مقالات

د. فتحي الفاضلي

أخي السلفي... استيقظ

أرشيف الكاتب
2016/07/10 على الساعة 14:03

تجاهل ما يطرحه الناس في ليبيا وما يتداولونه عن التيارات الاسلامية يعد انتحاراً دعوياً واجتماعياً وسياسياً. هذه الظاهرة - ظاهرة السخط على التيارات الإسلامية في بلد مسلم- تستحق الوقوف عندها بجدية.

فيا أخي الاسلامي هذه كلمات مني اليك، كلمات من القلب، ومن اقع الحال، ألاقي بها وجه الله وأنا راض عنها. كلمات لك أن تعدها طعناً، او نقداً، او نصيحة، او توجيهاً، او هدية، او إرشاداً، او أمراً بمعروف، او هجوماً، أو دعوة، أو تصحيحاً. أترك التصنيف لك ولإخلاصك ونواياك. إخلاصك لما تدعو إليه، بل ولمدى إخلاصك لرسالة الإسلام بكاملها.

لقد التقيت بالناس في عديد المناسبات الاجتماعية (أفراح، ومآتم، وولائم، وتجمعات، ومناسبات مختلفة أخرى)، وتواصلت مع الناس في المساجد، في مواقع العمل، في الشارع، في الجامعات، في المقاهي، في مختلف المكاتب والمؤسسات والأسواق. تحدثت عن التيارات الاسلامية مع الاهل، مع الاصدقاء القدامى والجدد، مع الاقرباء، مع زملاء العمل، مع الطلاب، مع الجيران، سمعت الناس بمختلف أطيافهم يتحدثون عن التيارات الاسلامية.

تحدثت مع تكنوقراط ونخب ومسؤولين، تحدثت مع أساتذة جامعة، ومحاميين، وصحفيين، ومثقفين، وكتاب، وسياسيين، وموظفين، وعمال، وطلبة، وتجار، ورجال أعمال، ومعلمين، ومعلمات، وحرفيين، وفلاحين، وإعلاميين، ومزارعين، نساء وشباب ورجال، ينتمون الى مختلف المناطق والحِرف والاماكن والاجيال. أكرمني الله سبحانه وتعالى أيضاً، وكنت وما زلت، أحد مستخدمي وسائل المواصلات العامة (الافيكو او الميكرو) يوميا تقريبا، بالاضافة الى استخدام سيارات الاجرة من حين إلى آخر، استمعت إلى الناس وهم يتحدثون في تلك الاماكن والمواقع والمواقف والمؤسسات، عن التيارات الاسلامية، وكان أغلب من تحدثت معهم ملتزمين بشعائر وتعاليم وعبادات وإرشادات الاسلام. ملتزمين بما هو معروف من الدين بالضرورة على الاقل.

جميعهم، بمختلف أجيالهم وفئاتهم وخلفياتهم العلمية والثقافية، يطرحون تساؤلات وتهماً وشكوكاً وتحفظات وعلامات تعجب واستفسارات حول التيارات الاسلامية. الكثير مما يطرحه الناس واقع ملموس يحتاج الى اجابات وتبريرات وتفسيرات وتوضيحات. والكثير جدا لا يمت الى الحقيقة بصلة.

ليس ذلك فحسب، بل نلمس اتفاقا وتوافقا وإجماعا عجيبا بين الناس، حول بعض المآخذ على التيار الاسلامي. نفس المآخذ والملامة والنقد والآراء والمواقف بخصوص او ضد تيار اسلامي ما، نجدها على لسان الجميع تقريبا، بمختلف فئاتهم واعمالهم واعمارهم ووظائفهم وخلفياتهم العلمية والثقافية، ما يصبغ شيئاً من المصداقية على ما يطرحه الناس.

وفي هذا المقام سأتحدث عما يتم تداوله عن التيار الذي يعرف بين الناس بالتيار السلفي. وهذا لا يعني أن التيارات أو المدارس أو الاحزاب الاسلامية الاخرى لم تتعرض هي ايضا الى اشد انواع النقد. ولنا لذلك باذن الله عودة. ولكل مقام مقال.

تكمن مصادر التذمر والتساؤل والملامة والسخط والغضب والنقد على بعض اتباع التيار السلفي في عديد الجوانب، أولها غياب البشاشة وطلاقة الوجه والابتسامة وعدم افشاء السلام، وسيطرة علامات الجدية والتجهم والتفرس والصرامة، ما يخالف أبسط واجمل قواعد الاسلام، بل ويخالف سنة السلف الصالح، وسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم (تبسمك في وجه اخيك صدقة) و(لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق) و(الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ)  وغيرها من تعاليم سيد ولد آدم في هذا الصدد.

يتمثل المأخذ الآخر على هذا التيار في غياب الدعوة بين غير المسلمين (النصارى وغيرهم) بل سيطرة خطاب ونبرة التحريض والكراهية ضدهم بدلا من سيطرة خطاب الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أمرنا قيوم السموات والارض، بالاضافة إلى غياب مبدأ تأليف القلوب، والتعريف بالاسلام، والترغيب فيه، وتدريب وتربية أتباع هذا التيار على اقامة الدعوة بين غير المسلمين. وفي كل ذلك مخالفة واضحة لرسالة الاسلام ولآيات الكتاب الحكيم (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ../ النحل 25) ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ../ الانبياء107).

لقد كانت أسارير الرسول الكريم  صلى الله عليه وسلم تنبسط وتغمره السعادة عندما يعلم أن هناك من يود التحدث اليه عن رسالته، بما في ذلك ابو لهب والمغيرة وباقي سادة قريش، وألد أعداء الاسلام. كانت أسارير محمد صلى الله عليه وسلم تنبسط لأن هناك من يود الحوار والحديث والتفاوض معه حول رسالته، حتى لو كان أبو لهب. فكيف يحق لنا - اليوم- أن ننظر إلى غير المسلمين نظرة حقد وكراهية وبغض وعداء، شخصيا أعتبر هذا الامر - إن صح - خيانة لرسالة الاسلام وتنفيرا منها واغتيالاً للدعوة. بل ماذا عن (والله لئن يهدي الله بك رجلا واحدا خيرا لك من حُمر النعم)، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم أُرسل للعالمين كافة. ليس ذلك فحسب بل إن غير المسلمين أولى بالدعوة، وما جاء الاسلام إلا ليقدم لغير المسلمين.

كما ان الامر الذي يدعو إلى الحيرة هو أن خطباء التيار السلفي قد يدعون إلى معاداة النصارى ومعاداة غير المسلمين بصفة عامة ومفاصلتهم وعدم تهنئتهم بأعيادهم والدعاء عليهم بالويل والهلاك والتدمير والحرق والموت والثبور، وجهنم وبئس المصير دون أن يؤدوا واجب الدعوة تجاههم حتى من باب (.. معذرة إلى ربكم..)، أو من باب تأليف القلوب وتقريبها.

بل قد نسمع الخطيب وهو يصب جآم غضبه على غير المسلمين، بينما المسجد الذي يخطب فيه تحتله من كل جانب لمسات النصارى والملحدين والكفار، ساعة الخطيب ونظاراته ومحموله وأغلب ملابسه مصنوعة بأيدي نفس البشر الذي يدعوننا إلى أن نفاصلهم ونضيق عليهم ونقاطعهم، أجهزة التدفئة والتكييف التي توفر الأجواء المناسبة المريحة للمصلين في بيت الله، الاضواء والمصابيح التي تنير لنا مساجدنا، الميكرفون الذي يصدع به الخطيب ويدعوهم عبره إلى مقاطعة الكفار وبغضهم، ثلاجة المياه التي توفر للمصلين المياه النظيفة الصافية النقية الباردة، الفرش (البساط) الذي يغطي أرضية المسجد، السيارة التي تقل الشيخ ويتجول بها وأسرته وتحمل أثقاله وأثقال أولاده إلى حيث يريد، حبوب "البانادول" التي نستخدمها ويستخدمها الشيخ لتشفيه من الصداع فيتمكن من إلقاء الخطب والاحاديث والدروس، الطائرات التي تنقلنا من بلد الى آخر بما في ذلك الطائرات التي تنقلنا الى الحج لنؤدي أحد أهم أركان الاسلام، البنادق التي يستخدمها البعض في الجهاد والكفاح والنضال والقتال، الادوية، العصائر والمشروبات، بيوتنا وبيوت شيوخنا تحتلها مصنوعات وادوات وملابس واثاث صُنعت واخترعت وصممت في بلاد الغرب والنصارى والكفار والملحدين. أفضل الكتب والمصادر والمراجع في جميع التخصصات العلمية الحديثة الدقيقة، التي يدرسها أولادنا، كتبها أقوام غير مسلمين، وهي مصنوعة ومصممة ومؤلفة ومطبوعة في الغرب، بترولنا تستخرجه شركات "الكفار"، جميعنا نتلهف ونتصارع على شراء ما هو مصنع في بلاد غير المسلمين، اطعمة واثاث وادوية وادوات وملبوسات وتقنية ومخترعات.

سيطرة نبرة العداوة والمفاصلة والتضييق والخصومة على الخطاب السلفي ضد الغرب والنصارى والكفار والملحدين وغير المسلمين بصفة عامة وغياب خطاب التآلف والدعوة والاقناع والحوار مع تلهفنا واستهلاكنا واعجابنا بمنتوجاتهم ومصنوعاتهم واطعمتهم وحضارتهم وادويتهم  يمثل تناقضاً سافراً بين الممارسة وبين ما ندعو اليه. الشارع الليبي يريد إيضاحاً، فإما مفاصلة تامة، وإما اعتدال في الخطاب، وإما الشك في مصداقية التيار برُمته.

مصدر الحيرة الآخر لدى الشارع الليبي يكمن في تركيز هذا التيار على مسائل الخلاف التي بها سعة. مسائل قد تكون مهمة، لكنها ليست من أولويات البلاد. بالاضافة الى تصيد الالفاظ والكلمات الصادرة عن الناس بدون قصد واصلاحها بجفاء وغلظة علناً، بل واسقاط بعض آيات القرآن الحكيم عليها كالآية الكريمة التي تقول (... وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا / الكهف 28)، دون مراعاة لسن أو نية او موقف. وفي ذلك مخالفة صريحة أخرى لسنن الحبيب صلى الله عليه وسلم. والتهمة الموجهة الى التيار السلفي في هذا الاطار، أنهم يستخدمون هذه المسائل لخلق الجدل والخصومات والفتن واللغط بين الناس وإلهائهم عن واقع البلد والأمة وعن ممارسات وظلم وفسق الملوك والامراء والطغاة والحكام.

ويعد التوحيد، توحيد الالوهية والربوبية والاسماء والصفات، من أهم القضايا العقائدية التي يدور حولها هذا التيار. تأتي بعد ذلك قضايا ومسائل وأمور ثانوية خلافية، منها على سبيل المثال، الثوب وتقصيره أو عدم تقصيره، الصور وطمسها، النقاب أم الحجاب، الاحتفال بأعياد الرسول او عدم الاحتفال، تهنئة النصارى بأعيادهم أو عدم تهنئتهم، رفع الأيدي في الدعاء أو عدم رفعها، لباس المرأة، هل نقول للرسول يا سيدي أم لا؟ زيارة الأضرحة والقبور، التمائم والسحر والتعاويذ، طمس القبور، التبرك بالاولياء والصالحين، وغير ذلك من القضايا والمسائل والامور، وهي نفس المسائل التي واجهها الامام محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله).

الفارق الرئيسي هو أن محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله) وجد في مجتمعه في نجد والحجاز (قبل أن تُسمى بالسعودية نسبة إلى عائلة سعود)، وجد في مجتمعه ما دعاه الى التركيز على هذه المسائل، لانها كانت المسائل الطاغية والشغل الشاغل للناس في مجتمعه في ذلك الوقت. لقد دمرت تلك المسائل رسالة التوحيد ودمرت بالتالي مجتمعه.

الامام محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله)، وجد أن مفاهيم التوحيد قد شابتها الشوائب، ووجد أن اموراً عديدة مناقضة ومخالفة للتوحيد قد سيطرت على المجتمع برمته، ووجد أن رسالة التوحيد الأصلية قد تشوهت بهذه الممارسات والمخالفات والاخطاء والانحرافات والمحظورات فحاربها، لقد كان التوحيد وما خالف التوحيد أهم أولويات مجتمع محمد بن عبد الوهاب. 

مجتمعنا الليبي لا يعاني اليوم مما عانى منه مجتمع نجد والحجاز. مجتمعنا الليبي بمجمله لا يعاني من تشويه مفهوم التوحيد ولا يدور بيننا (بين الليبيين) اللغط حول توحيد الالوهية والربوبية والاسماء والصفات واستيلاء الله سبحانه وتعالى (تعالى الله عما يصفون) على العرش أو استوائه عليه. الليبيون لا ينكرون وحدانية الله. بل إن اكبر سيدة ليبية سنا، بلغت من العمر عتيا، بل وصلت إلى أرذل العمر، من الاجيال القديمة، غير متعلمة، قد تبصق على وجهك وتصفعك إذا اتهمتها بالشرك. الليبيون لا ينكرون وحدانية الله، ولا يتخذون معه شريكا والعياذ بالله، ولا يخوضون في مثل هذا الأمر أصلاً. ينطبق الامر على اكثر الليبيين التزاما بكتاب الله وسنة رسوله، وينطبق ايضا على من لا يمارس ابسط الشعائر التعبدية.

وحتى الممارسات، التي يمارسها البعض في ليبيا، والتي تشبه ما كان الناس يمارسونه، منذ أكثر من قرن، في مجتمع محمد بن عبد الوهاب، حتى تلك الممارسات لايمارسها الليبيون اليوم عن عقيدة واعتقاد وايمان، بل كمحاكاة وتراث اجتماعي وتقاليد وعادات. وهي ايضا ليست ظاهرة منتشرة ومسيطرة وطاغية على ممارسات الليبيين. هي - إذن- ممارسات متناثرة من جهة، ومحصورة بين اجيال سابقة من جهة اخرى، وتمارس على غير ايمان وعقيدة من جهة ثالثة، والجيل والوقت والزمن كفيل باندثار أغلبها، تماما عكس ما كان يجري في مجتمع الامام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.

الامر إذن يختلف عن مجتمع محمد بن عبد الوهاب، وهنا يكمن أفدح أخطاء التيار السلفي الاستراتيجية، اي مخالفتهم  للحدث والظاهرة والواقع والزمان. لا أحد يستطيع أن يسقط ملابسات وخصائص ومسائل وقضايا وأمور مجتمع ما، على مجتمع آخر يتميز بخصائص وملابسات وممارسات ومسائل مختلفة، لذلك ينظر الناس في ليبيا إلى هذا التيار بهذه النظرة الانعزالية. ولا يعني هذا أن مجتمعنا خالٍ من الامور التي تحتاج إلى دعوة ودعاء ودعاة، ولكن في جوانب لا تمت إلى أمور العقيدة والتوحيد بصلة. وإن وجدت فإنها محصورة في الاجيال القديمة، وتمارس عن محاكاة وجهل وتقليد لا عن فكر وعقيدة وإيمان.

كان محمد بن عبد الوهاب (رحمه الله) - إذن - يوزع دواء لأمراض استشرت في المجتمع في ذلك الحين. التيار السلفي اليوم يوزع أدوية لا أمراض لها. وبالتالي لا يحتاجها المجتمع الليبي بهذا الزخم الهائل من التركيز. التيارالسلفي في هذه الحالة كمن يصر على تركيب محرك في سيارة تحتاج إلى محرك من نوع  وحجم وموديل آخر.

الحبيب صلى الله عليه وسلم أدرك بعظمته ونبوءته وواقعيته كل هذه العوامل فتعامل مع الزمن والاولويات والواقع ولم يتفاعل مع عوامل غريبة عن واقع مكة وخارج الزمن. وعندما أسس الدولة في المدينة صلى الله عليه وسلم، استمر على نفس السنن، فتعامل مع واقع المدينة، ولم يتعامل مع واقع غريب عن مجتمع المدينة. بل إن أغلب أئمة وخلفاء وعلماء الأمة أدركوا ذلك فتعاملوا مع الواقع والزمن والزمان والحدث في بلدانهم ومجتمعاتهم وأوطانهم. جميعهم أسقطوا النصوص على واقع مجتمعاتهم.

لكل ذلك، لا بأس أن يدعو بعض أتباع التيار السلفي إلى ما يدعون إليه (بالطبع بالحكمة والموعظة الحسنة)، فهذه خيارات وقناعات ورؤى هذا التيار، ولا يحق لي أن أفرض على أحد أن يغير أو يبدل أو يلغي ما يؤمن به من منهجية، لا بأس أن يدعو التيار السلفي إلى ما يؤمن به أتباعه، ولكن من الأخطاء القاتلة أن نعد هذه الامور من اولويات الليبيين، ومن الاخطاء القاتلة إضاعة وقت وجهد ومال أتباع هذا التيار في مثل هذه الامور، بينما الوطن يئن من امور اخرى حساسة تحتاج إلى جهد وطاقة وإمكانات الجميع. فعدم التعامل مع الاولويات هو في الواقع تأخير للأمة (حتى لو كان غير مقصود) وإضاعة لوقت وجهد وطاقة الاجيال. ومن لا يعالج قضايا اليوم فهو يعيش في عصر لا يمت الينا بصلة.

التيار السلفي متهم بأنه يُغرق منتسبيه في مسائل محدودة وآيات محدودة وأحاديث محدودة إن تجاوزها أتباعه أظلمت عليهم الامور. وعجزوا عن الاجابة والرد، فهم لا يفقهون غيرها. وخطورة هذه التهمة أن هذا التيار يستقطب محدودي العلم (ولا بأس في ذلك، بل يشكر عليها) ولكن الاشكالية تقع في تسليح أتباعه بأحاديث محدودة معدودة تتناول المسائل الفقهية الخلافية التي ذكرنا البعض منها. أتباع هذا التيار لا يفقهون غيرها، يرددونها كما هي، فإن حاورهم محاور أو حاججهم بحديث آخر أو آية أو حكم، أظلم عليهم الحوار، وتوتر مسار الحديث، ووصل إلى طريق مسدود، لأنهم تدربوا على الغوص في أعماق محدودة محددة. بل سرعان - إذا خانتهم الحجة - أن يقولوا أن شيخنا فلان قد قال في هذه المسألة كذا وكذا. 

التيار السلفي متهم بأنه يخالف المجتمع في كل شيء، حتى في الآليات، فإذا دعا الناس إلى الانتخابات والتصويت، خالفهم التيار السلفي، وإذا رغب الناس في الاحتفال بعيد ميلاد الحبيب صلى الله عليه وسلم، حتى بنية ترغيب وتحبيب وتقريب قلوب الأطفال والشباب إلى الرسول الكريم، كمدخل الى اتباع سنته، أو بنية النكاية بمن يسخر ويحارب ويستهزئ بالحبيب صلى الله عليه وسلم اعتبروها بدعة، وإذا حارب الناس الملوك والطغاة والامراء أو دعوا إلى تصحيحهم ونصحهم وتقويمهم (حتى الطواغيت منهم) دعوا إلى عدم الخروج على الحاكم، وهكذا خلافا لسنة السلف الصالح  ولروح الاسلام.

مخالفة المجتمع  لم تصل الى المعتقدات فقط، بل وصلت حتى لبعض الآليات وبعض فنون إدارة الاعمال وتنظيم وتسيير الامور الدنيوية والتحسينات (كالتصويت، والترشيح، والاختيار، والمظهر، واللباس، الخ) وكأن هذه المخالفة هي الهدف. الناس بمختلف أطيافهم يتساءلون قائلين: هل كل شيء فينا غلط؟ (المعتقد، المظهر، الآليات التي نختارها ونستخدمها، بعض البدع الحسنة،...الخ).

التيار السلفي متهم أيضاً بمنع جلب الكتب والصحف والمجلات إلى المساجد بينما لا يمانع أتباع هذا التيار في إدخال وتوزيع وطبع ونشر كتب وكتيبات في مساجد يقومون عليها تهاجم تيارات إسلامية أخرى وأئمة ودعاة وشهداء مسلمين يوحدون الله ورسوله، ومن أهل السنة والجماعة والتوحيد، بل منهم من ضحى بنفسه وعمره وماله في سبيل الاسلام.

التيار متهم أيضاً بإسقاط آيات على أحداث ووقائع وأمور لا علاقة لها بتلك الآيات. فقد أسرف أتباع هذا التيار - كما اشرنا- في إسقاط آيات (... وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا .. / الكهف 28) واية (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُّبِين.. / الاحزاب 36 )، ضد صاحب كل رأي شرعي يخالف ما يؤمنون به من مسائل فقهية خلافية، وكأن الناس يستنبطون آراءهم من الإنجيل أو التوراة وليس من القرآن والأحاديث. التيار أيضاً متهم بأنه ينظر الى غير من لا يتبعهم  بانهم عاميون، وفي ذلك بالطبع " تزكية" منهي عنها (... فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى... /النجم 32).

التيار السلفي متهم أيضاً بأنه وراء تحطيم الأضرحة والمساجد، بأسلوب وأداة ووسيلة مرفوضة تميزت بغياب عنصر الحوار والإقناع والتقارب والتدرج في هذا الأمر تبعاً لسنة الحبيب صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح. محمد صلى الله عليه وسلم كان بينه وبين الصنم "هبل" قاب قوسين أو أدنى ولم يأمر بتحطيمه حتى بعد إسلام حمزة وإسلام عمر بن الخطاب (رضي الله عنهما) وهم قادرون على أن يحطموا هبل ومن وراء هبل.

الحبيب صلى الله عليه وسلم  كان قادرا على أن يفعل ذلك، سراً وبغتة وليلاً وبشتى الوسائل وفي مكة. لكنه لم يفعل. لم يأمرهم محمد صلى الله عليه وسلم بذلك. لكن بعد فتح مكة حطمت الناس معه هبل، بل وحطمت معه ثلاثمائة وستين صنما آخر في مكة، بعد اقناع وتغيير ما في القلوب والعقول والنفوس. محمد صلى الله عليه وسلم لم يحطم أو يدمر أو يغير مبنى أو قبة أو ضريحاً. بل  حطم بحواره وصبره ودعوته ولينه وتدرجه في الدعوة، حطم فكراً، حطم معتقداً، ولم يحطم مبنى يمكن إعادة بنائه بل بناء مبنى آخر أكبر وأعظم وأضخم وأوسع وأحدث منه.

وذلك بالرغم من أن الناس كانوا يعبدون تلك الاصنام، اي لم تكن العلاقة بينهم وبين تلك الاصنام مجرد علاقة " تبرك" بل علاقة ألوهية وعبادة وربوبية.  ليس ذلك فحسب بل إن تداعيات هذا الامر لن تنتهي مستقبلا في ليبيا، بل ستبقى في العقول والقلوب والنفوس، لأن طريقة التغيير خالفت هدي الحبيب صلى الله عليه وسلم. لقد خلق هذا الأمر فتنة عميقة بين المؤمنين (وان كانت بحسن نية).

وإذا كنا مطالبين بالتعامل بالحكمة واللين والموعظة الحسنة مع غير المسلمين  فالأولى أن يعامل بعضنا البعض بالحكمة والمودة والحوار والموعظة الحسنة واللين. لقد أمر الله سبحانه وتعالى موسى وأخاه هارون عليهما السلام أن يخاطبا فرعون الذي نصب نفسه ربا للعباد، باللين فقال تعالى: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى.. فقولا له قولا لينا) هذا بالرغم من أنه "طغى".  فكيف لا نخاطب المؤمنين - الذين لم يطغوا ولم ينصبوا أنفسهم أربابا للبشر- باللين. خاصة ونحن مأمورون بذلك عبر أكثر من آية كريمة وأكثر من حديث شريف صحيح.

الأمر الآخر الموجه للسلفيين هو أن شيوخهم وعلماءهم وموجهيهم هم من خارج ليبيا (اما في السعودية واما في اليمن واما في جبال بين السعودية واليمن). ولا شك أن علماء التيار السلفي يفقهون النصوص والفقه والعلوم الشرعية ويبدعون فيها، ولكن ينقصهم علم الواقع وعلم الاولويات. واقع المجتمع الليبي واولوياته. ومن أبجديات الدعوة أن الوسائل والطرح والمعالجة والتشخيص وادوات الحوار والاساليب جميعها لابد ان تناسب - وكما سبق- واقع المجتمع.

فلكي تصبح الفتاوى والاساليب والوسائل مناسبة لواقع الحال وصحيحة ومقبولة والأهم من كل ذلك ناجحة، لابد - مرة أخرى- أن يقترن العلم الشرعي بعلم الواقع. العلماء غير الليبيين مهما أوتوا من العلم الشرعي، ومهما أخلصوا لرسالة الاسلام، ومهما أمدهم انصارهم واتباعهم من الليبيين من معلومات واحصائيات دقيقة وأخبار صحيحة وأبحاث عن المجتمع الليبي فلن يبلغوا دقائق وخصوصية ومداخل وروح المجتمع الليبي. وهذا ليس قصوراً فيهم، وإنما هكذا جرت سنن الله سبحانه وتعالى. طبائع الاشياء تفرض نفسها علينا.

لذلك نرى بعض تعاليم وامور ومفاهيم التيار السلفي لا تنتمي الينا ولا تنبع منا ولا توافق روح مجتمعنا المسلم المحافظ. فهل يستطيع علماء ليبيا الاجلاء معالجة مشاكل وقضايا واحداث وحوادث تجري في السعودية على سبيل المثال؟ هل يستطيع علماء ليبيا الكرام بما يحملونه من علم وفطنة وتفوق وإبداع أن يعالجوا أمور وقضايا ومشاكل السعودية بصورة أفضل من علماء السعودية نفسها؟ لا أظن ذلك. ولن يقبل علماء السعودية ذلك ولا أظن ان يستسيغ الشعب السعودي ذلك أيضاً. نحن ايضا لا نستسيغ ذلك.

التيار السلفي متهم أيضاً بأنه يرى كل شيء بدعة وأنه أسرف في استخدام حديث (... وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار... الحديث)، فلم ينج شيء من كونه بدعة، حتى البدعة الحسنة، وحتى ما اختلف في كونه بدعة أصلا، على ألسنة علماء من أهل السنة والجماعة. حتى أصبح هذا الأمر مصدر تندر بين الليبيين. ومما يتداوله الليبيون - وهي قصة حقيقية-  كأحدى الطرائف أن  وجبة "العصيدة"، وهي وجبة محلية لذيدة جدا مرغوبة تعد بمناسبة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، تعتبر بدعة. فأخذ الليبيون يرددون قائلين: ما أحلى هذه البدعة.

لابد لأتباع التيار السلفي إذن من التدرج في الدعوة، ومن التسلح بالعلم، ولابد من التدريب على فنون الحوار اللين، والإقناع، ولابد من الصبر على الدعوة ومن لا يطيق ذلك فليتركها لمن يقدر. لابد من فتح جسور التآلف مع غير المسلمين وممارسة الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، كما أمرنا قيوم السموات والارض، ولابد من إتقان فن وفقه الدعوة، قبل أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، وإلا سننفر الناس من الاسلام ومن رسالة الاسلام، بل سننفر المسلمين من المساجد كما يحدث يوميا، ولا أبالغ في ذلك. ولدي بدل القصة الواحدة، عشرات القصص.

ولابد من الخروج السلمي والخروج غير السلمي (إذا  لزم الأمر) على الامير والحاكم الظالم الفاسق، وإن صلاة الحاكم إن لم تمنعه من الظلم والفسق والفحشاء، فلا صلاة له. ولابد أن نأمر الطغاة والملوك والامراء بطمس صورهم قبل أن نأمر باقي الناس، فهم من يفترض أنهم القدوة. فكيف نطلب من رجل الشارع أن يطمس الصور بينما صور الملوك والطغاة والامراء والحكام تملأ شوارعنا ومكاتبنا ومؤسساتنا وشركاتنا وفضائياتنا، نمر عليها دون أن ننبس ببنت شفة، بينما نصرخ بغلظة وجفوة في وجوه الناس حول الصورة والصور. ناهيك عما في هذه المسألة (مسألة الصور وغيرها) من سعة وخلاف وأقوال بين العلماء. وناهيك ايضا عما في هذه الصور من مصالح عليا للوطن ولامن الوطن والمواطن والعصر. ليس ذلك فحسب بل من يحرم الصور ويطلب طمسها نجد جيوبه محشية بتعريفات لا اول لها ولا آخر لا تصلح بدون الصور (كتيب العائلة، الرخصة، جواز السفر، تعريف العمل او الوظيفة، رخصة المحل ربما،  الخ).

وعلينا أن نقبل الرأي الآخر، ويحترم بعضنا البعض فيما نذهب اليه من آراء طالما أن في الأمر سعة، وأن ندرك أن النوايا جزء كبير من الحكم على الاشياء (إنما الأعمال بالنيات) وأن لا نخالف الناس فيما ذهبوا إليه من آليات ووسائل وأدوات تسهل أمور وحياة وقضايا المسلمين السياسية أو الاقتصادية  أو العلمية أو الاجتماعية. وأن لا نتصيد ألفاظاً وكلمات تخرج من أفواه  الناس عفويا (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم)، فإذا لم يؤاخذنا الله باللغو في أيماننا، فكيف يؤاخذنا فيما دون ذلك.

فليدع هذا التيار-  إذن- إلى ما يدعو اليه، ولكن أن يأخذ مكونات وملابسات وأعراف وتاريخ وتقاليد المجتمع والعوامل التي تؤثر في مجتمعنا في الحسبان، وأن يحترم خيارات الآخرين المشروعة.

وأود أن أرى السلفي - كما فعل سلفنا الصالح- يخوض في غمار السياسة والدعوة الصحيحة والاصلاح، يخوض في أولويات البلاد، يخوض في الأمن، في تنظيم شؤون الدولة في الاقتصاد في التعليم في الطب في الاعلام في الصحافة في الرياضة، في اصلاح الوطن، في حراسة الحدود، في الفساد السياسي والاداري، في التعليم، في الحث على المصالحة، في التوعية العامة، في نشر ثقافة اللين والحب والحوار، في الإسهام في الحرب ضد مواد التعاطي والانحراف، في الاهتمام بالشباب الاهتمام الصحيح بترغيبهم في رسالة الإسلام وفي دعوتهم وإصلاحهم ، الشباب ثروة الامة الضائعة من بين أيدينا، بدلا من أن تحتضنهم الشوارع.

أريد أن أرى السلفي، كما فعل السلف الصالح، وهو يضع بصماته في عالم الاختراعات والمعامل والدراسات الاستراتيجية والأبحاث والهندسة الوراثية. بدل أن يهتم بطمس الصور أو عدم طمسها وهو أمر خلافي لا يقدم الامة ولا يؤخرها، أريد أن أرى أخي السلفي وهو يجمع الشمل ويصالح بين القبائل المتناحرة على ناقة البسوس، ويقرب القلوب ويؤلفها وينشر ثقافة الاعتصام بالله وثقافة الامة الواحدة والشعب الواحد، وأن يحارب بالوسائل الصحيحة والحكمة والموعظة الحسنة ثقافة الفرقة والجهوية والعرقية. أريد أن أرى السلفيين وهم يغرسون في الناس عبر مساجدهم ثقافة الود والصلح والاصلاح والتصالح والمحبة.

ذلك  كان اليسير، واليسير جدا، مما يحتاجه المواطن والبلاد والوطن، فاستيقظ أخي السلفي.. استيقظ فالوطن في حاجة إليك. اللهم اشهد  فقد بلغت. والله من وراء القصد.

د. فتحي الفاضلي

* كُتبت في 23 مارس 2014م.

آخر الأخبار
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع