مقالات

نورالدين خليفة النمر

السقطة

أرشيف الكاتب
2017/03/17 على الساعة 10:52

"السقطة" عنوان رواية منولوغية لألبير كامي ضمنّتها مرجعا لبحث تخرّج في ميتافيزيقا "المحال"، الموضوعة التي راجت باسم العبث. كان ذلك في أواخر أعوام السبعينيات من القرن الماضي من جامعة بنغازي حيث مازالت في ليبيا حتى ذلك الوقت جامعة يمكنك أن تكتب فيها بحثا في الفلسفة.

كامي يتحدّث في سقطته عن الملائكة المحايدين في المعركة بين الله والشيطان الذين يضعهم(دانتي) في أطراف المنطقة التي تكون مدخلا لـ "جحيمه" لأنّهم اختاروا أن يكفّوا عن كونهم آثمين، دون أن يبذلوا مجهودا لتنقية نفوسهم، ليس فيهم مايكفي من الخطيئة ولا مايكفي من الفضيلة، وتنقصهم الطاقة الشريرة كما الخيّرة.

في بحثه حول تاريخية ظهور التراجيديا في اليونان، يشير جان بيير فرنان إلى نقطة جوهرية تكون قاعدة تُبنى عليها فكرة مقالنا بشقيّها: المتعلّق بتراجيدّية فعل الشخص، والآخر المتعلّق بتواطؤ ضمير الجماعة فيشخّصها في حالة الاستقطاب التي تشّق التقنية التراجيدية اليونانية إلى عنصرين: الشخصية الفردية الملامح التي يشكّل فعلها مركز الدراما، والتي تمثّل بطلا من زمن آخر يختلف مصيره بشكل أو بآخر عن المصير العادي للمواطن اليوناني، والكورس أو الجوقة التي هي كائن جماعي مغفل، يقتصر دورها على التعبير من خلال التأوهات والآمال والأحكام عن مشاعر المتفرّجين الذين يشكّلون الجماعة المدنية التي يمكن تسميتها بلغة أزمنتنا الحديثة بالشعب.

الملك إدريس الذي حكم ليبيا من -1951.12.24 إلى1969.9.1- والذي اكتسب شرعية ملكيته الدستورية من هيبة الطريقة الدينية الإصلاحية التي أسسّها جدّه، وجهاده وأسلافه ضد الاستعمار، وحنكته والنخبة السياسية الليبية التي التفّت حوله في توحيد إرادة الليبيين لتأسيس دولتهم الوطنية الواعدة. اجمعت آراء من كتبوا في شخصيته، وقيّموا أداءه السياسي لمدة خمس عشرة سنة بعد حادث اغتيال ناظر حاشيته الذي وقع في مدينة بنغازي في -1954.10.8- فاعتبروه الضربة التي قصمت ظهره، فوسمت شخصيته السياسية بالتوّحد والارتياب في الآخرين، والتذبذب في التعاطي مع المتغيّرات الاقتصادية والاجتماعية وانعكاساتها السياسية التي عصفت بالمجتمع، وبالأخص فئة الشباب المتصاعد تأثيرها فيه، وإهمال التفكير في المصير الذي ستؤول إليه مملكته بعدم الحسم في تولية من يُعهد إليه تسييرَ شئون الحكم بعد غيابه، بل ترك الأمر مفتوحا فيما يشبه الفراغ السياسي الذي حسمه انقلاب العسكر المشئوم الذي قاده صغار الضبّاط في سبتمبر عام 1969م.

إن حادث الاغتيال الذي بدا في المنظور العام تعبيرا عن انشقاق العائلة الملكية وانقسام القصر على نفسه، مثّل بالنسبة للملك مسّا جارحا بشخصه وبهيبته الملكية متعاملا مع تداعياته على المستويين العائلي والعام برّدة الأفعال ذاتها التي تليق بالملك/ البطل في التراجيديا اليونانية الموصوف بالعناصر الدرامية التي أبرزها جان بيير فرنان، وهي: فردانية شخصيته واغترابه الزمني واختلاف مصيره عن مصائر أفراد شعبه.هذا المصير المأساوي الفردي الذي عصف بالدولة وجعل نهاية الملك تراجيديا في تاريخ السياسة، يمكننا إلقاء الأضواء عليه بما عرضه فالتر كوفمان في كتابه "التراجيديا والفلسفة" لاجتهادات تعرضت لتفسير ماعناه أرسطو في كتابه "الأخلاق" إذ سمّى الخطأ الأخلاقي الذي يتلبس الفعل الموصوف بالتراجيدي بكلمة" Hamartia "اليونانية، وترجمتها الإنجليزية" Tragic Flaw "بمعنى الصدع أو التداعي، وفي التراجيديا الترّدي في السقطة التي يبدو على ضوئه الأبطال التراجيديون، رجالا ونساء، شخصيات إيجابية، هم أقرب الى الخير منهم الى الشّر قاموا ببعض الأعمال التي لاتمّحي ذكراها، والتي تجلب لهم المحن، ومن هنا فإنهم يثيرون فينا مشاعر التعاطف.

ثلاثة سياسيين كانوا شهودا على الحدث الجنائي لقربهم من القصر كونهم وزارء في الحكومة التي عاصرته. في مذكّراتهم التي أتاح لي مغتربي الألماني الاطلاع عليها منذ سنوات إبّان نشرها في الصحف كتبوا بأن الملك إدريس الذي تقبّل العزاء مكلوما في ناظر قصره، بل خدنه وصديقه المصاحب، اتخذ مباشرة بعد عودته من مدينة البيضاء في أقصى شرق البلاد حيث تمّت مراسم الدفن ثلاثة قرارات حاسمة. ما يهّمنا ثالثها في الترتيب، وهو السحب غير المعلن لثقته السياسية من مدينة بنغازي التي وقعت أمام مبنى رئاسة الوزراء فيها جريمة القتل الدامية وتعزيز مكانة البيضاء بأن تكون مقرا للحكم والسياسة وهي المدينة التي تهيمن عليها قبيلة يقود أحد أبنائها، وهو صهر ناظر الحاشية القتيل، قوة دفاع برقة الموثوقة من الملك والحامية لعرشه.

أيضا الاستقرار نهائيا في طبرق حيث توجد القاعدة العسكرية البريطانية، وترك قصره بل أهدائه للجامعة الليبية الوليدة عام 1955 إمعانا في إظهار هواجس التوجّس والارتياب التي طالما خامرته أثناء مرحلة الإعداد للاستقلال إزاء المدينة التي تبادل ونخبتها السياسية مشاعر الشّك والتي أحس هذه المرّة أنّها تواطأت ضمنيا مع الجريمة.

في أخلاقيات التراجيديا، يمكن اعتبار سلوك الملك حسب وصف أرسطو ترّديا وسقطة كونه مُدرَكا ومُنتَوَى، لكنّه ليس متعمدا وصادرا عن سبق إصرار، فهو بمثابة رّدة الفعل التي تصدر في غمرة الغضب أو الانفعال. إلا أنّ تصرّفه غيرَ المحسوب في تقييم السياسة والتاريخ، ربما مسّ المدينة في كرامتها، فأسقطها في قدر المدينة المهمّشة، بل المهجورة التي يمكن مماهاة مصيرها حسب القراءة النافذة" ميديا وغضب الهجران" للكاتبة السويدية غودرون إكستراند، بمصير "ميديا" المرأة في تراجيديا يوربيدس التي قتلت ابنيها العزيزين انتقاما مروعا من أبيهم الرجل الذي هجرها.

نورالدين خليفة النمر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
ابوفارس | 21/03/2017 على الساعة 17:55
زمن الجحود ونكران الجميل
لا يا أستاذ سعيد ليست بنغازي التي تطبل لكل من هب ودب ، وليست بنغازي التي ينطبق عليها مثل راجل امنا هو بونا ، وليس من النزاهة ان تصدر عنك تقييمات مجحفة بحكم ثقافتك وتكوينك والنزاهة العلمية . لو صح ما تقول يا أستاذ لحازت عطف الملك ورضى القذافي ، لكن بنغازي ثارت عندما صدر حكم القضاء المتحيز لصالح الملك وبنغازي و ثارت ضد القذفي وطغيانه في السبعينيات ودفعت ثمنا باهظا . علق القذافي ابناءها على أعمدة المشانق في شوارعها الرئيسية وقاعاتها الرياضية . بنغازي لم تنبطح للملك ولا للقذافي ولا للميليشيات المدعومة من الاسلام السياسي ومدينة مصراته . بنغازي مدينة لها ثقافتها ونسيجها وتلاحم ابنائها . بنغازي قد تهادن لبعض الوقت ولكن لا تنطفئ ولا تموت فيها كرامة اَهلها وحبهم للحرية وبغضهم للسيطرة والهيمنة لا من النظام الملكي ولا الجماهيري ولا الثوري . ان الطلاق الذي حدث بينهاوبين والملك والقذافي كان بسبب عدم سكوتها على الظلم وحتي وان سكتت فإنهالا تنسى . بنغازي هي المدينة التي لا تنطفئ فيها شعلة الأمل والحريّة . فعلا نعيش زمن الجحود ونكران الجميل . شكرا للاستاذ زكري استمتعت بقراءة المقالة .
فائزة بن سعود | 19/03/2017 على الساعة 13:35
اخر كلامي
سبحانه الله مرة اخرى...اقول لك انها مدينة الراي العام الليبي بخيره وشره... وتقول لي الحيطة المايلة... يا سيدي بنغازي مقصود اذلالها لانها مدينة الثورة,,,,مقصود تدميرها بحرفية وتمزيق نسيجها الاجتماعي عكس طرابلس التي لا يتمنى المتصارعون على الحكم ان تدمر ويحاولون تجنيبها الخطر .... لم يحب بنغازي اي حاكم وحتى حفتر عينه على طرابلس ولا يريدها... وجماعة القذافي يكرهونها حتى الموت ويريدونها ممرا فقط للرجوع الى الخيمة ... اما حكاية الاصل فهي مبعث فخر وليس ذم ....دليل على انها ليست قرية .... هذا قدر المدن التي تضم كل الاصول ....قدر المدن ان تحتوي الجميع ولا احد يزايد على رباية الذايح .... اذا بنغازي تمرض معناها ليبيا مريضة .
سعيد رمضان | 19/03/2017 على الساعة 11:17
سيدتى الفاضلة
يجب أن نفرق بين الوصف والحقد ولاننجر وراء عواطفنا الزائفة التى تتبدل بتبدل الحاكم ،مابينى وبين بنغازى هو كل الحب الصادق ،عن أى بنغازى تدافعين ياسيدتى ،تصورين بنغازى وكأنها قطعة أرض فضاء خالية لاأهل تطبل وتهلل لكل من هب ودب دون رأى وعلم أهلها وساكنيها ،بنغازى اليوم سفكت على أرضها دماء الأنتقام من كل ربوع ليبيا ،ولن يفزع لها أحد سوى أصحاب المصالح والمغانم ،فزعة فبراير لبنغازى من كل المدن الليبية لن تتكرر ،بنغازى تتمزق ياسيدتى ،كلمة " أصلى من بنغازى كلمة زائفة لامعنى لها وأمظرى الى واقع مدينة مصراتة أو الزنتان ،مليشيات مصراتة وكتائبها كل منها له توجه ويتقاتلون خارج مصراتة ولايتقاتلون داخلها لماذا لأنهم من أصل واحد ولايريدون تدمير مدينتهم وأهلهم ،هذا مثال أما بنغازى فهى مباحة وساحة لتصفية الحسابات ،بكل أسف وحسرة بنغازى أصبحت " الحيطة الواطية " لكل من هب ودب ،الأسلاميين يريدون تحرير بنغازى من العسكر ، والعسكر يريدون تطهير بنغازى من الأسلاميين ،هذه هى بنغازى اليوم ياسيدتى أسيرة لهذا وذاك ولاخيار لها وليس مسموح لها بتقرير مصيرها ،العاطفة والشعارات الزائفة هى من جعلت بنغازى هشة وسهلة الأنقياد
فائزة بن سعود | 18/03/2017 على الساعة 19:18
الى السيد سعيد رمضان
سبحانه الله ما اكثر الحقد على بنغازي سواء شرقا او غربا... بنغازي التي اوصلت (جميع) الحكام في ليبيا الحديثة الى الحكم ركلوها جميعا وذهبوا اما شرقا او غربا....مدينة المعارضة الاولى للملكية والجماهيرية والثورة اصبحت عندك خانعة ؟؟؟؟ ا لتي يحقن اطفالها بالايدز وتسقط طائرتهافي سيدي السايح خانعة؟؟... يا سيدي بنغازي هي مدينة الراي العام الليبي كله بخيره وشره.... بنغازي رفضت استقلال برقة الذي اعلن فيها ثم خرج منها استقلال ليبيا ثم عندما غضب الراي العام الليبي على المملكة كان الانقلاب منها ثم الثورة منها. .. ثم حركة حفتر منها بغض النظر عن موقفك منها او موقفي منها ... بل حتى حركة المراة والطلاب منها..كل الخير والشر منها..ترمومتر ليبيا ... ليبيا ولدت فيها ومرضت فيها وستشفى فيها ان شاء الله .. هل هي (القرية) الظالم اهلها..؟؟ ترى ضواحيها يجب ان تقود ها ..؟؟.حفتر دمرها. ؟. هذا لا ينفي ثقلها السياسي والثقافي والديمغرافي... هي الموحدة لان تاسيسها الثاني كان بمهاجرين طرابلسيين في القرون الوسطى,,, لا شرقية لا غربية بل ليبية الهوى تماما... على فكرة وصف بنغازي بهذا المثل الشعبي لا يليق بمثقف مثلك
سعيد رمضان | 18/03/2017 على الساعة 07:29
لا علاقة لبنغازى بأنقلاب سبتمبر
ثورات الربيع العربى لاتختلف عن ربيع العسكر فى ستينيات القرن الماضى عندما أصبحت الممالك لاتلبى مصالح الدول العظمى ،ونفس الكأس شرب منه القذافى فى ثورات الربيع العربى ،البعض يحاول تضخيم بنغازى ونسب كل شىء لها علما بأنها تعمل بمثل " اللى يتزوج أمى نقوله ياعمى " لاحظنا ذلك فى زمن المملكة وفى زمن القذافى وفى زمن فبرايروالآن فى زمن حفتر .
فائزة بن سعود | 18/03/2017 على الساعة 03:00
فعلا
كلام حضرتك صحيح... فعلا ردة فعل الملك رحمه الله الغير محسوبة تجاه بنغازي,بعد مقتل الشلحي.... هي ما دقت اول مسمار في نعش المملكة الليبية... بنغازي لا تغفر لمن يزدريها بمفهومها هي للازدراء... وبعد ذلك تراكمت الا فعال غير المحسوبة الى ان جاءت القشة التي قصمت ظهر البغير في تعامل المملكة مع قضية شهداء يناير,,, اعلاء دور القبائل و تهاون الملك في دم الطلاب ,, جعل بنغازي تحس بالاهانة المفرطة ... فغضبت وغضبت ليبيا معها وكانت النهاية.
آخر الأخبار
إستفتاء
هل تؤيد دعوة مجلس النواب الليبي لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية؟
نعم
لا
الإنتخابت لن تغير من الامر شئ
الوضع الأمني لن يسمح
لن تفيد بدون تسوية سياسية أولا
التوافق على دستور اولا
كود التحقق :
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع