مقالات

وفاء البوعيسي

رأس المال الشلافطي

أرشيف الكاتب
2016/07/07 على الساعة 19:30

كلمة شلافطي، كلمة محلية تُستعمل في طرابلس الغرب، لوصف من يُظهر سلوكاً ينم عن التخلف الفكري والتزمت الشديد، ورفض الجديد والغلظة مع المرأة، وغالباً ما تُوجه للبدوي، والقروي، وسكّان الدواخل والجبال.        
لقد سكن طرابلس ليبيون من كل مكان كما هو الحال ببنغازي، لكنها تفردت عن بنغازي بأنها لم ترتهن للدواخل والروح القبلية لمن سكنها، بل لمبادئ المدينة البرغماتية علاوة على كونها العاصمة، من حيث كونها واجهة البلاد الحضارية، لكن برغماتيتها ليست بتلك البرغماتية الضيقة، التي تعني أن يأتي الطرابلسي أولاً، بل تعني أن يعيش المرء حياته فيها كما يحب، وأن يترك غيره يعيش حياته كما يحب، هي مدينة تحب نفسها وتبحث دائماً عن مصلحتها، تكره الخراب وتعطيل المصالح وهدر الوقت في الشكوى. لذا كان طبيعياً أن تُعلي من مبدأ الفردية الذي يقوم على أن الفرد هو كيان إنساني مستقل وحر في اختياراته، وليس واجهةً لقبيلة أو مدينة أو عرق.   
يمكنني أن أقول بتأكيد كبير، إن البرغماتية الذكية التي تتصف بها طرابلس قد حمتها لحدٍ ما، من سياسات البَدوَنة التي اعتمدها القذافي منذ الثمانينات بالبلاد، بعكس سائر المدن الليبية الأخرى، والتي ما إن تتحرك فيها حتى تلمس حس الفضول طافحاً على الوجوه، والرقابة الصارمة على حركة النساء والغرباء ظاهرة للعيان، وحيث التحفظ الشديد في مظهر الجميع هو السمة الغالبة، والثرثرة وتبديد الوقت في "تقييد الأحوال"، والتحرش والشكوى يغلب على المبادرات الفردية وحتى الجماعية. أما في طرابلس فيتحرك الناس بتسامح ملحوظ، وكثير من النساء اخترن السفور، ولطالما قدن سياراتهن حتى وقتٍ متأخرٍ من الليل، والشُبان هناك كثيرٌ منهم يتميز بمظهرٍ عصري، وروح محبة للاستمتاع، وابتكار نشاطات شبابية خفيفة للمتعة، ورغم وجود "دار الإفتاء" و"الإخوان المسلمون" فيها، واحتلالها من قِبل أكبر عدد من المليشيات، التي تنتمي لمناطق الجبل الغربي والزاوية ومصراتة، إلا أنها لم تتغير كثيراً.     
للأسف، باتت طرابلس تشهد منذ فترة، غزواً من رؤوس أموال "شلافطية جداً"، تتدفق من جيوب تنتمي للدواخل والجوار المحافظ والتقليدي، فانقضّت على أغلب المشاريع التجارية الاستهلاكية وعلى رأسها المطاعم والمقاهي، لما لها من مكانة خاصة لدى الطرابلسية، حيث يقضون فيها أوقاتهم صحبة النساء والموسيقى وتدخين النارجيلة، بعيداً عن البيوت والمكاتب المغلقة. فقد اتجهت أغلب المطاعم والمقاهي، إلى تطبيق سياسة الفصل بين الجنسين على زبائنها، وبطرق منفّرة ومقيتة جداً، إذ خصصت للشُبان أماكن بجوار الباب، حيث الضوضاء والحركة المزعجة، أو في أطراف المكان بعيداً عن العائلات، أو في الطابق الأرضي، أو وضع فواصل أرابسك لحجب العائلات عنهم، حتى أن الخدمات تقدم لهم من فوق الحاجز الخشبي، كي لا يرى النادل النساء حتى يكاد الطعام يندلق على الأرض، ومن تلك المطاعم مطعم أرض الطعام، وبيروت، والبراكودا، والروبيان، ومطعم تقسيم والكثير جداً غيرها. في حين تمسّك عدد قليل منها بمشاركة الجنسين، كمطعم مورينا، وصلصة، وايطاليانو ستوري، والسفير. كما حافظت مقاهٍ محدودة على الطابع المختلط، كمقهى دي روما وكازا كاسي، وكافي تايم، وبافاروتي.
لقد التهمت رؤوس الأموال الشلافطية حتى المصائف، والمتنزهات، والمعارض، والمخابز، ومراكز التسوق بأنواعها. وعلى مدار اليوم بات من الملحوظ إزعاج الشُبان بالذات، لتجنب الاقتراب من العائلات، وتقديم النساء عليهم في الطوابير لأخذ حاجتهن والإسراع بالمغادرة، والرجال يتحفظون أحياناً على ذلك، لكن النساء للأسف صرن يستسهلن ذلك ويوافقن عليه، مما كرّس لهذه الظاهرة السلبية.  
إن المشاريع المذكورة تُدار بواسطة رؤوس أموال متخلفة، هدفها التهام قيم المجتمع الطرابلسي المنفتحة، وبالتدقيق في المسألة قليلاً، نلاحظ أن رأس المال الشلافطي هذا، يتعاطى مع القضايا الاجتماعية، وقضايا الترفيه والاستهلاك الاقتصادي، كما تتعاطى النخب السياسية والدينية مع قضايا الشأن العام تماماً، إذ تقوم الأخيرة بممارسة أدوار الهيمنة والمغالبة على كل القطاعات، لأجل إغراق المجتمع بالبداوة والانغلاق والتخلف، وتحجيم أدوار النساء ولجمهن، وإبعادهن عن المشهد، من خلال إجبارهن على الانزياح بعيداً ونسيان مبدأ الشراكة، والانشغال بأمنهن الشخصي طوال الوقت.      
إن سياسة أصحاب هذه الأموال، تكمن في استخدام السوق لتحقيق أغراضهم غير البريئة، لتفعيل مشروع تخريب شخصية النساء، وزجرهن عن الفضاء العمومي، فالسوق في معناه التقليدي لا يقوم إلا باجتماع شخصين أو أكثر، لعقد صفقة تعود على كليهما بالمنفعة، هذا الاجتماع  يتطلب بالضرورة أن يكون في مكان عام، وإبرام الصفقة يتطلب معاينة البضاعة أو تقدير الخدمة قبل الدفع، وهو أمر يستدعي التفكير والجدل، والمساومة بالأخذ والرد قبل التورط بالشراء، وحين يختبر المشتري ما يُقدم إليه، يعطي حكمه في الجودة، ليواصل الصفقة مع التاجر أو يتحول إلى غيره، وهو أمر يستنكره حتى الدين على المرأة، إذ ورد في أحاديث نبوية كثيرة، تحريم السوق على النساء إلا لضرورة ومع محرم، وتوعدت السُنة النساء بالعذاب لارتيادهن الأسواق وحدهن إلا لحاجة لا يمكن تأجيلها.
إن طمر النساء بالبيوت ونيابة الرجال عنهن في الشراء، أو اشتراط وجود رجل معهن أثناء التسوق، لتبليغ احتياجاتهن للبائع، من شأنه تصنيع امرأة مهزومة واتكالية، وعاطلة عن التفكير وعن خدمة نفسها وعائلتها، عدا عن تخويفها من الرجال والمجتمع. وهذا ما يعمل عليه أصحاب رؤوس المال الشلافطي، كما يعمل عليه أصحاب القرار السياسي والديني تماماً. وحل هذه المشكلة قبل أن تستفحل هو أمر ممكن، وهو بيد النساء بالذات، إذ عليهن أن يرفضن بشكل قاطع الاستيلاء على حصص الرجال في الطوابير، وتعلّم الصبر والتحمل معهم ما لم يكن هناك مانع صحي أو وجود أطفال بحاجة لرعايتها، والتوقف عن ارتياد محال التمييز العنصري ضدهن، والذهاب فقط للمحال المختلطة دون غيرها، وتشجيع أزواجهن وآبائهن على ذلك دائماً، بل والتحدث مع الشُبان بصراحة لأجل مقاطعة تلك الأماكن. فرأس المال مهما كان شهوانياً ومتخلفاً أو متشدداً، هو أيضا جبان. فالتاجر الذي تدفع طريقته في البيع، أو نوع البضاعة أو سعرها، الزبائن إلى الانصراف لدكان آخر، سيفكر مرتين بخطورة المجازفة في المضي بنفس الطريقة، على رزقه وزرق عياله، فيفعل كل ما يمكنه لاستعادة الزبائن من جديد. ولو فكرت النساء والرجال بطرابلس لوجدوا ألف طريقة، تجعل أولئك التجار يخلعون قيمهم المتخلفة في البيت، ليرتدوا قيماً أكثر انفتاحا بمحالهم التجارية، قبل أن يلتهموا المدينة كلها، كما التهموا مدناً غيرها من قبل.

* سبق نشر المقال بموقع هنا صوتك

* بامكانكم التعليق علي المقال بـ (موقع الكاتبة)

آخر الأخبار
إستفتاء
هل انت متفائل بان ليبيا ستخرج من ازمتها قريبا؟
نعم
لا
نعم ولكن ليس قريبا
+
إعادة
لمتابعة ليبيا المستقبل
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع