مقالات

محمد بن زكري

هوغو تشافيز... وأضاليل الليبراليين الجدد

أرشيف الكاتب
2017/03/05 على الساعة 11:43

على مدى الأربع سنوات الفائتة، انتهزت القوى اليمينية العولمية - المتمثلة في تيار الليبرالية الجديدة - فرصة رحيل الثائر المناضل هوغو تشافير رئيس جمهورية فنزويلا البوليفارية (5 مارس 2013)، لتنطلق أبواقها المبحوحة، تتجنى على الزعيم الثوري الراحل، وتفتئت على تجربته الاشتراكية زورا وبهتانا، لتشيع عن الرجل والتجربة كل ما يتناقض تناقضا كاملا مع الواقع، متبنية في حملتها التشويهية المسعورة ما يبثه الإعلام الأميركي المعبر عن مصالح الشركات متعددة الجنسيات، على نمط ما تبثه شبكة فوكس نيوز وسلسلة الوسائل الإعلامية المملوكة لمردوخ، وما يروج له المحافظون الجددومنظرو نظام العولمة الراسمالية، وفي مقدمتهم المتأثرون بأطروحة فرانسيس فوكوياما عن نهاية التاريخ، المتقاطعة مع أضاليل صامويل هنتنغتون الفكرية عن صدام الحضاراتونهائية مبادئونظام الليبرالية الاقتصادية عوْلميا، ذهابا  إلى أن تشافيز لم يكن غير دكتاتور مستبد، قاد فنزويلا إلى الفقر والتخلف، من خلال (اعتناقه) وتطبيقه للماركسية، التي لا تخرج - في رأي أبواق الليبرالية الجديدة - عن كونها دينا كباقي الأديان المسؤولة عن تخلف الأمموالشعوب!

وبصرف النظر عن كون تشافيز لم يكن شيوعيا ولا ماركسيا - بالمفهوم العلمي الدقيق للمصطلحين - فإن طلاب السنوات الأولى في كليات الاقتصاد والعلوم السياسية، يعرفون أن الماركسية هي نظرية في الاقتصاد عموما والاقتصاد السياسي خصوصا، وضع أسسها كارل ماركس في كتابه الموسوعي (6 مجلدات) الذي يحمل عنوان (راس المال)، في قراءة موضوعية (مادية / تاريخية) تحليلية علمية بحتة، وهي بالتالي تتنافي بالمطلق مع مفهوم الدين، كعقيدة غيبية ليست سوى نتاج ساذج للعقل الخرافي، في فجر طفولة العقل البشري.

وصحيح أن الشعوب المبتلاة بالتخلف والجهل، إنما هي مبتلاة أصلا بالاستلابات اللاحضارية، نكوصا إلى عصور عبادة الطواطم وتأليه الحكام المستبدين، بمرجعية عبادة الأسلاف، حيث يكون الزعيم بمثابة الأب المتسلط المحاط بهالة من القداسة الأرواحية، إلا أن هذا التوصيف لا ينطبق أبدا على الزعماء الثوار اليساريين، الذين أحسنوا الإصغاء لشعوبهم، وأحسنوا الامتثال لإرادتها، وأحسنوا الاستجابة لرغباتها، وأحسنوا التعبير عن تطلعاتها، وإلا لفقدَ النضال من أجل الحريةوالمساواةوالعدالة الاجتماعية - وسط الفقراءوبالفقراءولمصلحة الفقراء - مفهومه الفكريومحتواه التقدمي الإنساني، ولفقدَ مناضل ثوري مثل جيفارا رمزيته النضالية التاريخية.

لقد كانت فنزويلا طيلة حقب الحكم الدكتاتوري الطبقي، السابقة لتجربة تشافيز البوليفارية، عبارة عن جزء من الحديقة الخلفية للولايات المتحدة، فيما يسمى جمهوريات الموز، وكانت مجرد دولة متخلفة تدور في فلك التبعية الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة الأميركية، التي تحتكر صناعة النفط في البلاد، ويعيش أكثر من 95 % من سكانها تحت خط الفقر المعياري لدول العالم الثالث، وتبلغ نسبة الأمية فيها نفس الرقم، وتستحوذ الطبقة الكومبرادورية الحاكمة على الفتات - الريعي كبير الحجم - الذي تتخلى عنه أميركا من عائدات الاستثمارات النفطية.

وبوصول تشافيز الى السلطة، أمم صناعة النفط، وسخّر عائداته لتنفيذ خطة تنمية شاملة، أعادت توزيع الثروة الوطنية لصالح الفقراء والمحرومين، ونشرت التعليم المجاني بجميع مراحله على امتداد الأرض الفنزويلية.. مع صرف وجبتين لكل طالب في اليوم الدراسي، وقضت على الأمية، وأوصلت خدمات الرعاية الطبية المجانية المتكاملة إلى أقصى قرى الريف الفنزويلي. وبالطبع فإن ذلك يتناقض مع مصالح الطبقة الاستغلالية، متقاطعة المصالح مع حكومة وول ستريت في نيويورك. ومن ثم فقد دبرت أميركاوعملاؤها انقلابا عسكريا (سنة 2002)، حاول الإطاحة بالرئيس الشرعي، الذي أتى به الفقراء (للمرة الثانية) إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، غير أن ملايين الفقراء - الذين أنصفهم تشافيز -  أفشلوا الانقلاب، وأعادوه إلى السلطة.

وعلى الرغم من بعض المآخذ على تشافيز (كتعديل الدستور بجعل فترات  الرئاسة غير محددة المرات، رغم أن التعديل تم باستفتاء شعبي)، فإن الرجل عاشومات نظيف اليد، مُقرناً القول بالعمل في تطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية، منحازا للطبقة الأقل حظا من ثروة المجتمع، لم يستطع خصومهوأعداؤه بالداخلوالخارج أن يسجلوا عليه واقعة فساد واحدة مهما ضَؤل حجمها. وإذا كان الفضل هو ما شهد به الأعداء، فإن حكومات النظم اليمينية في أميركا اللاتينية - بل وحتى الولايات المتحدة نفسها - شهدت للرجل بأنه كان زعيما وطنيا، أخلص في خدمة وطنه وشعبه. بل وشهدت له الحكومات اليمينية في أميركا الجنوبية بالفضل، في محاولته إرساء مبدأ التكامل الاقتصاديوالسياسي بين دول القارة، بهدف تخليصها من الهيمنة الأميركية، وتجنيبها الوقوع في فخاخ الارتهان للبنك الدوليوصندوق النقد الدولي.

ومع اختلاف مفهوميْ الديمقراطية والدكتاتورية، من ثقافة إلى أخرى. ومع الإدانة المطلقة لأي شكل من الدكتاتورية. ومع أن تشافير لم يكن دكتاتورا، فيا ليت كل الدول المتخلفة والشعوب المفقَرة، تحظى بدكتاتور من طراز هوغو تشافيز. أفليس ذلك أفضل كثيرا - بما لا تستقيم معه أية مقارنة - مما يجري في ليبيا / نموذجا، من ديمقراطية الفوضى الخلاقة، التي نظّر لها الليبراليون الجدد في الولايات المتحدة، والتي بشرتنا بها كوندوليزا رايس؟ أفليس الزعيم الجزائري العظيم (هواري بومدين) الذي حكم البلاد 13 سنة بيد من حديد، هو الذي أقام بناء دولة الجزائر الحديثة القوية، دون أنْ تعرف والدته أنّ ابنها رئيس دولة، ودون أن يميز أي واحد من أقاربه عن بقية أبناء الشعب الجزائري، ودون أن يتناول وجبة إلا من نفس طعام الإعاشة للجنود في ثكنات الجيش، ومات فقيرا لم يجدوا في حسابه سوى 2500 دينار جزائري (أي حوالي 25 دولار أميركي)؟ بل أليس الزعيم التونسي الحبيب بورقيبة، الذي كان دكتاتورا مطلقا، والذي عاش ومات نزيها فقيرا، هو من بَنا تونس الحديثة، وهو من حرر المرأة التونسية من أغلال ثقافة المجتمع البطريركيواستلابات التخلف الاجتماعي، في حين تتعرض الآن تلك المكتسبات الحضارية للانتكاس، تحت سلطة النظام (الديمقراطي) لتحالف الإخوان المسلمين والليبراليين الجدد؟.

هذا.. على أنه كما نقول: لا للدكتاتورية، فإننا نقول بأعلى درجات صوت النضال من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية: لا لأضاليل الليبرالية الجديدة، المكرسة لتشويه رموز ثورة التحرر الوطني / الاجتماعي، وطمس ما سطروه من إنجازات حضارية، في تاريخ الإنسانية التقدمية. فالتحية للمناضل البوليفاري هوغو تشافيز (في الذكرى الرابعة لرحيله)، وهو الرجل الذي خرج بوطنه فنزويلا من الدوران في فلك التبعية للإمبريالية الأميركية، والذي سخّر عائدات بيع النفط للتوظيف في مشاريع التنمية الشاملة لبلده، والذي كرس حياته منحازا لمصلحة المحرومين والمهمشين من أبناء شعبه، إلى الدرجة التي جعلت منه رمزا للدفاع عن الفقراء، والذي عمل للنأي بأميركا اللاتينية عن الارتهان لشروط وابتزاز البنكوصندوق النقد الدوليين ، كأداتين من أدوات العولمة الراسمالية والاستعمار الجديد.

ورغم كل ضجيج أبواق الليبرالية الجديدةوذيولها من قوى الرجعية العالمية. ورغم  كل عواصف الرماد الأسود، التي يثيرها ذوو الاحتياجات العقلية الخاصة، فإن صورة الكومانتدانتي هوغو تشافيز بقميصه الأحمر، تظل محفورة في أفئدة الملايين من أبناء شعبه، ويظل الزعيم البوليفاري تشافيز واحدا من الرجال العظماء، الذين لن ينسى لهم التاريخ اختيارهم الانحياز إلى الجانب الصحيح من حركته. وأولا.. وأخيرا، يظل هوغو تشافيز - في ذاكرة ملايين الأحرار بالعالم -  الرئيس الذي ينحني ليُقبِّل أيدي أبناء شعبه الفقراء.

محمد بن زكري
5 مارس 2017

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
حفيد عقبة بن نافع | 06/03/2017 على الساعة 09:39
شكراً للكاتب على هذه اللفتة المتواضعة للمناضل هوغو تشافيز
شكراً للكاتب على هذه اللفتة المتواضعة للمناضل هوغو تشافيز . كان إحدى المناضلين الذين أحبوا شعوبهم وشعوبهم أحبتهم .
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع