مقالات

علي المقرحي

مغالطات أيديولوجية

أرشيف الكاتب
2017/02/22 على الساعة 12:50

{وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)... الإسراء 36

"إن ما لا يستطيع الإنسان أن يتحدث عنه، ينبغي له أن يصمت عنه"... فتجنشتاين

من أبرز مظاهر تأزم ثقافتنا العربية ذلك الزعم المتهافت، والقائل بأخطار تتهدد الإسلام، وبأعداء يتربصون به للنيل منه، ومن ثم بحاجته إلى من يدافع عنه في مواجهة ذلك كله. تأسيساً على هذه المقدمة يجئ هذا المقال المقتضب محاولة لإلقاء الضؤ على هذا الزعم وكشف مدى تهافته، وأيضاً كمحاولة لمعرفة الدوافع الكامنة وراء ذلك الزعم والأسس الهشة المفضية إلى تهافته، وليكن منطلقنا نظرة مباشرة إلى ما يكتنف ذلك الزعم من تناقض يتكشف عند إمعان التأمل فيه عن جهل بموضوعه، أوضح معالمه، حسبان الإسلام قابلاً للتأثر بأي عداء قد يواجهه، وعرضة للإنثلام أو الإنجراح بفعل ما يوجه إليه من نقد ومن محاولات للنيل منه، فالإسلام ليس شأن الثقافة الغربية إزاء معاناتها من الانجراحات النرجسية التي شخصها فرويد لديها، ولا هو عرضة لها، فخصوصية الإسلام كدين سماوي موحى به ومحفوظ في كتاب كريم (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) فُصِّلَتْ (٤٢) وكرؤية وجودية مؤسسة على أسمى المبادئ على الإطلاق ومنحى معرفي شمولي تتهافت إزاءه كل الشموليات الوضعية، كل ذلك يجعله بمنأى عن طول الرؤى الحسيرة والضيقة المؤسسة على القراءة باسم (الأنا) الفردية الجاهلة والمتخلفة، أو المتورمة إلى نحن أشد إيغالاً في الجهل والتخلف، إلى ذلك فإن مكمن سر الإسلام وتميزه وحصانته معاً (إنحيازه للإنسان، الذكر والانثى) وتمحوره حول السبل الكفيلة بتحرر هذا الإنسان من كل (من، وما) يتربص بهذا الإنسان ويهدد بإستلابه، وتغريبه عن خالقه وعن الإنسان (نفسه والآخر المغاير والمختلف) وعن عالمه بدأاً من كيانه الشخصي وحتى أقصى بُعد كوني يتصوره.

أيضاً لا يجاوز الإدعاء بحاجة الإسلام إلى من يدافع عنه، والتنطع لأداء تلك المهمة الوهمية، كونه دورانا أعمى حول نورج الجهل بالإسلام، ذلك أن مجرد وضع مفردة (الدفاع) في سياق أي حديث عن الإسلام، إنما هو تغافل عن خصوصيته وحصانته تجاه أي عداء وأهليته لصد أي تهديد، لا بل هو غفلة وجهل بيّن بما هو الإسلام فعلاً، فشعار (الدفاع عن الإسلام) الذي يرفعه دعاة الايديولوجيات التي تتدثر بإهاب الإسلام ينطوي على معنى تبخيسي، إذ لا يعني الدفاع في هذا السياق إلّا تبريراً لما لا يرتقي إلى مدرج اليقين ومستواه، وذلك ما لا يوافق حقيقة الإسلام، بل يوافق فقط ما يكمن وراء تلك المزاعم المتهافتة من إنحيازات متدنية ونزوعات استحواذية تسلطية، تهدف قبل أي شئ آخر إلى الإستحواذ على الإسلام وتوظيفه كأداة ووسيلة للتسلط على الإنسان الذي يعلن الإسلام إنحيازه إليه، وجاء أصلاً ليمكنه من السبل والإمكانيات الوجودية  والحياتية والمعرفية والأخلاقية والحقوقية التي تقيه غائلة تلك النزوعات المتدنية والدنيئة، ولتمكنه من التحرر من قبضتها إذا ما طالته وأطبقت عليه.

إن الإنسان وحده، وليس الإسلام هو من تحيق به المخاطر ويتهدده الأعداء، وهو وحده في حاجة فعلية للدفاع عنه، وتلك حاجة يتميز الإسلام وحده من بين كل النظم الفكرية والمعرفية والأخلاقية والحقوقية بتوفيرها له وتمكينه منها، وأغناه بها عن الحاجة لمن يدافع عنه، حتى لا يعود من السذاجة إلى حد أن يحمل على محمل الجد ما يهرف به من يدعون العمل على تحريره وعلى تحقيق مصالحه، ولا يمكنه إلا أن يبتسم دون حتى الحاجة إلى التعليق في مواجهة من يجئ إليه معتمراً قبعة الحكيم، ويصمه (بعدما طاف بمصباحه الديوجيني بلاد المسلمين، دون أن يجد مايبحث عنه) بالغفلة وبمحدودية الإدراك بل وطفوليته، ثم بعد أن يقف أمامه بمهابة وعصا فقيه كُتّاب، يعلن أمامه عن اكتشافه الارشميديسي، ويخبره تحت زعم الدفاع عن الإسلام والذود عنه بأنه ما من معنى للحرب على الإرهاب سوى الحرب على الإسلام، وفي غفلة تامة عن أن الإسلام أول من أعلن الحرب على الإرهاب، و أن دافع محاربة الإسلام بذريعة الحرب على الإرهاب إنما هو الارهاب الذي تمارسه الايديولوجيات الظلامية العدمية الزنيمة التي تنتسب زوراً إلى الإسلام، ولا تستنكف خجلاً ولا خوفا من الله، عن الخلط بين الإسلام السمح وبين خزعبلاتها ومزاعمها ومسوغاتها الزائفة، ولا تنتهي الطرفة عند هذا، بل يقتضي التعالم التعريج على نيتشه وانتحال عدميته للذود عن الإسلام، دون حد أدنى من الانتباه إلى غنى الإسلام عن تسول عدمية نيتشه للدفاع عنه، بل الذي يحتاج ذلك أيديولوجيا ظلامية لا عدمية عن نيتشه، وفكر قانط ويائس بقدر قنوطه ويأسه، أما الإسلام بما فيه من براهين ودواعي الأمل والتفاؤل كتجليين للمبدأ الخالد (مبدأ التوحيد) شأن الحق والخير والجمال، وكل تجلياته السامية التي ليست مثلاً مفارقة وغير قابلة للتحقق في واقع الناس، مثلما يقول أفلاطون، ولا هي أحلام طوباوية يتعزى بها العاجزون والمحرومون، فلا يحتاج إلى التسول من الفلسفات ولا تجسدهالأيديولوجيات، التي تظل وحدها في حاجة إلى تسول الأثافي والمساند وإلى من يدافع عنها ويرقع شروخها ويلمعها، وذلك ما يمارسه أتباعها ودعاتها حتى وإن أضطروا إلى إدعاء تجسيدها للإسلام.

إلى ذلك فإن فهماً قاصراً وسطحياً لن يكتشف أن ما يقوله فيلسوف مثل نيتشه عن الإسلام، ليس بالضرورة موافقاً لرؤية الإسلام ومبادئه ورؤيته، بل هو بالإحرى تعبير عن رؤية نيتشه العنصرية، فقول نيتشه (بأرستقراطية إسلامية) لا معنى له إلا مندرجاً في سياق عداءه للأيديولوجية العنصرية اليهودية التي يواجهها بالعنصرية الآرية، وأنه إذا لم يكن جهلاً، فعن تعمد للمغالطة يجئ الزعم بانحياز نيتشه للإسلام، ولعله يكفينا التناقض بين موقفي نيتشه من جانب، والاسلام من الجانب المقابل بإزاء السيد المسح، حيث لم يره نيتشه إلا إمتداداً للتراث اليهودي الذي عاش حياته يحاربه ويعمل على تعريته وتدميره، فيما فرق الإسلام بين السيد المسيح وبين ذلك التراث العدمي، وأظهر حقيقة أن رسالته عليه السلام كانت ثورة حقيقية عرت زيف الأيديولوجيا التوراتية العنصرية وعدميتها، وبشرت بثورة الإسلام ، كما أن حديث نيتشه عن (موت الإله) فليس غير إعلان عن موت ما يسمى الرافد الشرقي للثقافة الغربية (التراث اليهودي)، وإن يكون قد تحدث عن موت الإله المصلوب فلتذبذبه بين أيديولوجية بولس الزاعمة ألوهية المسيح، وأيديولوجية عزرا الزاعم أتباعها إنهم قتلوا السيد المسيح، ولم ذلك من نيتشه سوى محاولة منه عدمية ويائسة للتحرر من أسر برج بابل التزوير والمغالطة المتيسر ودون جهد اكتشافه في أية أيديولوجيا وفي أية ثقافة. ولعل كان قد قيض لنيتشه التحرر من ذلك الأسر المقيت، بل والنجاح في محاولته تقويض الأيديولوجيا التوراتية العنصرية، لو أنه عرف الإسلام فعلاً وقرأه وفق ما ينبغي لقراءته أن تكون، وأيضاً، ولعله أيضاً نكب عن سبيل العدمية التي غدت مطية لكل من غيبته دياجير الأيديولوجيا، وجعلت منه بأوهامه ومزاعمه وتعالمه وحججه الواهية خطراً محدقاً بالإنسان الذي خلقه الله حراً، إما الإسلام فلاخوف عليه، وما اساءة تتهدده سوى ما يزرعه براحو الإيديولوجيات الظلامية العدمية من شراك في طريقه.

علي المقرحي

كلمات مفاتيح : مقالات ليبيا المستقبل،
جمال الدين | 22/02/2017 على الساعة 15:09
الاحلام 2
ولا يقضى عليها و يطفئ نارها إلا أبناء الوطن السادة الكرام... الرجال لا تصنعهم الأقدار, بل هم من يقهرون الفوضى ويقتحمون عروش الظلم ويكسرون بوابة السجان,,, القامات العالية لا تسقط , و الأقزام تظل على حالها رغم الظروف وتبدل الأيام, أقلام الحق لا تكسر, وفي التاريخ البرهان. الوطن ضاع بين سفيها ومغفلا, الوطن ضاع بين بسيطين يظنون أنهم فاهمين, الوطن تاه لان العبد عبدا ما قنع والحر عبدا ما طمع. حفظ الله ليبيا والليبيين.
جمال الدين | 22/02/2017 على الساعة 15:08
الأحلام 1
دكتور على حياك الله ...الفكر أسمى ما في هذا الكون, والحرية أعظم ما فيه من اجلها قدمنا العطية , كما إنها مطلبا دافع عنه العلماء والمفكرين, وفي الغالب هناك ثلة من المعتوهين والمستبدين يريدون سرقتها على مر السنين... لم اعتد على أن ابخس الناس أشيائهم , ولا استحقارهم, ما زلت أرى ومعي الكثيرون إن الحوار هو لغة الرجال الفاعلين, وان التعاضد شيم الكرام أصحاب النسب العلي منذ ألاف السنين... عليك أن تيقن بان ما تمتلكه شيئا عظيم, أولا لكي تري الناس علي حقيقتهم, ثم لكي لا يستفزك حاقدا ضعيفا بائعا أثيم. ما سقط في وحل متواضعا , وما نجي ماكرا من فعل مشين... البلدان تصبح مهابة بفراسين محاربين, و تصبح في القاع بثلة من الجاهلين أنصاف المتعلمين. في زمن الحروب وسيادة البلطجية والضائعين بين دروب الزمان, تظهر الزوابع وتغيم السماء وتسود أحوال الناس ظروفا قاسية, ويسود الظلم من قبل جماعة متوحشة ومليشيات رخيصة بخيسه... الحرب ظاهرة قذرة, يخترعها الجبناء ويدفع ثمنها الرجال والثوار الشجعان,ويستفيد منها المتلونين والحذاق, واكبر ضحاياها الشيوخ والعجائز, والنساء والأطفال والأيتام.
آخر الأخبار
جميع المقالات والأراء التي تنشر في هذا الموقع تعبر عن رأي أصحابها فقط، ولا تعبر بالضرورة عن رأي إدارة الموقع