مقالات

د. فرج أحمد قرمان

دِيمُقراطيتنا بينَ الواقعِ والطُموح

أرشيف الكاتب
2016/07/09 على الساعة 15:22

الديمقراطية، بِعكسِ ما يَعْتقدهُ الكثيرون مِنّا، ليستْ مُجرّدَ آلية لإيْصالِ الساسة إلى سُدّةِ الحُكْم ومُمارسته، بل هي حزمةٌ من المبادئ والقيم التي تراكمت لدى الإنسان عبر تاريخه.  هذه القيم والمبادئ التي تتمثل في العدل والحرية وسيادة القانون والمواطنة واحترام الآخر والتعايش السلمي وحقوق الإنسان والشفافية، كانت في مُجْملها، حاضرة في لَبنِات بناء الدولة الإسلامية، فوثِيقةُ المدينة (أول دستور مكتوب في التاريخ) أتت بمعظم هذه المبادئ والقيم قبل صدور الماجنا كارتا (Magna Carta) في بريطانيا بأكثر من 700 سنة وقبل صدور وثيقة الحقوق (Bill of Rights) في الدستور الأمريكي بأكثر من 1100 سنة وقبل صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (The Universal Declaration of Human Rights) بأكثر من 1300 سنة.

مُعظم دول العالم في وقتنا الحاضر تتبنى هذه المبادئ ولكنْ لكلِ منها سُلّم أولويات، فالدول الغربية مثلاً، تضع الحرية على سُلّم أولوياتها و نحن نضع العدل على سُلّم أولوياتنا إلى أن أتت ثورات الربيع العربي التي وضعت الحرية على سُلّم الأولويات بعد أن إتضح لها بأن المُسْتبد لا يأتي بالعدل فلا يمكن للمُسْتبد أن يكون عادلاً.

الديمقراطية كحِزمة من المبادئ والقيم، لا تتعارض مع ما جاء به الإسلام، بل على العكس تماماً، فهي بالتحديد ما جاء به الإسلام وتبناه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن تطبيق هذه المبادئ وإدارتها، تركها الاسلام للإجتهاد البشري، فلم يكن هناك نموذجاً مُوحداً تبنته الدولة الاسلامية طوال تاريخها، فلقد تعاقب على الحكم أفرادٌ وأُسرُ وقوميات أتى معظمها للحكم بأساليب وطرق مختلفة لا تَسْتندُ لأُسسٍ أو سننٍ دينية.

لقد وصل الإنسان الى النموذج الحالي للديمقراطية نتيجة لتراكم خبراته على مدى التاريخ، في إدارة شؤونه وشؤون مجتمعه ودولته.  ولكن رُغْمَ ما لهذا النموذج من عيوب ظاهرة ومستترة، إلا أنه يُعَدُّ النموذح الأنسب إلى الآن، في تطبيقِ المبادئ الديمقراطية المذكورة آنفاً، فالديمقراطية ليست سيادة الشعب كما يدّعي البعض ولكنها ربما تكون سيادة الاقلية الذين شاركوا في عملية الاقتراع والذين قد لا يتجاوزون نسبة 30% في أكثر الدول ديمقراطيةً. هذا الى جانب أن الحكم الديمقراطي قد لا يُنهي سُلطة الجماعات المستترة (الدولة العميقة) مثل عناصر المخابرات ورجال المال والاعلام و مافيات الجريمة المنظمة... الخ.  زِدْ على ذلك، أن الديمقراطيةُ عادةً ما تَسيرُ جنباً مع جنب مع الغِش، والذي هو في الحقيقة جزءٌ من اللعبة.  الديمقراطية أيضاً، لا تُنْهي الدكتاتورية بل تقوم بتفتيتها إلى دكتاتوريات صغيرة وعلى مستوي أدنى في هرم السلطة، فقد تتجسّدُ الدكتاتورية في رئيسِ مجلس بلدي أو محافظ أو رئيس مديرية أمن... الخ.  إلى جانب كل ذلك، فالديمقراطية تَفْترضُ نظاماً مثالياً من منظور القيم وهذا ليس موجوداً ولن يكون، وتَفْترضُ وجُودَ مواطناً واعياً وراشداً يستطيع إختيار الرجلَ المناسب للمنصبِ المناسب ولكن هذا ليس واقعياً فقد يُغَرْرُ بالمواطنِ وقد يُشْرى صَوْتَهُ... الخ.  أخيراً، الديمقراطيات الغربية لا علاقة لمُعْظَمِها بالعدالةِ الاجتماعية، حيث تَجِدُ في نفسِ الدولةِ بل في نفسِ المدينة، الغِناء الفاحش و الفقر المُقْدع.  فالديمقراطية قد تأتي بالحرية ولكن ليس بالضرورة أن تأتي بالعدل.

بالرغم من كلِ المَساوئُ المذكرة أعلاه للديمقراطية، فالبديل المتمثل في النظام الإستبدادي، هو أسوء بكثير، فالإستبداد لا يُصْلَحُ بِمَزيدٍ من الإستبداد ولكنَّ الديمقراطية يُمْكِنُ إصْلاحُها بِمزيدٍ من الديمقراطية. الديمقراطية إذاً، هي الخيار الأنسب ولكن علينا مراعاة المُعوِّقات الثقافية والواقعية التي ستواجه تطبيقها في بلدٍ كليبيا:

تاريخياً، العربُ قبلَ الاسلام كانوا يَزْدَرون الطاعة، فقد كانوا لا يخضعون لسلطانِ كما كان يفعلُ جيرانهم من الفرسِ والرومِ، فقريشٌ مثلاً، كانوا يقولون أنهم قبيلة لقّاحْ أي لا مَلِكَ لَهُم، وكانوا يتفاخرون بذلك. ثقافياً، الإستبداد مُتأصْلٌ لدينا في الاسرةِ وفي المدرسةِ وفي العملِ، فالأب مُستبد ومدير المدرسة مُستبد والرئيس في العملِ مُستبد. هذا إلى جانبِ أننا، حَسْبَ رأى أحمد مختار الشنقيطي، أمة تأنفُ (تزدري) التقليد وتُقصّر في الإجتهاد، فلا هي قلدت الديمقراطيات الغربية مثل ما فعلت الهند وماليزيا وتركيا، ولا أخذت نصيباً من الاجتهاد والابتكار للإتيانِ بالبديل.

واقعياً، لا يُمْكِنُ لدولة كليبيا تَجَرُّعَ الديمقراطية في مرة واحدة، فجِسمُها ليس مُهئٌ لذلك والجُرعة نفسها تحتوي عُيوباً كثيرة قد لا تستطيع دولة فتية كليبيا التعامل معها كما تفعل دولاً عريقة في الديمقراطية.  فحتى دول الأصل، تطورت الديمقراطية فيها بالتدريج وليس بجُرعة واحدة، فلقد أخذ هذا التطور أكثر من قرنينِ من الزمان قبل أن تَصِلَ إلى ما وصلت إليه اليوم.  وبالرغم من أن كل الثورات كانت للقضاء على الاستبداد وللمطالبة بمشاركة الشعب في السلطة، أي للمطالبة بالديمقراطية، إلا أن الديمقراطية لا يكفيها مشاركة الشعب في الأنتخابات بل تَتَطلبُ تَجَدّرَ مبادئ وقيم الديمقراطية في الدولة مع تَعَاقُب الأجيال.

المُعضِلة الأكثر تعقيداً والتي ستواجه الديمقراطية في ليبيا، هي أنها دولة رَيْعِية (Rentier State) أي أنها دولة لا ينتج مُواطنوها بل يعتمدون على دخلها من النفط الخام الذي تبيعه في الأسواق العالمية فيذهب ما يزيد على 80% من ميزانيتها السنوية كمرتيات للمواطنين،  أي انها دولة تُعِينُ شعبها ولا يُعِينها.  بطبيعة الحال، فإن شعباً كهذا، لن يَكْتَرِثَ بالمطالبة بتمثلٍ له في السلطة خاصة أن الكُلَ يتحصّلُ على مرتبه عمل أم لم يعمل، وأنه ليس مُلْزَماً بدفع ضرائب ولا رسوم سيادية من أي نوع، فالسُلطة ليست مَعْنية بمقولة لا ضرائب بدون تمثل (No taxation without representation)، فهي ليست في حاجة لضرائب من المواطنين ما دام هذا سَيُبْعِدَهُم عن المُشاركة في السُلطة ويُبْعِدَهُم عن تكوين مُجتمعاً مدنياً فعّالاً يُراقبُ سُلطتها وإدارتها لهذه الأموال الرَيْعِية.

بالنظر إلى ما تقدم، فالأمر يبدو قاتماً وحُلماً قد لا يتحقق في المدى المنظور ولكن على الليبيين أن يقتنعوا أن مبادئ الديمقراطية لا يختلف عليها أثنان و لا تتعارض مع قيم ومبادئ ديننا الحنيف ولكن، قد نختلف على آلية تطبيقها فليس بالضرورة أن تكون (نسخ ولصق) من الديمقراطية الغربية إذا كان في الإمكان الوصول إلى نفس الهدف بطرقٍ أخرى والتي قد تتطلب دراسات إجتماعية وسياسية وحوارات بين المهتمين بهذا الشأن.

في ما يَخُص مُعضلة كون ليبيا دولة رَيْعِية، فلنا في دولة النرويج مثالاً ينبغي أن يُحْتدى.  النرويج دولة مُصدرة للنفط الخام مند سَبْعينيات القرن الماضي ولكنها لم تكن في يوم من الأيام دولة رَيْعِية فلقد تَفَطَّن ساستها إلى خطورة ذلك مند البداية، فلقد تم في السنوات الأولى توجيه إراداتها من النفط لتسديد ديونها الخارجية وفي سنة 1990 أنشأت صندوق النفط الحكومي (Government Petroleum Fund)، غُيَّرَ مُسمَّاه سنة 2006 إلى صندوق التقاعد الحكومي العالمي (Government Pension Fund Global)، يتبع هذا الصندوق للدولة وليس للحكومات المُتعاقبة يدّ طُولى عليه في ما عدا الفوائد السنوية الناتجة عن إستثمار أمواله والتي قُدِّرت بـ 4 % من القيمة الإجمالية لموجودات الصندوق، وهذا الإجراء حقق هدفين في غاية الأهمية وهما، أولاً،  أنه حَدَّ من قُدرة الحكومة على زيادة الإنفاق تبعاً لزيادة إيرادات النفط، ثانياً، ان اقتصار تمويل الإنفاق الحكومي على عوائد استثمارات الصندوق فقط وليس على الإيرادات نفسها، ضَمَنَ عدم استهلاك إيرادات النفط بشكل مباشر.

هذا إلى جانب أنه حُظِر على الصندوق استثمار أي من موجوداته داخل النرويج وألزم باستثمارها في أصولٍ أجنبية فقط، وهو إجراء في غايةِ الأهمية أسهم في تحقيق هدفين مُهِمّين أيضًا، أولاً، أنهُ وفَّر آلية لحماية سُوق الصرف الأجنبي من تأثير تدفقات إيرادات النفط وثانياً، إقتصار استثمارات الصندوق على الاستثمار الخارجي فقط، مَنَع دخول الدولة مُنافساً على الفُرصِ الاستثمارية المحلية وحَدَّ من تضخم أسعار الأصول محلياً، مما أتاح مجالاً أوسع للقطاعِ الخاص لِلَعِبِ دور أكبر في النشاط الاقتصادي.

 بِنهايةِ النصف الأول من عام 2012 بَلَغَ إجمالي موجودات صندوق التقاعد الحكومي العالمي 3561 مليار كرونا نرويجية أو ما يعادل 595 مليار دولار أمريكي، مُوزعةٌ على استثمارات مالية وعقارية في العديد من الأسواق العالمية بفوائد تتجاوز 24 مليار دولار في تلك السنة، أُحِيلت الأخيرة إلى ميزانية الدولة في تلك السنة.  وهكذا لَمْ يَكُن لتدني أسعار النفط أي تأثير مباشر على المواطن كما حَدَثَ ويَحْدثُ في الدول الرَيْعِية.

حفظ الله ليبيا

د. فرج أحمد قرمان

لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع