مقالات

أحمد علي أبومهارة

"فوضى الأبيض المتوسط وتفاقم أزمة المهاجرين الأفارقة"

أرشيف الكاتب
2016/07/09 على الساعة 12:34

ظلت هجرة الأفارقة  إلى القارة الأوروبية الهاجس الذي يؤرق أوروبا وخطرا ديموغرافيا يهدد القارة العجوز، حيث لم يستطع الاتحاد الأوروبي بدوله المجتمعة وبإمكانياته المسخرة صد هذا الخطر، وقد استخدم العقيد الليبي معمر القذافي التهديد بهذا الخطر أيما تهديد.

"أوروبا السوداء والبحر الأبيض المتوسط  بحر من الفوضى" تصريحات كان يطلقها القذافي بين الحين والآخر مهددا أوروبا، الاتحاد الأوروبي يعي جيدا ما يقوله القذافي، ويعلمون أن ليبيا بموقعها الجغرافي قادرة على تحويل الأبيض المتوسط لبحر من الفوضى تملؤه قوارب المهاجرين، لذلك سارعوا إلى عقد الاتفاقيات مع ليبيا للحد من الهجرة ودفعوا ملايين الدولارات لجعل الحدود الليبية أقوى تمنع عنهم تسرب المهاجرين، واستقبلت طرابلس وسرت الوفود الأوروبية التي جاءت لإقامة أفضل علاقة ممكنة مع نظام العقيد لتأتي في عام 2011 لتشارك في حملة إسقاطه.

انتهى حكم القذافي ودخلت ليبيا مرحلة الفوضى وشاركت أوروبا عبر حلفها الاطلسي (الناتو) في زعزعة استقرار الدولة التي منعت عنهم وفود المهاجرين لتكون النتيجة بعد ست سنوات من تدخلهم حدوث ما يخشوه، آلاف الملاجئ التي تأوي المهاجرين تمتد من الجنوب الليبي حتى الشمال المتحينين لفرصة عبور الشواطئ الليبية وصولا لأوروبا.

فمن يعصم عن أوروبا أفواج المهاجرين؟

"وزير الدفاع البريطاني مايكل فالون يرى أن أي معالجة أوروبية لأزمة المهاجرين لا ينبغي أن تقتصر على عمليات إنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط، بل يجب أن تنظر في ايجاد حلول لجذور مشكلة الهجرة، ومعرفة الأسباب التي تدفع الناس لترك بلدانهم وبالتالي المساعدة في تحقيق الاستقرار لهذه الدول وصولا لوقف الهجرة الجماعية منها، وعلى الاتحاد الأوروبي أن يدرك أن مزيدا من المهاجرين سيفرون من موطنهم طالما أن الحروب مازالت مشتعلة فيها والفقر والاضطرابات وعدم الاستقرار، فتقديم يد العون لهذه الدول في إخماد الحرب وتنمية الاقتصاد واستئصال الفقر يمثل السبيل الأساسي لتسوية أزمة المهاجرين".

وهذا ما اتفق فيه، فالحروب المشتعلة ودرجة الفقر المستفحلة في أغنى قارة في العالم كأفريقيا هي التي دفعت الملايين من سكانها للمخاطرة بحياتهم متخذين من الهجرة وسيلة للوصول إلى القارة الأوروبية لعيش حياة أفضل من تلك التي يعيشوها في بلدانهم،  فالبرغم  من وفرة موارد أفريقيا الطبيعية إلا أنها القارة الأكثر فقرا، حيث يعيش نصف سكانها تقريبا على أقل من دولارين يوميا، ويعاني ربع سكانها الجوع، ونهشت بلدانها الحروب الأهلية والصراعات العرقية والإثنية و الانقلابات العسكرية ما انعكس على شعوب هذه القارة بالفقر وعدم الاستقرار الذي أدى إلى ازدياد أعداد المهاجرين، وقد ساهمت أوروبا وأمريكا عبر حكوماتها المتعاقبة والشركات  المتعددة الجنسية في تفاقم أزمة المهاجرين عبر سياساتها الاستعمارية القديمة والحديثة.

131 عاما والقارة الأفريقية تشهد تدافعا أوروبيا وأمريكيا للسيطرة على مواردها، وبالرغم من أن القرن العشرين شهد نضالات الشعوب الافريقية وتضحياتها من أجل الاستقلال وطرد المستعمر من أراضيها وهو ما تحقق لها، ألا أن الاستعمار عاد لأفريقيا بوجه آخر.

الاستعمار عن طريق الشركات المتعددة الجنسية التي أدت إلى تحطيم قدرات الدول القومية وفتح أبوابها أمام قوانين السوق العالمية وتحرير التجارة ومحاربة حكومات الدول عن طريق دعم المشكلات العنصرية والدينية وتكوين المليشيات المقاتلة للوصول إلى تفكيك الدول وتحويلها لدول عاجزة منتهكة السيادة، فالشركات المتعددة الجنسية العاملة في أفريقيا تعتبر المولد الرئيسي بالتعاون مع الحكومات لأسوأ انتهاكات في القارة إذ تستولي على الأراضي المملوكة للسكان الأصليين وتقوم بتعيين آلاف العمال بأجور غير آدمية وتستغل نفوذها بتقديم الرشاوى للمسئولين في البلدان الأفريقية وإلى حين تاريخ كتابة هذا المقال يوجد 18 ألف زيمبابوي مهجر في مقاطعة شيزيمبانجي يعيشون في مخيمات بسبب سيطرة شركة متخصصة في انتاج وقود الإيثانول لأراضي السكان لاستغلالها في انتاج هذا الوقود.

قال الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بدون أفريقيا سوف تنزلق فرنسا إلى مرتبة العالم الثالث، وقد سبقه سلفه فرانسوا ميتران وقال بدون أفريقيا فرنسا لن تملك أي تاريخ في القرن الواحد والعشرين، ومن أجل ذلك قامت فرنسا بالتدخل في شؤون القارة عبر تدبير الانقلابات العسكرية والمشاركة في الحروب الاهلية من خلال تجنيد المسلحين ما جعل القارة في حالة عدم استقرار، رؤساء توجو ومالي وافريقيا الوسطى وبوركينا فاسو وغيرهم كانوا ضحايا انقلابات عسكرية بسبب معارضتهم للتوحش الاستعماري الاقتصادي الفرنسي في القارة.

مليارات الدولارات التي يتم استثمارها في مشروعات النفط الأفريقي تنفق في بلدان أوروبا وأمريكا، بينما تبقى البلاد التي يستخرج منها النفط في وضع شديد البؤس والفقر، فمنطقة مثل دلتا النيجر تستخرج لايقل عن 2 مليون برميل نفط يوميا ومنذ أن اكتشف النفط في هذه المنطقة انتشرت فيها الحركات المسلحة المقاومة للقوات الحكومية النيجيرية والشركات النفطية التي عبثت بمخرجات النفط عن طريق السرقات ما أدى إلى وجود غضب شعبي طالب فيه المسلحون  الرئيس النيجيري الجنرال محمد بخاري بإعادة تقسيم عائدات النفط لكي تتمكن المنطقة وسكانها البالغ عددهم 28 مليون مواطن الاستفادة منه، هذا إلى جانب الصراعات الأخرى التي تشهدها هذه الدولة .

وعلى الجانب الغربي لدولة نيجيريا تقع دولة تشاد، الدولة التي مزقتها الصراعات القبلية والإثنية فمنذ أن نالت استقلالها لم تشهد هذه الدولة استقرارا يجعلها تنحو طريق التنمية حيث تحتل دائما قاع مؤشراتها فبلغت فيها نسبة الفقر 65% ويعيش ثلاثة أرباع سكانها على أقل من دولار يوميا ينفقوه في مسيرة هجرتهم الطويلة .

في عام 2003 اكتشف النفط في تشاد وبدأ تحالف قوى الفساد الخارجي مع قوى الفساد الداخلي لترسم مشروعا لنقله عبر خطوط أنابيب تصل إلى الكاميرون لترحيله عن طريق البحر ومن ثم سرقته وبيعه ولاتصل من عائداته للمواطنين إلا ما يكفي لشراء السلاح للنظام التشادي لقمعهم، ومازاد الأزمة التشادية سوءا الحرب الأهلية التي تقع في جارتها السودان حيث يلجأ الفارين من هذه الحرب إلى تشاد ليزداد العبء على هذه الدولة المنهكة أصلا .

تحدثت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في تقرير لها أن ما مجموعه 60 مليون شخص في أنحاء العالم يعيشون نازحين، وتوجد أكثر من نصف الصراعات المساهمة في هذا المجموع في القارة الأفريقية في أماكن مثل نيجيريا والصومال ومالي .

المسرح الأفريقي الحافل بالفساد والدموية زاد من شراهة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي المتعطشين دائما لأزمات الدول الداخلية فعن طريق سياساتهم التي يرسمونها من أجل الاستحواذ على مقدرات الشعوب جعلوا أفريقيا مدينه بثلثي دين العالم وبينما تلتزم الدول بالاستماع لنصائح الصندوق والبنك الدولي وتسدد الديون من ميزانيتها المخصصة في الأصل لتقديم الخدمات التعليمية والصحية يعيش سكان القارة أميون وتقتلهم الأمراض، وتجربة الصومال وموريتانيا خير شاهد على تجربة الوكالتين.

أفريقيا لم يترك لسكانها حتى الاستفادة من بدائيات الاستقرار فما إن يرعوا حيواناتهم أو يباشروا حرث أراضيهم لزراعتها حتى تأتي الشركات بالتعاون مع الحكومات الفاسدة  لتفتكها وتقيم مشاريعها النهبوية عليها، أو تنشب الحرب ليجدوا أنفسهم وقطعانهم مشردين ونازحين في صحراء لا مأوى  فيها  ولاغذاء  ليكملوا مسيرتهم مهاجرين عبر البحر سعيا للوصول إلى اوروبا.

ختام القول إن العمليات التي تقوم بها أوروبا في عرض البحر المتوسط ومحاولات الضغط على الحكومة الليبية من أجل إرجاع المهاجرين إلى ليبيا والسماح بتنفيذ دوريات بحرية داخل المياه الاقليمية الليبية ومراقبة حدودها البحرية لن تحل مشكلة الهجرة فليبيا ليست دولة مصدرة للمهاجرين وليست مقصدا لهم وإنما فقط دولة عبور.

إن أعداد المهاجرين الذين وصلوا إلى إيطاليا منذ بداية هذا العام الجاري وفقا لتقديرات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وصل إلى 48 ألف مهاجر معظمهم من دول الصحراء الأفريقية رغم كل الاجراءات التي يتبعها الاتحاد الاوروبي لوقف الهجرة، ما يدل على أن أي خطة لمواجهة الهجرة لا تتناول دعم الاستقرار في دول أفريقيا وعلى رأسها ليبيا سوف تدفع إلى مزيد من الفوضى.

هانيبال بن محمد | 09/07/2016 على الساعة 19:53
رسالة للكاتب المستجد
لا يزال هناك تذبذب في بعض الاصطلاحات ، لكن علی صعيد عام مقال يفصل الأزمة ويفتح آفاق لأطفال السياسة في ليبيا لعلهم يفلحون ؛ من أجل مصلحتنا نحن كشعب ليبي
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع