلف سمة مجتمعاتنا.

ختاما… قد يسأل سائل إن الديمقراطية التي تتحدث عنها قد أتت بـ "هتلر" أيضا وهو أكثر من دكتاتور وفي الحقيقة قد سئلت هذا السؤال فكان الجواب. نعم الصندوق أتى بهتلر (نعم) لكن انعدام الثقافة الدستورية لدى الشعب الألماني جعله يلتف على الديمقراطية ويصبح ما علمتم وهذا عين ما نقول به. لذلك ومن خلال قراءة التجربتين التركية والمصرية على وجه التحديد يمكننا القول أن هناك سؤالا مهما فرض نفسه وبقوة هذا السؤال الذي نختم به يقول: ما هو السر وإن شئت قل السحر في ديمقراطية الحكم المدني الذي اكتشفه الشعب التركي وهو حديث عهد بتجربة الديمقراطية شعب رزح تحت الاستبداد وحكم العسكر عقود من الزمن يخرج بناء على محادثة بالهاتف لم تزد على ثمانية عشر ثانية  (18) وليس حتى ثمانية عشر دقيقة ليقف حكومة ومعارضة عاري الصدر في مواجهة دبابات الإنقلابيين ولم يكتشفه الشعب المصري ذي السبعة آلاف سنة حضارة فخرجت معارضته تدافع عن الانقلاب والإنقلابيين وتهلل طربا لعودة العسكر؟.

إذا عرفنا هذا السر إذا استطعنا أن نجيب بصدق وواقعية فإننا عندها سنتغير ونكون دخلنا مرحلة "الثقافة الدستورية" التي تمنع الإنقلابيين وغيرهم من الطغاة من التحكم فينا وفي خيرات بلادنا وفي مستقبل أولادنا هذه هي "الثقافة الدستورية" التي نقصدها وندعولها ونتحدث عنها ونأمل أن تسود في بلادنا وعالمنا العربي على وجه العموم والله ولي التوفيق.

المحامي/ د. عبدالبارئ عبدالله تربل

المحامي صلاح الدين طاباق | 02/04/2017 على الساعة 10:22
الثقافة هي النافذة التي يطل منها الوعي
الاخ و الصديق أستاذ /عبد الباري تربل المحامي في بحثه ( الثقافة الدستورية بين المفهوم والتطبيق). ينطلق من تعريف الثقافة كما يرها المفكر عبد الكريم بكار (أنها النافذة التي يطل منها الوعي على القضايا الروحية والعلمية والشمولية ). أجد أن الأستاذ قد وضع أصبعه على الجرح بشأن كيفية تلمس الاشكالية الدستورية فطرح الاستاذ وهو متخصص ،ومتابع للإشكالية موفق جدا ، وسعي لإيجاد الحلول للإشكالية المطروحة وهو مصيب أيضا ، معتمدا الموضوعية العلمية ومن موجباتها استبعاد الانطباع . النص الدستوري , حتي يصار الى احترامه ، وعدم الخروج عليه ،يجب ان يكون متفاهم عليه أولا، ومتفقا عليه ثانيا . والظاهر بواقع الحال ان القاسم المشترك بين الغرماء في ليبيا خلاف ذلك ، بل السائد اعتماد الأقصاء منهجا والاستقواء بالأجنبي ديدنا، حتي يمكن لذلك الفريق من أجثتات خصمه ، نقيض كلى لأساس العيش المشترك ومبادئ التعددية المجتمعية وهى مسلمات من القرن ما قبل الماضي للمدنية .
غومة | 19/03/2017 على الساعة 19:42
احترام وقوة الموءسسات + الوعي الشعبي = الاستقرار...؟
تعريفك للثقافة عام وفِي أحسن الأحوال أكاديمي. مفردة الثقافة في اللغة العربية، لم تشتق من شيىء متعارف عليه ومغيد مثل في اللغات التي مصدرها اللاتينية، من كلمة زرع! ولهذا لم يعرف الى حد الان ما المقصود بهذه الكلمة وما هو المطلوب ممن يحاولون ان يكونوا مثقفين ان يستوعبوا. في كثير من المجتمعات المتحضرة هناك أسس ومصادر، وأحيانا قاءمة بالمصادر التي يحب الاطلاع عليها قبل البدء في ادعاء الثقافة، تكون في مجموعها المحتوى العام لما يطلقون عليه المثقف حيث على من يريد الدخول في الحوار العام يجب ان يستوعبها. العرب يطلقون هذه الصفة على كل من استطاع ان ينطق اسمه؟ وبالتالي ياءتي استخدامها عام وغير محدد. أحياناً تعنى التعلم وأحيانا المعرفة وفِي كثير من الأحيان الوعي. فاستخدامك لهذه المفردة قريبا من الوعي منه الى الثقافة. فالوعي الدستوري مفيد لكل مواطن ولكن تمكين فعالية الدستور عن طريق انشاء الموءسسات الضرورية لتطبيقه والذوذ عنه يزيد ويكرس من ما أطلقته عليه الثقافة. يبقى الأمثلة التي استخدمتها غير مفيدة، من تركيا الى مصر وإسرائيل وغير ذلك. هل تعلم بان " الكارته ماغنا" كتبت في منتصف القرن الثالث عشر، و
تقّاز | 19/03/2017 على الساعة 07:41
إِردوغان "المَثَل"
اتخذ السيد/ الكاتب مِن "إِردوغان"،المثل في الدفاع عن الدستور الذي هو واضعه وسيناريو مكالمة ال(18) ثانية،إياها(!). للسيدالكاتب كامل الحق في ابداء وجهة نظره حول "سلطان" استانبول الجديد ومشروعه تنصيب نفسه حتى 2029.إن السياسي التركي المذكور، ليس بالمثل الأعلى كي يحتذى. إن هولندا وألمانيا وفرنسا، على سبيل المثال (لعلها ليست من الديموقراطيات)ولا غيرها، (حتى "إسرائيل"، التي كانت ضمن استشهاداتك!)، لم تُبْدِ أي اقتناع بما فعله ولا يزال يفعله صاحبك "إردوغان"، اللهم غير دائرة "إخوان المرشد" ومَن نسَجَ على منوالهم، مِمَّن هم في رِكابِهِ وهو في رِكابِهِم، هم فقط من "اقتنع". لقد تطرقت، في استعراضك أيضا، يا سيدي، للقضاة في مصر، ثُمَّ مكالمة أل(18) ثانية وما فعلته من أفاعيل وفشل أل(8)آلاف سنة حضارة في بلوغ شأْوَ تلك المكالمة المعجزة(!)، إلاّ أنه قدا بدا واضحا أنك تحاشيت، كَيْ لا يفقد المثل أغراضه، أنْ تعَرِّجَ على ما فعل ولا زال، صاحبك "إِردوغان" بالآلاف من القضاة ومن قادة الجيش والشرطة والتعليم وغيرهم من مسؤولي الدولة وحتى المعلمين وصغار الموظفين. إشارتي، أخالها واضحة يا سيدي....وأكتفي دفعاً للملل
آخر الأخبار
إستفتاء
ما رأيك في “مبادرة السراج” وخطة الطريق التي اعلن عنها؟
عملية وممكنة التحقيق
تستحق التفكير والمتابعة
غير واقعية وغامضة
لن يكون حولها توافق
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع