مقالات

نورالدين خليفة النمر

سوسيولوجيا أخفاق الثورة

أرشيف الكاتب
2017/03/08 على الساعة 10:54

في كتابه الذي صدر بالفرنسية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي وترجم إلى العربية تقريبا في ذات الوقت بعنوان (الآسلام الأخلاق والسياسة) دعى المفكر الجزائري وأستاذ تاريخ الأفكارالأسلامي في السوربون الراحل محمّد أركون إلى إفتتاح فصل جديد لتفسير الأخفاق والفشل المتتالي في أجتماعيات الفكر العربي ـ الأسلامي  أسماه بعلم أجتماع الفشل أو الأخفاق هذه الدعوة إستثمرتها شخصيا في مقدمة أطروحة آكاديمية ناقشتها عام 1987 في جامعة طرابلس حول: (الكتابة في المعرفةالصوفية) بمادعوته بـ (سوسيولوجيا الكتابة،أو النص المخفق)، وأراني اليوم أستثمر هذا المسمّى مجدّدا في غياب شبه تام لعلم أجتماع ـ سياسي عربي منتج وفعّال في دراسة سوسيولوجية  تتالي مايشبه الفشل والأخفاق المحزن لمصائر ماشاع في السنوات الخمس الآخيرة بتسمية:(السيناريو الليبي للثورة) الذي ألتبس بعض ثوراث الربيع العربي والذي يتخوف أن ثوراث أو بلدان أخرى قد دخلت في نفقه.

عندما أنطلقت ثورة تحرير ليبيا من الآستبداد في 17. فبراير. 2011 كنت قفلت  للتو عائدا من العاصمة طرابلس التي وصلتها يوم هروب دكتاتور تونس "زين العابدين بن علي"وفي سبت مابعد جمعة الغضب في مصر التي أنهت حكم الدكتاتور الآخر "حسني مبارك" قفلت طائرا بسبب ظرف عائلي مبهض إلى ألمانيا مغتربي الذي يبدو أنّه يصير مع الوقت مكانا يشبه منفاي. من نافذة هذا المكان ـ المنفى عايشت يوما بيوم عبر وسائل الميديا المتعدّدة والتي لم تكن متاحة ذلك الوقت لليبيين في الداخل الإيقاع العفوي لثورتهم الذي لم تحسبه المراصد أو تتنبأ به وهو الأمر الذي تكرّر تقريبا في ذلك الوقت وإن بمدلولات مغايرة بما شابه الذي حدث في تونس. لقد تابعت إنطلاقة الثوّارالليبيين مفعما بزخم مشاعر الثورةالتي كنت رأيت قبل أسبوعين إستحالتها في عيونهم وأنا أسير في شوارع طرابلس التي خبرتها مذ كنت طفلا والمسكونة وقت ذاك باليأس والعدمية، المشّوهة بالضجيج والفوضى والمراكمة بالقمامة، تناغما مع سياسة الآتساخ المبرمجة إفسادا وأستبدادا لتتفيه الآنسان وتشويهه مظهرا وجوهرا.وخلال الأسبوعين الآخيرين من شهر فبراير 2011 وأنا المح إمارات التصميم على الآنتصار في عيون المنتفضين الليبيين تيقنت مثل  ماتيقنت المفكرة والسوسيولوجية الألمانيةالمرموقة (حنا أرنت): بأن الثورات الشعبية ضد حكام يتمتعون بقوة مادية هائلة... قد تسفر عن قوة لا يمكن مقاومتها حتى لو لم تمارس العنف في وجه قاتلين مدججين بالسلاح. وأن توصف بأنها "مقاومة سلبية"، فكرة لامعنى لها إذ أنها واحدة من أعظم طرق العمل التي يمكن تصورها فعالية ونجاحا، لأنه لا يمكن مواجهتها بالقتال، حيث يمكن أن يكون هناك نصر أو هزيمة، لكن فقط بالإعتداء الشامل الذي لن يكون نصره إلا هزيمة... حيث لا يمكن حكم الموتى). هذه الجملة المستبصرة والملهمة أيضاالتي أكّدت يقيني بأنتصار الثورة الليبية وهي تخطو خطواتها الأولى المبتدئة لهزيمة النظام الدكتاتوري الخرافي المقيت جعلني أتعامى لاواعيا عن رؤية تفاصيل أخفاقاتها التي بدأت تنمو ككرة الثلج: الإقصاءاليومي للحراك السياسي لما سمّى بإئتلاف 17 فبراير المدني،وتوظيف رمزية فبراير في تأسيس كتائب مسلّحة ومؤدلجة دينيا، عشوائية مظهريات التسلّح، تنامي مضمون إسلاموي شعبوي لساحة المحكمة في بنغازي التي أنطلقت منها الثورة على حساب المضمون الديمقراطي، وتحوير بل تزييف دور المرأة التي أطلقت الروح في المشهديات السياسية للثورة، العنف اللفظي المضاد، والرمزيات ذات الحمولات التعصبيّة، ضبابية عمل المجلس الوطني الأنتقالي، والمآل المؤسف للجنرال عبد الفتاح يونس رئيس أركان جيش الثورة وتداعيات أغتياله.

وحتى أتحرر من غبش ضباب البصيرة هذا واتفهّم الظاهرة السوسيولوجية لما يبدو امامي إخفاقا يلابس  الثورة الليبية منذ خطواتها الأولى تخيرت من ذاكرتي الثقافية والسياسية مصير اثوريا بدا لي مقاربا كتب الفصول المتفائلة الأولى فيه المارتنيكي "فرانتز فانون" وكتب مكر التاريخ وحيفه ربما فصوله شبه الآخيرة. الكتاب أسمه"السنةالخامسة للثورةالجزائرية: وضع له مترجمه للعربية عنوانا موّفقا  هو: (سوسيولوجية ثورة) ولكن مضمونه وروحه تعدّى هذا العنوان ليكون سوسيولوجية أمة جزائرية على مشارف التحرّر، أرتبط فانون بنضالها بتخلّيه عن وظيفته طبيبا ومعالجا نفسيا في مستشفى "مدينةالبليدة"التابع للجيش الفرنسي في الجزائر المستعمرة وألتحاقه مناضلا سياسيا بزخم ثورة التحرير الجزائرية التي ألهمت لاحقا أفكاره في الثورة الآفريقية التي توجها كتابه ـ المانفستو: (معذبو الآرض).فانون وقدأعمته طوباويات الثورة الأفريقية العالمثالثية التي نمذجتها الجزائر وأشعلت أوارها عجز أن يري ضروب النقص والفشل الضاربة بجذورها في الثقافة المجتمعية في المغرب الشمال ـ أفريقي تلك التي آبان معالمهاالتشاؤمية منذ ثمانية قرون العلامة "ابن خلدون". وأبنت تفصيلا من تفصيلاتها في دراسة لي نشرتها في مجلّة "الفصول الاربعة" الليبية المأسوف عليها عام 1993 بعنوان (رجل القلة رؤية خلدونية لمشكلة إنسان مابعد الحضارة). ينطلق فانون في كتابه(سوسيولوجية ثورة) من مقاربة سوسيولوجية بهرتني وأثارت أهتمامي لتقاطعها مع مقاربات سيميولوجية شرع المنتفضون الليبيون في 17. 02. 2011 إزاء عنف الدكتاتور القذافي وألته الحربية التي واجهتهم يحدثونها بعفوية تحويرا في الرمزيات الآيقونية التي تمسّ الأشياء والأشخاص في المجال الهوياتي الأستقلالي الليبي: كالرمزيات الآيقونية لصورتي المناضل ضد الآستعمار الفاشي الآيطالي "عمر المختار" ومؤسس أستقلال ليبيا الحديث الملك "أدريس السنوسي"، وعلم دولة الآستقلال برمزياته والوانه الأربعة المبهرة والنشيد الوطني اللذين طمسهما في الضمير الليبي لأربعة عقود أنقلابيو سبتمبر المشئوم في عام 1969.

وأنا أقرأ بعيون جديدة فتّحتها ثورة التحرير الليبية المقاربات السوسيولوجية التي اعتمدها" فانون" وقت ذاك ورأى أن الثورة تحدثها بفعل الثوار في أشياء العالم المحيط بهم مركّزا على تحويرين أيقونيين: لباس المرأة الجزائرية: الأسلامي الحجاب والأوروبي السفور ومتعلّقاته كاالمكياج اللذين يقومان بالمهام الثورية ذاتها، والراديو الذي يبث دعاية الأستعمار وثقافته المسمّمة المبغوضة وبديله وعلى نفس الآثير أخبار إذاعة ثورة التحرير وتعبوياتها التي تتجاوب معها العقول والأفئدة.إلا أن هذه المقاربات الثقافوية التي أسترسلت فيها تجاوبا مع مقاربات "فانون" والتي لم يكن ربما ذاك الوقت وقتها هي التي قد تكون أعمتني عن الفكرة البناءةوالجديرة بالتامل وإمعان الفكر التي بثها في كتابه والتي كنت اراها متقاطعة مع مشهد الآخفاق الذي يبدو ظاهرا أمامي. فهو ـ أي فانون ـ ينطلق من رؤية  مفادها:إن البشر ليسوا كتل حجارة صلبة ينهون مشوارهم كما بدأوه، بل هم كائنات حية تتفاعل مع الكون، لذلك تراهم وهم يقومون بفعل تغيير العالم يتغيرون هم أيضاً فالثورة هي الفكرة المتقدّمة التي تتطلب من الناس أن يتبدلوا في ذات الوقت الذي يبدّلون فيه العالم المحيط بهم.

لقد مات فانون للمفارقة في مستشفى في الولايات المتحدة الآميركية بسرطان الدم في فجر الستينيات، لهذا لم يتمكن من رؤية كل شيء أمامه: حقيقة الأخفاق المرّ للبشر الذين يشبهون للأسف والى حد ما بما نفاه عنهم كتل الحجارةالصلبة والذين تقريبا ينهون مشوارهم كما بدأوه وهو ما تجلى في توابع وزوابع مابعد أنتصار الثورة بأستقلال الجزائر عام 1962:أستيلاء جنرالات الجيش الوطني وهيمنتهم على السلطة حتى يوم الناس هذا ، الأنسداد السياسي الذي متلثه أحادية حزب جبهة التحرير، تنامي الدولتية وأقتصادها التابع  (الكمبرادوري) خلف الشعارات الفلحية وأشتراكية التسيير الذاتي وبعد ذلك الدولتي الممركز، التصاعد الجديد لأسلام أصولي فظّ وماضوي، الأنغلاق الثقافي والمجتمعي الذي قاد الجزائر إلى نفق الحرب الأهلية فيما سمّي (بالسنوات السوداء) التي لازالت جذورها المسمومة تنبت في أرض الجزائر حتى اليوم وكل معطيّات ضروب الفشل التي لفت الآنتباه إلى بعضها المفكر والآقتصادي المصري الشهير "سمير أمين" في كتاباته العديدة وحلّلها بتبصر وعمق فيما بعد. "غازي حيدوسي" خبير التخطيط الآقتصادي والمفكر الجزائري الذي واكب تجربةالسياسات المغلقة والتنميات المهدرة قرابة ثلاثة عقود في بلده بماأسماه في كتابه الذي صدر  بالفرنسية عام 1995 بعنوان (الجزائر: الأستقلال الناقص).

الثورات خصوصياتها ونمذجتها، نقصها وإخفاقاتها ؛ وحتى إفشالاتها ومضاداتها موضوعة عالجتها في شقها الذي يعني ثقافتنا ووجداناتنا وأنظمة معرفتنا عدا السلسة الفكرية الثمينة التي كتبت بقلم المفكر الجزائري "مالك بن نبي" في إبان الأزمة أو بمااسماه عنوانا لأحد كتبه(في مهب المعركة) وكتب أخرى تحت عنوان كبير موح هو (مشكلات النهضة) أو الحضارة. وكتابات "لعلي شريعتي، وعبد الله العروي، وانور عبد الملك وسمير أمين، ومحمد أركون وغيرهم" وفي الشق الغربي والعالمثالثي عدا كتب" فرانتز فانون - التي ذكرناها أنفا - كتب: "لحنا آرنت (في.. الثورة)، ولريجيس دوبريه في (الثورة في الثورة)، وليون تروتسكي في(الثورةالمغدورة)، وهربرت ماركوزة في (الثورة والثورة المضادة)، وكتاب لكاتب من اميركا اللاتينية في نفس الموضوع أقتنيته وقرأته لدى قدومي في منتصف السبعينيات من القرن الماضي إلى "بنغازي" لدراسة الفلسفة في جامعتها،وكتب أخرى قرأتها ونسيتها تقبع اليوم مع كتبي التي ألقت بها أيدي الآتلاف العائلي إلى الضياع الذي هو أحد تجليات مصائر الفشل الأخلاقي لأنسان ليبياالمخفق وهو مايبدو امامنا جليا اليوم في واقع المجتمع و السياسة.

نورالدين خليفة النمر

غومة | 08/03/2017 على الساعة 17:13
لا زلنا في مشكلة المفردات والتعريفات ومدى جدية استعمالهما...؟
الم تكن الكتابة داءماً سيسيولجية، من إلانا الى الاخر؟ ثم ان مشكلة الثورة لا تنحصر في التعريف فقط بل تمتد الى القوى والمجموعات آلتى وراءها والاهداف المرجوءة منها! ربما فانون اصاب جزءياً، نتيجة تفاوءل فترة الخمسينات وسيطرة فكرة التقدم، في ان اولءك الذين يحدثون التغير يتغيرون انفسهم. التاريخ اثبت عدم صحة تلك الفرضية، لان التغيير اجتماعي بطبيعته. لم تكن معظم ما اطلق عليهم ثورات في العالم العربي تجاوزت مفهوم ونتيجة الانتفاضات. ما اخفق تلك الانتفاضات من الوصول الى مستوي الثورات هو التمسك بهياكل الدولة الاستعمارية)neo-colonial state والاكتفاء فقط بتعريب الذين يقودونها، فإذا مِا أضيف الموروث الثقافي المتخلف الى عدم اعادة بناء الدولة من جديد على اسس حديثة وبعقد اجتماعي مبني علي مبداءي الحرية والعدل والمساواة، فان النتيجة هي تغلغل الفكر الأهوتي وسيطرته علي عقول البسطاء وغير البسطاء. واليك ليبيا وما سميته "ثورة" في القرن الواحد والعشرون. شكراً. غومة
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع