مقالات

د. إبراهيم التركاوي

اليوم الآخر: الحس الغائب عن حياتنا!

أرشيف الكاتب
2017/03/04 على الساعة 12:52

إنّ قضية الإيمان باليوم الآخر تمثّل قضية مركزية لحياة الإنسان وحركته علي الأرض، وبدونها تفقد حياة الإنسان معناها وجوهرها. فالإيمان باليوم الآخر هو الذي يُشعر الإنسان بمسؤوليته، ويضبط مسيرته وسلوكه في الحياة، بل هو الدافع لفاعلية الإنسان في الكون وإعمارالأرض، والتي تتجلي في دقته في العمل، وإحسانه لفن الحياة.. {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} (الملك، 2)

وما استحالت الحياة خرابا ودمارا إلا من أناس لا يرجون لله وقارا، ولا يحسبون للآخرة حسابا.. كـ (فرعون) الطاغية المتكبّر الجبّار، الذي لم يكن يؤمن بالرجوع إلي الله في الآخرة، فذبّح الأبناء، واستحيا النساء، وفعل ما فعل.. {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ}. (القصص، 39) {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}. (غافر، 27) وما زالت البشرية تعاني من وحشية الحضارة المادية الطاغية، التي يحكمها المنطق الفرعوني، وتُقدّمُ ضحايا للتسابق في ابتكار أشد أنماط الأسلحة تخريبا وفتكا وتدميرا، لا لشيء، إلا لإشباع رغبة الاستعلاء والاستكبار في الأرض بغير الحق..!

وإن أكثر ما تعانيه أمتنا من المشكلات الأخلاقية والاقتصادية والسياسية، بسبب وهن الإحساس بحقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر، ممّا دفع معظم الناس إلي الأنانية  والظلم والجشع والطمع إلي غير حد..! مع أنه لا شيء يكبح جماح الإنسان، ويحدُّ من طغيانه وطمعه، ويهذّب سلوكه في الحياة، كدقة إحساسه الواعي بحقيقة اليوم الآخر، الذي يعود فيه الناس لرب العباد، {.. لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى}. (النجم،31) ولله درُّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذ قال: (مَنْ خَافَ اللهَ لَمْ يَشْفِ غَيْظَهُ، وَمَنِ اتْقَى اللهَ لَمْ يَصْنَعْ مَا يُرِيدُ، وَلَوْلَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَكَانَ غَيْرُ مَا تَرَوْنَ)!

إن آفة الآفات أن تنقلب الوسائل إلي غايات، وتكون الدنيا - وهي دار ممر - غاية الإنسان، ومبلغ علمه، كشأن أقوام نعي الله - عزّ وجلّ -، عليهم، وخاطب نبيّه صلى الله عليه وسلم، بالإعراض عنهم: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * ذَلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى}. (النجم، 30،29) ولذا اهتم الإسلام بترسيخ الإحساس الواعي بحقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر لدي المؤمن في غايته وسلوكه وتربيته:

* فجعل الإسلام (اليوم الآخر) غاية للإنسان في حياته، فقال الله - جلّ شأنه -، مخاطباً (قارون) علي لسان قومه: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}. (القصص 77) وقال - جلّ شأنه - في موطن آخر: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا}. (الإسراء، 19) ولما اجتمع نساء النبيّ صلى الله عليه وسلم يطالبنه بنفقة أوسع ومتاع أرغد، جاء الوحي يصادر هذا كله - فبيت النبوة غير بيت الملك - {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا}. (الأحزاب، 29،28) فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وبقين في كنف رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ربط الإسلام بين سعي الإنسان لعمارة الكون ودقة الإحساس بحقيقة الإيمان باليوم الآخر، بفهم عميق، وتوازن عجيب، لكيلا يغترّ الإنسان ويطغي.. فقال جلّ شأنه: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}. (الملك، 15) وإذا استوي الإنسان علي ما يركبه في السفر - من سيارة أوسفينة أوطائرة.. - ذكر نعمة ربه، وكبّر ثلاثا - كما جاء في السنة -، ثم قال: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ}. (الزخرف، 13،14) وكذلك ربط بين ضبط سلوك الإنسان المؤمن في الحياة  - قولا وفعلا - ودقة الإحساس الواعي بحقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خيرًا أو ليصمُتْ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليُكرِمْ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) البخاري ومسلم.

* وجاءت تربية الإسلام - صباح مساء - لدعم وتأكيد هذا التوازن العجيب بين تمتّع الإنسان بالحياة ودقة إحساسه الواعي بحقيقة الإيمان بالله واليوم الآخر.. عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ، قَالَ: (بِاسْمِكَ أَمُوتُ وَأَحْيَا)، وَإِذَا قَامَ قَالَ: (الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النُّشُورُ). وفي رواية عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (إِذَا أَوَى أَحَدُكُمْ إِلَى فِرَاشِهِ فَلْيَنْفُضْ فِرَاشَهُ بِدَاخِلَةِ إِزَارِهِ، فَإِنَّهُ لاَ يَدْرِي مَا خَلَفَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ: بِاسْمِكَ رَبِّي وَضَعْتُ جَنْبِي وَبِكَ أَرْفَعُهُ، إِنْ أَمْسَكْتَ نَفْسِي فَارْحَمْهَا، وَإِنْ أَرْسَلْتَهَا فَاحْفَظْهَا بِمَا تَحْفَظُ بِهِ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ). البخاري ومسلم وغيرهما. وهذا الحديث شرح للآية الكريمة: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. (الزمر، 42)

والمؤمن بإدراكه العميق، وحسه الواعي للآية والحديث معا، يشعر أن روحه في يد الله، وأنه قد يضع جنبه فلا يستيقظ إلا يوم النشور.. تُري مَن أدرك وأيقن أنّ روحَه في يد الله، ولا يدري، أتردُ إليه روحه أم لا، هل ينام غافلاً لاهياً، أوهل ينام ظالماً طاغياً؟!!

د. إبراهيم التركاوي
باحث أكاديمي في الفكر الإسلامي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
حفيد عقبة بن نافع | 06/03/2017 على الساعة 14:45
اللهم اهدنا وأصلحنا وتب علينا
شكراً للاخ الدكتور إبراهيم التركاوي . لو نحن الليبيين نفهم ونؤمن حق الإيمان باليوم الآخر ، لكان حالنا أفضل بكثير ممن نحن فيه . اللهم اهدنا وأصلحنا وتب علينا .
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع