مقالات

د. الهادي بوحمره

من أجل بناء دولة لكل الليبيين... القطيعة مع الماضي السياسي البعيد والقريب

أرشيف الكاتب
2014/10/19 على الساعة 16:20

من 1951م إلي 2014م مرت ليبيا بفترات حكم متعاقبة تباينت فيها مواقف الليبيين بين مؤيد ومعارض ولم يملك فيها الليبيون بشكل ديمقراطي حقيقي زمام الأمور إما لعدم اكتمال السيادة الليبية على الإقليم الليبي، إما للتمييز بين الليبيين وفق العائلات التي ينتمون إليها ووجود تمايز اجتماعي وفقا لتصنيف واقعي أو وفق انتمائهم الفردي للنظام وإيديولوجياته. فمن وجود القواعد الأجنبية على الأراضي الليبية وحكم العائلة  التي كان لها امتداد في كل منطقة بواسطة عائلات أخرى تضمن لها الولاء إلي حكم الفرد الذي تجاوز بصلاحياته صلاحيات الملك استنادا على الشرعية الثورية والذي حكم البلاد دون قواعد تضبط هذه الشرعية وانتهك الحقوق ومارس الاستبداد والاقصاء والتهميش ونصب المشانق للمعارضين إلي توسع هذه الانتهاكات بعد 17 فبراير والذي أعطى الأرضية لاستباحة مدن بكاملها وتحول الاستبداد من استبداد فرد الي استبداد منسوب لجماعات امتلكت السلاح مارسته ضد جماعات أخرى تحت شعارات فبراير التي اصبحت تعني لكثير من الليبيين التهجير والنزوح وسلب الممتلكات وتغول جماعات أو مدن على حساب غالبية ابناء الشعب الليبي  وتحولت الي حروب اشتعلت في جنوب البلاد وغربها وشرقها وراح ضحيتها كثير من الابرياء وما أفرزته واقعيا من امتيازات لهذه الفئات وكرسته الحكومات بشكل واقعي. وبما أن الطموح هو بناء دولة ذات سيادة كاملة ونظام ديمقراطي متكامل قائم على المساواة والحرية والعدالة والكرامة الانسانية وهو ما كان مفتقدا لكثير من الليبيين في العهد الملكي ثم في عهد النظام السابق ثم في عهد فبراير، لذلك نرى أنه من اللازم لبناء نظام دستوري يجمع كل الليبيين أن تكون هناك قطيعة مع الماضي السياسي القريب والبعيد وان تكون نقطة الانطلاق هي التوافق على بناء نظام سياسي وقانوني برموز وشعارات جديدة تجمع الكافة دون تمييز أي ليبيا جديدة بثوب جديد لا تستند لشعارات المملكة ولا لشعارات سبتمبر ولا شعارات فبراير. لأن كلها تجد نصيبا وافرا من الرفض من الذين لهم الحق الاستفتاء على الدستور الذي لا يمكن اعتماده الا بموافقة ثلثي المقترعين.

فالقطيعة مع هذا الماضي القريب والبعيد والحاضر الملئ بانتهاكات الحقوق والحريات على المستوي الفردي والجماعي هو – حسب وجه نظرنا- ضرورة بعد نزاعات مزقت النسيج الاجتماعي واحدثت شرخا اجتماعيا عميقا بين مكونات المجتمع الليبي. هذه القطيعة يمكن ان تتمظهر في الآتي:

أولا/ القطيعة مع الذات المتضخمة للفرد أو العائلة حيث مرت ليبيا بتضخيم اعتبار عائلات كانت مرتبطة بشكل أو بأخر بالاسرة المالكة أو بالنظام السابق ويتصرف النظام واقعيا على انها أولى أو انبل من غيرها وهو ما منع من تحقيق واقعي للنصوص القانونية التي بنيت على المواطنة. وقد تحولت هذه الذات المتضخمة بعد 17 فبراير إلي قبائل ومدن سمح لها الواقع الموصوف بالثوري بالتغول في الخطاب السياسي والاعلامي على بقية الليبيين وتبنت فكرة انها الأولى من غيرها في إدارة الدولة وبنائها الجديد وهو ما ظهر تحت تصنيف المدن الثائرة وغير الثائرة كتبرير لنزعة تسلطية استبدادية جديدة اخذت مظاهر واقعية في الساحة السياسية وتغير المسؤولون في ادارات الدولة بناء عليها.

ثانيا/ القطيعة مع كافة صور العصبية الجهوية والقبلية  التي كانت نتاجا لفكر جمعي متضخم كضرورة لبناء عقد اجتماعي مبني على المواطنة ويحدث المساواة القانونية والواقعية بين كافة المواطنين في كافة اوجه الخطاب القانوني والسياسي والاعلامي. ويقطع بشكل كامل مع توظيفات القبيلة او القومية او الجهة او المدينة لتحصيل مكتسبات فردية او جماعية على حساب بقية المواطنين او المناطق المكونة للتراب الليبي.

ثالثا/ القطعية مع كل فكر يسعى الي احتكار الدين واستغلاله واستعمال القوة من أجل فرض تصوراته وينكر دور المواطنين في صياغة نمط حياتهم في ظل نظام دستوري تسمو فيه الحرية في ظل ثوابت الشريعة الاسلامية ومقاصدها.

رابعا/ القطيعة مع العنف ومنع ترتب اي اثار على استعماله فلا حقوق تكتسب عن طريقه ولا تقادم لجرائمه ولا تطهير لمكتسباته.

خامسا/ قطيعة مع ذهنية تزوير الوعى وتزييف المواقف وتقديم نظام أي نظام على اساس انه هو نظام الحرية او نظام المساواة أو العدالة وهو نظام انتهكت في ظله السيادة الوطنية أو حريات الناس أو اعراضهم أو ممتلكاتهم وهو ما حدت بشكل أو بأخر في كافة الانظمة السياسية التي مرت بليييا فلا مجال للقول بان اي نظام هو نظام حرية يتمسك به الليبيون وقد تم في ظله التمييز والقتل والتهجير والتدمير للمدن والقري.

هذه القطيعة- حسب وجه نظرنا- هي بداية الاصلاح والبناء والانفتاح على جميع المكونات الاجتماعية والسياسية الليبية وعلى العالم الخارجي ببناء روابط مع دول العالم وفق سياسات حكيمة بعيدة عن الشعارات الزائفة والتحريض والانتقام.

ومن هنا فلا مجال للتمسك  لا بالنظام الملكي ولا بالنظام السابق ولا بفبراير فكلها يجب ان تعامل على انها احداث سياسية، وان النظام الدستوري هو نظام لليبيا ولكافة الليبيين فكما تحررت البلاد من النظام السابق يجب ان تتحرر من المرحلة الانتقالية بكافة شعاراتها ورموزها. ففي النظام السابق تم التأسيس لتقديس الفرد وقمع كل من يخرج عن ذلك وفي المرحلة الانتقالية تم التأسيس لدولة الخوف من الجماعات الجهوية فمن دولة الفرد الي دولة المليشيات الجهوية او الايديولوجية وزرعت بذور الاستبداد الجهوى والجمعي بدل استبداد الفرد وكما قمع النظام السابق معارضيه وكان مصيرهم إما القتل او السجن أو الشتات مارس المنتسبون لفبراير والرافعون لشعاراته التهجير والقتل والتعذيب والسلب والنهب وكبت الحريات وابشع صور الانتقام ضد معارضيه.

فمن أجل الاستقرار والعدالة والكرامة لكافة الليبيين يجب انهاء كافة الاوهام السياسية والايديولوجية والانظمة الاستبدادية القمعية ووقف عنجهية التمسك بالشعارات والرموز المكتوب عليها حرية وكرامة انسانية وهي تقطر دما وتتوشح بالاضطهاد والمهانة وتخفى مغالبة بين ابناء المجتمع الواحد تجعل البعض ينتظر الفرصة المناسبة لإسقاطها ولو بالدماء دون ان يمنعه من ذلك اي دستور يكتب (فالثورات تسقط الدساتير) بينما تجعل البعض الاخر يعيش في حالة ارضاء مؤقت لغرائز جهوية او فردية يكتنفها الخوف من المستقبل.

لا تعليقات على هذا الموضوع
إستفتاء
هل توافق علي مقترح “القطراني”: مرحلة انتقالية تحت سلطة الجيش بقيادة حفتر؟
نعم
لا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع