مقالات

محمد خليفة إدريس

للإعلام أوجه كثيرة

أرشيف الكاتب
2017/02/23 على الساعة 06:21

جعلت أغلب القنوات التي ظهرت على الساحة الليبية وظيفة الإعلام على الأخبار فقط في حين أن الإعلام "إخبار، تثقيف، تعليم، ترفيه" وهو ما انعكس سلبا على المزاج العام وأثر بشكل سلبي على عودة الحياة المدنية للبلاد. قد يقول قائل إن الإعلام ليس هو السبب الرئيس في عدم عودة الحياة المدنية، بل ينقل فقط ما يحدث، نعم اتفق معك في ذلك، ولكن لا ننكر أنه ساهم بشكل كبير في تأجيج الصراع وخلق البلبلة واتساع الهوة بين الفرقاء، ولعلنا نشبه دور الإعلام بدور الجوقة العسكرية التي تضبط إيقاع المسير في العروض العسكرية في حين أنها لا تقوم بتسيير الجنود ولا توجيههم، فالمتابع للإعلام يمكنه أن يلاحظ أن غالبية العاملين بالإعلام في الوقت الراهن لم يستثمروا الأشكال الصحفية والمواد الإعلامية - والتي تعني المسلسلات والمسرحيات والفلاشات الدعائية والبرامج الاجتماعية - بشكل عام في توجيه اهتمام الناس بعودة الأمور إلى نصابها فباتت القنوات تتهافت على ما يجلب نسب مشاهدة عالية وبات بعض المعدين والقائمين على البرامج كالذباب لا يحط إلا على القاذورات!!

الصورة المرافقة للمقال نشرت في التاسع من مايو عام 1754 وهي أول صورة كارتونية تنشر في صحيفة أمريكية ولكنها ما تزال عالقة في أذهان العاملين في الصحافة الأمريكية إلى يومنا هذا على الرغم من أنها نشرت قبل قرابة 258 سنة وكانت هذه الرسمة هي افتتاحية العدد وقد رسمها الرسام والعالم بنجامين فرانكلين وهو أحد مؤسسي الولايات المتحدة الأمريكية، وترمز الرسمة التي اتخذت من شكل الأفعى للمستعمرات الأمريكية الثمانية ويحمل كل جزء منها الأحرف الأولى لإحدى هذه المستعمرات وقد حاول فرانكلين توظيف اسطورة شعبية تتحدث عن افعى قسمت إلى أجزاء وقد اشترط لكي تعود إلى الحياة أن تجتمع اجزائها قبل الغروب وإلا فستتفتت إلى الأبد هذه اللوحة تمثل رمزية كبيرة لدى غالبية الأمريكيين لكونها نشرت قبل حوالي 22 عاما من نيل الولايات المتحدة استقلالها عن بريطانيا وقد نبهت وقتها لأهمية التوحد والاستقلال بل ويعزوا البعض لها دورا محوريا في الأحداث.

ما نحتاجه من إعلامنا التطرق للمواضيع بأشكال مختلفة لا تقتصر على حوارات صراع الديكة والوعود المسائية التي سرعان ما تتبخر بشروق شمس اليوم التالي، ولا لكيل التهم وتبادل السباب والشتائم،  فنحن نحتاج لأعمال هادفة، تجسد حلولا أو تحث على وضع حد للأوضاع الراهنة ومعالجات توقظ الجوانب الإنسانية لدى المتلقي، فمشاهدة الجثث والدمار جعل من السلوك العدواني سلوكا معتادا بل تطور ذلك ليصنع نوع من "العشرة" بين المتلقي ومشاهد العنف والدموية وساهم هذا في استسهال إراقة الدماء.

افلا يمكننا طرح مشكلة نازحي تاورغاء -مثلا- من خلال عمل درامي يجسد محاكاة لحياتهم في المخيمات والتي تفتقر لأبسط متطلبات الحياة الكريمة فسيشعر الناس بمأساتهم بشكل أكبر عند معايشتها من خلال أحداث درامية تعيشنا الحالة - كما في مسلسل التغريبة الفلسطينية مثلا - ولو في تمثيلية من حلقة واحدة، وبالمناسبة قد يؤتي هذا العمل ثمارا أفضل من أن نقيم المؤتمرات والندوات والوقفات والمبادرات فالحلول الناجحة -غالبا- هي التي يكون الشارع طرفا فاعلا فيها، أو لا يمكننا من خلال انتاج شريط وثائقي يبين خطورة التعدي على البيئة ومظاهر التصحر التي باتت تظهر بشكل مخيف خصوصا في مناطق الجبل الأخضر أن ننجح في انقاذ ما تبقى؟

ناهيك عن اهمال المسرح والعروض الفكاهية التي تدخل السرور على الناس وتعالج الواقع ومشاكله الاجتماعية بشكل كوميدي هادف بعيد عن اسفاف بعض البرامج الرمضانية التي لا تصلح حتى للاستهلاك البشري ويقتصر بثها على شهر واحد في السنة في إجازة مؤقتة لنعود لاستهلاك النكد في قنواتنا ابتداء من ليلة العيد!!، واستشهدت في هذا المقال بهذه الرسمة التي لخصت كلاما كثيرا وكانت حافزا ولكنه لم يكتشف تأثيره إلا بعد عشرات السنين فقد كان ورائها فكر ناضج قاد الولايات المتحدة للجلوس على عرش العالم، فلا تحقرن من الإعلام شيئا.. وفي النهاية سأقتبس مقولة لإيهاب الأزهري والتي اختارها عنوانا لكتابه الرائع "الناس على دين إذاعاتهم".

محمد خليفة إدريس

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
لا تعليقات على هذا الموضوع
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع