مقالات

خيرية فتحي عبد الجليل

مرعبُ هذا التوقع يا وطني

أرشيف الكاتب
2016/07/08 على الساعة 10:53

أجلس إلى طاولتي، على غير أهبة أكتب، كلمات تلتهم المسافات، هاهو وطني يمتد أمامي، مدنه، شوارعه، أزقته، أسواقه الشعبية وزيه الأنيق. أينما وطئتا قلمي وسبابتي  أسترد جزء من وطني الممزق على الورق لأنفث عزاً وبطولات ومجداً قديماً. أجاهد لأكتب لأعبر إلى العمق، أحاول استحضار مدنه من أرض موغلة في النسيان، ليبيا لا مكان لها على خارطة الفرح الآن، أي زمن رديء هذا؟!

أتناول هاتفي، أضبط إعداداته في وضع الطيران، أنعزل عن العالم لأكتب، أرتشف من كوب الشاي الموضوع أمامي، أرتشف بنشوة، أي سحر في هذا الكوب، لا تكتمل طقوس بوحي  إلا به، أحياناً أضع كوبين بين أوراقي المتناثرة، الأخر بنكهة النعناع، أرتعش لمجرد وجود هذا السائل الذهبي أمامي، أعشق احتساءه ببطء، كل قطرة كون هائلا من الكلام المدسوس الهامس سراً وسحراً.

تسترخي تلك الساحرة الأفريقية بكسل بين زر الكيبورد وسبابتي العاشقة، تلك الأنثى الفاتنة تباغت قريحتي بسحر باذخ لا يتكرر، يتعثر لها قلبي بين الورق، للوهلة الأولى تمسك بتلابيب قلمي  فيجر أسمها حباً ويدسّها "ليبيا" بين الكلمات  فأعبر إلى النوم  مثل خيال مبهم بين الحروف، أنام بين اللام والألف الممدودة في أخر الكلمة.

ألملم أوراقي المتناثرة التي تضج بالبوح وبالخطايا، سيرة ذاتية، مقال مبتور وقصيدة لا تكتمل، يعبث قلمي بالورقة، أستغرق في النبش، أحاول تأجيج الرواية  بصهيل الروح، أحاول كتابة شيئاً، شرح الحكاية، أهمس وتستمع الورقة إلى براكيني بكل الحواس، أهمس وتتنهد أزرار الحاسوب، تئن جدران  غرفتي، لا زالتْ بعضاً من رائحة حبري عالقة من بقية  بوحي  في ليلي الطويل، أكتب وأتنفس بخور الحبر الأزرق، أتسلل إلى بوابة الفجر مسكونة بالعبق، أستنشق عبير القصائد، أشاطر الكلمات سرها، لا سبيل إلى ترشيد الكلمات عندما تتحدث عن حب كبير وشاسع، تصبح فتاكة، طاغية الجمال مرعبة، تتقد، تهدر في نقش الحنين، شرسة في كتابة  الاشتياق، رائحة الوطن مدفونة هناك  بين أوراقي المتناثرة لها عبق لحاء النخيل في فزان، تتسرب وتنفذ عبر المسام،   تنفذ مباشرة إلى القلب، نحن عادة لا نجيد مخاطبة الوطن تظل لغتنا قاصرة وقصائدنا ظالمة وأفكارنا تعج برائحة الجغرافية البليدة والتاريخ المكتوب بخط رديء لا يجيد كتابته إلا الجبناء من المنتصرين، لنتبسط في الجلوس إلى الوطن، نأوي إليه ككائن نعرفه، نرتمي، نجلس إلى جواره  نلهج به كالدعاء، نغتسل بكمال جماله، نعيد مخاطبة "فزان" بلغة نخلة، و"درنة" نكتبها بماء ياسمينة ونشكل "برقة" بأبجدية التين والزيتون، دعونا نشيد بيوتاً من الشعر في ليل "بنغازي"  الطويل ونضيء السماء البعيدة بالقصائد التي لا تكتمل إلا عند تخوم " سرت "، أنا لا أتخيل أن أسلب متعة السفر براً  من البيضاء إلى طرابلس، مرعبُ هذا التوقع  يا وطني.

خيرية فتحي عبد الجليل
البيضاء - ليبيا

محمد علي المبروك | 10/07/2016 على الساعة 13:40
تحية
تحية للرائعة من روائع نساء ليبيا التى تصنع روائع النصوص فتنسجها بكل إتقان وتفان ، فلم اجد في نصوصك الا الروعة حفظك الله من الحسد والعين
آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع