مقالات

نورالدين خليفة النمر

تويتر وتبعتُه ترُمب

أرشيف الكاتب
2017/03/06 على الساعة 09:35

من يتساءل عن علاقة مقالي بليبيا، فليرجع بذاكرته إلى ثمانينيّات القرن الـ20 حيث توحّدت نشرة أخبار التلفزيون الوحيد بانفراد إرادة الدكتاتور بتلفيق الحقائق بالأكاذيب ورمي بلدان الغرب المُعادي بالتوهمات كالصراع على السلطة الذي يعصف بالحكومات، والاضطرابات والإضرابات التي تحيق بالمجتمعات، وإن لم يجد فالعواصف والحرائق والزلازل والبراكين.

***

استخدام الرئيس الأميركي دونالد ترُمب تويتر فضاءً موازيا للميديا فيما يصرّح به من ادعاءات وتهجّمات، جعل الكل يبحث اليوم في الدور الذي تلعبه لغة التوصيل الأُحادي في تشكيل السياسات والتوجهات، وبناء المعتقدات والأفكار، وصياغة الأفعال والسلوكيات، بل تبريرها والتنصل من تبعاتها.

جورج أورويل من أوائل من كتبوا عن الدوافع التي تُلجيء اللغة السياسية إلى أن تُلبس الأكاذيب ثوب الحقائق بغرض الدفاع عن سياسات لا يمكن الدفاع عنها أو تبريرها في الواقع، كالسياسة المضادة للهجرة التي ينتهجها الرئيس ترُمب، وهو مايدفع النظم السياسية المُصدرة لهذه السياسات للترويج للغة الفاسدة المضلِّلة، ودعمها حتى تُصبح مهيمنة ومسيطرة، في السياق القيمي الذي تطلقه اليوم شبكات التواصل الاجتماعي ونظم الحسابات الشبكية التي تطوّق روّادها بـ "فقاعة معرفية" تزيد من ميل الناس إلى تشكيل آرائهم وقناعاتهم، بناء على المشاعر، أكثر من الحقائق، في ما يتعلق بالشؤون السياسية والعامة.

فيما دعاه المفكر الأميركـــي رالف كييـــس بـعالم "ما بعد الحقيقة Post- truth" يوضّب السياسي الوقائع حسب هواه، فبعد التصريح في19.02.2017 الذي ألمح فيه الرئيس دونالد ترُمب إلى أن دولة السويد كانت قبل يومين هدفا لهجوم إرهابي، يأتي التغريد على توتير لتبريرهذا التصريح المتفلّت أمام استنكار الرأي العام السويدي، الذي دفع الرئيس ترمب إلى التهرّب من المسؤولية بإلقاء التبعة على شبكة "فوكس نيوز" التي بثت برنامجاً حول قضية المهاجرين ومشاكلهم في السويد. بينما الوقائع التي بثتها الشبكة التلفزيونية وبنى عليها الرئيس ترُمب مختلقاته، رصدت فقط تصاعد أعمال عنف، وحالات اغتصاب، رافقت تدفّق المهاجرين إلى هذا البلد الأسكندنافي الذي ميّزت سياسته بخصوص الهجرة المهنية والاعتدال.

الفيلسوف الأميركي هاري ج. فرانكفُورت يميّز بين الكاذب الذي ينتهك الحقيقة وهو على يقين من وجودها وبين من أسماه بـ "محترف الهُراء "الذي يضيع في بحر أكاذيبه، فلم يعد يعي حدود نهاية الحقيقة وبداية الأكاذيب. فالمجلس السويدى الوطنى للدفاع، الذي تقوم وظيفته الأمنية على مبدأ تحرّي الحقيقة لرسم السياسة الأمنية يرّد على مختلقات الرئيس ترُمب بأن مارصدته الـ "فوكس نيوز"هو دمجٌ خاطيء، بين العنف المرتبط بتجارة المخدرات فى المدن السويدية، وبين تصاعد وتيرة الجرائم التى يرتكبها اللاجئون.

للوصول إلى هدفه بغرض السعي إلى النفاد بمصالحه يندّد السياسي كـ "محترف هراء" بـ "فساد النظام" وتلفه، فالرئيس ترُمب اُنتخب ليس لكونه ديماغوجيًا فقط، بل لأنه كشف للعامّة بعضاً من عيوب الليبرالية المجدّدة، وأمراض النظام الاقتصادي الأميركي الراهن، وفي الوقت الذي ركّز الخطاب الليبرالي المنافس على حقوق الأقليات والمهاجرين، ركّز ترُمب خطابه على انشغالات الأميركي ممثّل الطبقة الوسطى أوالأغلبية المحرومة التي أهملها النظام مما أولد ماسمّي بالطبقة الصدئة التي تميل في عمومها إلى تصديق التعليل السطحي الملموس في وضوحه بأن تراجع الحالة الاقتصادية في أميركا والغرب سببه اللاجئون والأجانب، وأن طرحاً مُبسّطاً للمشكلة الأمنية برميّ المسلم مُسبقاً بوصمة الإرهاب، يكون تعويضاً ملائماً لتحليل معقّد لظاهرة الإرهاب القاعدي الإسلامي.

موضوعة فرانكفُورت الفكرية تكشف أخطار التشذّر والتفكك في المجتمعات الديمقراطية التي تختلط فيها الحدود بين الأشياء والكلمات بين الوقائع والأكاذيب. فـالمجتمع الديمقراطي يخسر أسسه عندما يغيب فيه الإجماع على معنى الكلمات وحقيقة الوقائع، ويُسمح فيه للسياسي أن يبث مختلقات خياله بحسبانها وقائع، فثقة الناس تهتز بشعورهم أن الممسكين بمقاليد الحياة الاجتماعية والسياسية يغشّون وينشرون معلومات كاذبة لتعزيز مصالحهم ومواقعهم.

يبقى اللافت هذه المرّة في إعلان الرئيس ترُمب عن حدث إرهابي موهوم ضرب دولة السويد وتبريره أن التباس الحدود بين الحقيقي والخيالي، وبين النزاهة وغيابها، وبين الخيال والواقع الفعلي، قد تجاوز الحيز الغامض والملتبس لمسرح المعارك السياسية والانتخابية بين الأحزاب والمؤسسات في البلدان الديمقراطية، ليمّس باضطرابه وفوضاه العلاقات البينية بين البلدان الغربية ذاتها.

نورالدين خليفة النمر

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
غومة | 06/03/2017 على الساعة 22:51
ليس هناك حقاءق مطلقة، لكل حقيقته، الوساءل إنما تعبر عن ذلك...؟
يبقى إثبات علاقة الموضوع بظروف ليبيا بحاجة للإثبات ! ليس هناك كثير من التشابه بين احتكار وتوجيه وساءل الاتصال والإعلام وبين تعددية هذه الوساءل واستعمالها ربما لإرباك المستمع وليس بالضرورة لتضليله.. فالمواطن الامريكي في حالة أظطراب من الفوضى التي تسود وساءل إيصال الأخبار للمستهلك. نتيجة تعدد هذه الوساءل وكذلك تعدد الاّراء والتحليلات. فعادة ليس هناك خبر في حد ذاته بل هناك خبر وصل عن طريق جهة ما ومحلل له نظرته الخاصة واغراضه المبطنة في بعض الاحيان. فكون ترامب سمع خبر واستعمله في محولاته لاقناع الراى العام في حربه ضد الاٍرهاب فهذا يقع في السياق ان هناك أزمة دولية سببها او اتهمت فيها الجمعات المتطرفة الاسلامية. ما يسمى بصناعة الأفكار والحقاءق البديلة كانت داءماً موجودة وجزء من وساءل الذين يوجهون الاعلام ويبيعون بضاءعهم الجيدة مع المغشوشة. الفرق الوحيد بين ما كان واليوم هو انه لم يكن في الوجود تعدد الوساءل والاراء التي هي متاحة الان وتستطيع ان تجابه بحاقاءق بديلة. وحيث انه لا توجد حقاءق مطلقة فبالتالي كل ياءتي بحقيقته والسوق الإعلامية المفتوحة تغربل الجيد من الرث. شكراً. غومة
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع